مقتطفات من كتاب "نساء العالم كما رأيتهن" لمحمد ثابت

في مطلع القرن الماضي جال الرحالة المصري محمد ثابت أنحاء العالم وكنب ملاحظاته عن النساء في كل بلد زارها و في النهاية في عام 1940 أصدر كتابه "نساء العالم كما رأيتهن" وفيه ملاحظات هامة أصاب في وصف بعضها وأخطأ في البعض لعدم فهم ما كان يراه من عادات فهما صحيحا.
أحد فصول الكتاب عن نساء سوريا في مطلع القرن الماضي وسوريا كانت تضم سوريا الحالية ولبنان . كما وصف نساء استانبول وصفا دقيقا واعتقد أن قسما كبيرا من ذلك الوصف يطابق نساء العائلات الحلبية ذات الجذور العثمانية او المتأثرة بشدة بالعادات العثمانية وبشكل أكبر من نساء العائلات الدمشقية مثلا.
سأورد مقتطفات مختارة ( يمكن لمن يريد التوسع الاطلاع على الكتاب ) مما أورده من وصف لنساء سوريا ولبنان ثم بعدها وصف نساء تركيا في أواخر عهد الدولة العثمانية الذي كما ذكرت يشابه سلوك نساء حلب في ذلك الزمن :
سوريا ( يقصد سوريا ولبنان الحاليين)
النساء ( يقصد نساء الأرياف ) هُنَّ سافرات، ويُكثِرن من التزيُّن بالجواهر والحُلي، والسيدة تقوم بعملٍ شاق، فهي تحمل جِرَار الماء، وتجمع الحطب، وتساعد الرجل في الحقول، وأسعدُ وقت لديهن: وقت الحصاد، عند جمع الزيتون وجني العنب، حين لا ينقطعن عن الضحك والغناء.
والزواج هناك مُبكِّر؛ فقلَّما تجد فتاة في سن العشرين غيرَ متزوجة،
وميلاد الولد يُعدُّ مِنة كبرى، وهم يُدلِّلون الأولاد ويُفسِدونهم، وهل يمكن لك أن تُلاطِف طفلًا قبل أن تقول: «ما شاء الله»؟
وجلُّهم يُعلِّقون خرَزة أو زجاجة مُستديرة زرقاء اتَّقاءَ الحسد، وإذا كان الطفل ضعيف الجسم يُسمُّونه باسم أحد الوحوش الكاسرة .
ومن سوء الحظ ونكَدِ الطالع أن تُلاقيَ سيدة تحمل جرَّة فارغة، خصوصًا عند مرور حفلة زواج، على أن الشر المتوقَّع من هذا يَخِف أثره إذا كسرَت المرأة الجرَّة أو أدخلَت فيها ذراعها!
ولا يمكن أن تَترك المرأة من بقايا شعرها أو قلامة أظافرها شيئًا، وإلا أثَّر فيها مَن يحرز جزءًا منها! ( يقصد ايمانهم بالسحر اعتمادا على اثر من جسد المطلوب سحرها )
ونساء الأغنياء من المسلمين ( يقصد من سكان المدن) محجَّبات، يَخرجن وعليهن «الإزار» الأبيض أو الأسود يُلقى فوق الرأس، ويُضَم إلى الجسد بحزام في الخصر. ( يقصد الملحفة ) .
وسكان الشمال من العرب ( يقصد البدو ) ، في نسائهم مَسْحة من جمال يُفسِدها الوشم على الشفة السفلى، ويفاجِئُهن الكِبَر عاجلًا؛ وذلك لأنهن يتزوجن في سنٍّ صغيرة جدًّا، فإذا بلغَت السيدةُ الثلاثين أصبحَت في عِداد العجائز.
ترى أهلَ كل ملَّة يقطنون في حيٍّ منفصل عن الأخرى، وتتعدد تلك المِلَل جدًّا.
ونساء الشام ( يقصد نساء سوريا بحدودها الحالية فقد كان المصريون يسمون سكانها شوام ) مُكتنزات الجسم بيض الوجوه، وهنَّ على جمالٍ فتَّان يفوق الجمال المصري بكثير، وكُنَّ يتحدثن معي مُفتخِرات بجمالهن على مصر، ومعجَبات بخفة الدم المصري، تلك الخفة التي تُعوِزهن جميعًا.
وأجلى ما يبدو ذلك عند ما يسترسلن في الحديث بلُغتِهن الممطوطة وكلماتهن المنفِّرة، ( لا يتقبل المصاروة بسهولة اللهجات السورية كاللهجة الدمشقية والحلبية )
ولن أنسى موقف إحدى السيدات الجميلات، مع طفلها الذي خالفَها مرةً وجمح عنها وشرع في الجري بعيدًا عنها، فصاحت تنهره بصوتٍ جَهْوري وهي تقول: «ولا فشخة، ولا فشخة»، أعني: قِف مكانك، ولا تتحرك خَطْوة واحدة.
سأورد الان مقتطفات وجمل مختارة من وصفه لنساء تركيا اللواتي كما ارى كن يشابهن بسلوكهن اقرانهن من نساء مدينة حلب لتجذر العادات العثمانية في حلب تاريخيا :
ونساء الأتراك ....بعيداتٌ عن الخلاعة والإسراف في التزيُّن، فهُن يسِرن في وقار، وهُنَّ في نظري لسنَ ساحراتٍ في الجمال، والجمال الفاتن نادر بينهن، فالشاميَّات ( يقصد الحلبيات والدمشقيات وغيرهن من السوريات ) أوفرُ جمالًا، كذلك تعوزهن الرشاقة ( يقصد التركيات )، لكني أعود فأمتدح فيهن هذا الاتزانَ والوقار، فالتركية زوجة فاضلة لا محالة، فكنتُ ألاحظ الكثير منهن يلبسن ملاءات وفوق الرأس قناع أسود كالستار، ( يقصد الباجاية والبرانيل ) ..
وهن على أدبٍ جم، حتى في المجتمعات العامة لا تكاد تسمع لهن هرجًا، ... و النساء يسِرن في كمالٍ زائد ووقار كبير، ولا تَحين منهم تلك اللَّفتات التي يراها الإنسان في غيرهن من سائر نساء بلاد أوروبا، وفيهن شيءٌ كثير من رزانة الإنجليزيَّات وبرود طباعهن، فلا تهتز لما يقع حولها، ....
وعناية القوم بأطفالهن زائدة، فكنتُ أرى الأب المدقع في ثيابه البالية، يحمل طفله في هندامٍ نظيف ووجه أبيض ناصع لا تَشوبه قذارة قط، والرجال يُعنَون بأطفالهم ونسائهم، فترى زوجةَ هذا الفقير في أردية نظيفة، فلا تَكاد تُصدِّق أنها زوج ذاك الصعلوك.

 

إعداد: علاء السيد