رمضان لم يصفد الشياطين: من يزوّر صورة دمشق ؟

31-07-2014

رمضان لم يصفد الشياطين: من يزوّر صورة دمشق ؟

الجمل- بشار بشير: "بحرة الدفاقة" اسم حارة صغيرة قرب الجامع الأموي في دمشق القديمة اكتسبته من بحرة تتجمع فيها مياه بردى ثم تتوزع من خلال فتحات على بيوت الحارة، يشغل قسم كبير من الدرب الرئيسي في الحارة بيت جدي لوالدي الذي ولدت وقضيت طفولتي فيه. بيت جدي لوالدتي ليس ببعيد يقع جانب "زقاق النقيب" بقرب مقام السيدة رقية (الطفلة المظلومة) حارة هذا المنزل صغيرة وغير نافذة يختلط فيها الضوء والظل بحميمية تميز دمشق. في مدخل الحارة جامع صغير في طرف باحته يوجد بضعة قبور قديمة، يعرف هذا الجامع والحارة بإسم "ستي زيتونة" عندما كبرت استغربت الأسم وتتبعته فعرفت أنه تحوير لأسم "ستة تحت الزيتونة" وهم ستة جنود دفنوا في هذا الموضع تحت شجرة زيتون، وقبورهم هي التي ذَكرت أنها موجودة في طرف باحة الجامع ويبدوا أنهم قضوا أمام باب الفراديس (باب العمارة) التي تقع الحارة المذكورة خلفه تماماً وذلك خلال معركة الدخول العربي الإسلامي إلى دمشق  .
هنا ولدت ونشأت ولازلت أعيش، ورغم ذلك لا يمكنني أن أتنطح وأقول أني أعرف دمشق وأني خبير بها. هذه المدينة المتنوعة المختلطة الملونة لا يمكن الإحاطة بها كلها، بقدر ما توحي لك بأنها قرية صغيرة يعرف الجميع قصصها بقدر ما تكون مخادعة في هذا تبتلعك كمدينة كبيرة و تبوح لك حسب رغبتها بجزء أو أجزاء من أسرارها فقط .
ثم يأتي بكل صفاقة من يعتقد أنه سيزيح كل الأستار وسيقدم دمشق سافرة عارية مفضوحة الأسرار للعلن وعلى الشاشة، من ظن هذا هو: الدراما والمسلسلات الرمضانية. توليفة من آفاقين يهمهم أن يقبضوا أجورهم بالريال بعضهم من أصول غير سورية وأغلبهم غير دمشقيين تنطحوا لتقديم سفاسف وسخافات على أساس أنها تاريخ دمشق وشكل حياتها، يدفع لهم ويدفعهم لذلك مؤامرة كبرى يشرف على تنفيذها ويتحمل نفقاتها مال بترول الصحراء. وتهدف لتسخيف وتسطيح تاريخ وحياة أم المدن، حيث أطفالها لا يُقدم لهم إلا "الملضمينا" ونساءها جاهلات و معتقلات في المطابخ وخلف الحجاب (لا كارثة تفوق ظهور المرأة بالقرعة "أي سافرة") ورجالها تجيد تفتيل الشوارب و الزواج. النماذج الأخرى التي توضع في هذه المسلسلات هي لذر الرماد في العيون و لتحاشي النقد .
المسلسلات المعاصرة ليست أفضل فغالبيتها الساحقة تسعى لتقديم السوري الحقيقي بشكل سيء بينما تمجد المعارضين والخونة، تَجد حالة تصلح للنقد وللسخرية في كل شخص وطني، وتُظهر بطولاتها في انتقاد و الإستهزاء  بالوطنيين (والموالين) بينما تتعامى عن عشرات الشخصيات الكاركاتورية والكرتونية في المعارضة التي تصلح كمادة للسخرية تكفي مئات المسلسلات.

