عين حشرة تلهم رؤية المستقبل

طور علماء في أمريكا عين حشرة اصطناعية قد تستخدم في آلات التصوير فائقة الدقة. والعين الجديدة المتناهية في الصغر تحتوي على 8,500 عدسة سداسية الشكل مجمعة في منطقة هي في حجم رأس الدبوس.

والبنية الجديدة التي تأخذ شكل القبة كما تم وصفها في مجلة العلوم هي أشبه ما تكون بعين النحلة.

ويقول الباحثون من جامعة كاليفورنيا، بيركيلي، إن العمل الجديد قد يلقي الضوء أيضا على الكيفية التي تمكنت من خلالها الحشرات من تطوير أنظمة رؤية معقدة كهذه.

فقد قال البروفيسور ليوك لي، وهو أحد مؤلفي البحث الجديد، إنه "حتى الحشرات تبدأ بخلية واحدة، ومن ثم تنمو هذه الخلية وتخلق بنفسها هذا النظام البصري البديع".

وأضاف البروفيسور لي قائلا: "كم أود أن أفهم كيف تستطيع الطبيعة تكوين طبقة فوق طبقة من البنى الكاملة المنظمة بدون الحاجة إلى تقنية دقيقة ذات تكاليف باهظة".

وبالنتيجة فقد تمكن مهندسو علم الأحياء من التوصل إلى طريقة رخيصة وسهلة نسبيا لتكوين العيون الاصطناعية والتي قد تحاكي في أدائها بشكل جزئي عمل العيون الطبيعية.

وتتكون عيون الحشرات عادة ، والتي تعرف بالعيون المركبة، من مئات الوحدات البصرية التي تغطيها عدسات متناهية في الصغر تعرف بالعوينات.

فعلى سبيل المثال يوجد في كل عين من عيون اليعسوب 30,000 وحدة من هذه البنى أو العوينات.


وتقوم العوينة بشكل إفرادي بتوجيه الضوء عبر العدسة وتشكله على هيئة مخروط يمر عبر قناة تعرف بالرابدوم أو المسبار وهي تحتوي على خلايا حساسة بالنسبة للضوء. وهذه الخلايا متصلة هي الأخرى بخلايا عصبية بصرية لإنتاج الصورة أو الخيال.

وتجمع العوينات جنبا إلى جنب عل هيئة نتوءات أو انتفاخات تشكل حقل رؤية واسع للحشرة.

وبما أن كل وحدة توجه باتجاه مختلف بعض الشيء عن الآخر، فإن العين التي تشبه قرص شهد العسل تشكل صورة فسيفسائية مزينة. فهي وإن كانت غير نقية وصافية بشكل كبير فإنها تكون بارعة جدا في التقاط الحركة.

لقد شكل فريق العلماء العين الاصطناعية وذلك بأن صنعوا في البداية قالبا قابلا لإعادة الاستعمال يحتوي على 8,7000 فراغ متماثل.

وجيء بعد ذلك بالقالب الذي أخذ شكل نصف الكرة وظهرت عليه علامات تشبه البثور وتم ملء القالب بمادة الراتنج الصمغية التي تتحسس عند تعريضها للأشعة فوق البنفسجية لتشكل مادة أكثر قساوة وذات ميزات كيماوية مختلفة.

وبعد أن يتم شوي الشكل الجديد على درجة حرارة منخفضة لتشكيل المادة الجديدة يمكن فصله عن القالب الذي أعطاه شكله.

وكانت النتيجة أن حصلنا على قبة هي في حجم الدبوس تحتوي على 8,700 نتوء مرتبة على شكل قرص من الشهد على السطح.

ويتصرف كل نتوء وكأنه عدسة تقوم بعملية تركيز أي كمية من الضوء تمر عبر المادة الموضوعة تحتها.

ويبدي الضوء المركز مع مرور الزمن ردة فعل تجاه مادة الصمغ ليشكل مخروطا يقوم بتوجيه الضوء بدوره على امتداد عمق الشكل الجديد.

وكلما استمر الضوء بشق طريقه والتغلغل عبر المادة الصمغية فإنه يشكل قناة متناهية في الصغر تسمى موجه الموجة، وهي شبيهة بالراندوم أو المسبار في عين الحشرة.

ويغير تفاعل البوليمر المركب الكيميائي الجديد مع الضوء الخواص الكيميائية للمادة مما يعني أن كل أشعة ضوئية تمر عبر موجه الموجات تجبر على السير على طول القناة حتى النهاية.

وكانت النتيجة أن حصلنا على قبة بالغة الصغر من الراتنج مغطاة بعدسات تخترقها موجهات الأمواج المتوازنة بشكل تام حيث تقوم بتوجيه النور عبر مركز القبة.

ومع تشكل القنوات كنتيجة مباشرة للضوء الساقط من العدسات يعتقد الباحثون أنهم قد يتمكنون من تبصر ماهية عمل النظام الذي تشكلت فيه هذه البنى بالأصل داخل عيون الحشرات.

ويقول البروفيسور لي: "يبدو الأمر بالنسبة لي ذا معنى أكثر أن يكون لدينا عدسة واحدة في البداية. أنا لا أعتقد أنك قد شكلتم الجهاز العصبي في البداية ومن ثم بدأ هذا الجهاز بالتكاثر والانتشار".

والعين الاصطناعية ليست موصولة الآن بأي نوع من أنواع أجهزة الصور أو الإبصار.

إلا أنه يمكن للعين في المستقبل أن توصل بجهاز لاستشعار وجود الصور شبيه بذاك الذي يستخدم في آلات التصوير الرقمية إن أردنا أن نكمل عملية الاختراع هذه.

وقد تسمح التقنية الجديدة باستخدام العين في أجهزة استطلاع متناهية الدقة وفي جميع الاتجاهات. وقد تستخدم أيضا في آلات التصوير البالغة الحساسية أو في أجهزة الرصد السريعة فائقة السرعة.

 وتبدي وحدة البحوث العسكرية الأمريكية المعروفة بوكالة مشاريع البحوث الدفاعية المتطورة (DARPA) اهتماما في مشروع العين الجديدة فقد مولت بعض جوانب البحث.

ويعتقد البروفيسور لي أيضا أنه يمكن أن يكون للعين الجديدة تطبيقات طبية مثل تصوير الأحشاء من الداخل.

فقد قال البروفسور لي لـبي بي سي: "قد يمكننا ابتلاع هذا الجهاز الذي يتمتع بإمكانية تأمين عملية التواصل اللاسلكي.

"في ذات الوقت الذي يتم فيه التقاط هذه الصور البديعة داخل الجسم يمكن بثها إلى الخارج".

ويمضي البروفيسور لي إلى آخر الخط في اعتقاده إذ يقول إن الاختراع الجديد قد يساعد على تطوير شبكيات اصطناعية لزرعها في عيون العميان.

ويختتم البروفيسور لي تعليقه على الموضوع بالقول: "إن هذا هو هدفنا وغايتنا المستقبلية".


 

 

المصدر : بي بي سي