الهجمة ليست على سورية لوحدها، مصر نالت نصيبها أيضاً، ففي السلسلات المعاصرة هي مرتع للرذيلة والدعارة والمخدرات (لا أعرف كيف يمكن أن يكون رمضان موسم لمثل هذه المسلسلات) وفي المسلسلات التاريخية حالتها ليست بأفضل مع تركيز على تسخيف وتحقير شخصياتها التاريخية. فمحمد علي الكبير مثلاً (أعظم شخصية مصرية في العصر الحديث) يظهر كأبله فاقد للعقل في أحد المسلسلات ولم يبق إلا أن يضعوا في عنقه مسبحة ويجعلونه يدور في الحواري وهو يقول " حَييييي ". لم أشاهد المسلسل الذي يتحدث عن عبد الناصر لكني قرأت وسمعت أنه أيضاً أساء له.

يمتاز الإنسان بذاكرته وأنه اخترع اللغة ليستطيع نقل ما يعرفه ويتذكره ثم اخترع الكتابة لتساعده على حفظ كل معلوماته وذكرياته ثم تطور إلى إختراع وسائل حفظ الكتابة من النقش على الحجر إلى الجلود والرقع إلى الورق إلى الوسائل الألكترونية. إذا أردت أن تقضي على ذاكرة شعب و تاريخه ومعلوماته يجب أن تتبع طريقين: القضاء على وسائل حفظ ذاكرته بتدميرها وتخريبها وحرقها، والقضاء على ذاكرته بسرقتها وبتغييرها وبالقضاء على عقله. وهذا ما تفعله السعودية ودول الخليج إن استطاعت فهي تدمر وتحرق آثارنا وأوابدنا، وإن استطاعت فهي تسطو على تاريخنا وتعيد كتابته (بأسخف وأكذب ما يمكن) ثم تصدره إلينا على شكل دراما تلفزيونية وكتب تراث و فتاوي، وشخصيات تنفخها إعلامياً وإجتماعياً ومالياً لتصبح رائدة وقائدة و تنفتح لها القلوب والعقول لبث سمومها كما يشاء المخططين الكبار (الصهيونية العالمية) وتحتهم ناقلي الأوامر والممولين من عربان البترول وأخيراً تصل للمنفذين الصغار الذين يخونون أهلهم وأنفسهم طمعاً بثلاثين فضة .
أولاً سُرق رمضان بأن حُوِّل من شهر العبادة إلى شهر العروض التلفزيونية، ثم سرق الفن الراقي بأن فُرض على أي قصة مهما كانت بليغة و مكثفة بأن تُمط بكل سخافة لتصبح كافية لثلاثين حلقة على عدد أيام شهر رمضان، ثم سرق الذوق بأن أصبح مقبولاً أن تكون البرامج و المسلسلات الرمضانية هي الأكثر إباحية وعرضاً للدعارة والخيانة والسواقط الإجتماعية. ثم وصلنا إلى مرحلة إستلاب العقل وسرقة الذاكرة والتاريخ وتشويههم .
على المقلب الآخر الأمور ليست بأفضل فالبرامج والمسلسلات الدينية تضخ سموم وأكاذيب وتعيد تشكيل العقل الجمعي والذاكرة والتاريخ بما يناسب اليهودية الصهيونية  .

العقل المسروق هو عقل مصر وسورية والبلدان التي تدور في فلكهما والسارق الذي يظهر في الصورة هو السعودية أما السارق الحقيقي فهو زعيم العصابة والمجرم الأكبر الذي نعرفه كلنا وأرجوكم لا يقل لي أحدكم أني مغرم بنظرية المؤامرة  فهي أصلاً لم تعد مؤامرة بل أصبحت خطة واضحة وظاهرة كضوء الشمس والمشكلة أنها لا زالت مستمرة وبنجاح رغم انكشافها. يبدوا أن الصخرة لا تقف إن بدأت بالتدحرج من قمة الجبل، علينا إما تفجيرها وتحويلها لغبار وحصى صغير لا يؤذي أو أن نكون بضخامة كافية لكي نصدها ونوقف تدحرجها. أظن أننا نمتلك الخيارين وتنقصنا الإرادة لتنفيذهما. 

 

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...