ملف غياب جوزف سماحة (3)

28-02-2007

ملف غياب جوزف سماحة (3)

ما العمل؟ مجرّد عنوان: زياد الرحباني

إلى أصدقاء جوزف سماحة، رفاقه، زملائه في العمل، إلى الأحبّاء والأقارب، وإلى قرّائه أيضاً، أرجوكم: لا بكاء، لا رثاء، لا ذكريات، لا مقارنات، لا نوستالجيا، لا قصائد... أرجوكم فكّروا جيداً معنا كيف يُملأ هذا الفراغ الكبير...

... ولتكن مناسبة، وهي على الأرجح الأخيرة، لتلاقي كل الشيوعيين أولاً، و«ما يعادلهم»، أو يتلاقى معهم اليوم، فليكن من اليوم فصاعداً فدوماً، في مواجهة عدوٍّ عنيدٍ داخليٍّ غير إسرائيل. أرجوكم لا تدعوا هذا العدو يستقوي لحظةً بغياب «الرفيق سماحة»، فبعض قادته سعيدٌ، صدّقوني، لغيابه، وبلغتهم: لاختفائه. إذ هذا يعني اختفاء الإزعاج المشاغب اليومي لمشاريعهم، زوال عقبة ذكيّة كاشفة أمام ألغاز أطباعهم وخفايا نيّاتهم، اختفاءُ نَفَسٍ طويل معتَّقٍ دؤوبٍ على شرحهم وتشريحهم، توقُّف آلةٍ لتبسيط كذبهم المحنّك ونشره علناً بكل هدوء، انزياحُ عدوٍّ جديٍّ لـ«الرأس»: الإدارة الأميركية. هل البكاء، هنا، مقبول؟ لا بكاءَ أرجوكم، فهذه الإدارة تحبّ البكاء أيضاً، وكثيراً ما تشجّعه وتحرص على مشاركة العالم الثالث فيه بكلّ رُقيٍّ ووقار، بكاءُ سفارات! فأرجوكم لا بكاء، وخاصةً لا رثاء. فالرثاء فعلٌ يُفعَل لشخصٍ مات، أولاً، وثانياً: «ما العمل» إذاً؟
العمل كثير. العمل كثيرٌ جدّاً، فـ«إلى العمل».
واعتبروا منذ اليوم أنَّ عبارة «ما العمل؟» أصبحت مجرّد عنوانٍ لهذه الزاوية من الصحيفة.

الأخبار

الأصدقاء مفجوعون. القرّاء لا يصدّقون. الشركاء والزملاء وأهل الفكر والقلم يسعون إلى مواصلة النقاش. الكلّ مصرّ على الكتابة عن جوزف وإليه. موقع “الأخبار” على الشبكة تعرّض للضغط الشديد، ما أدّى إلى انقطاع الصلة، واستحالة الدخول إليه لبعض الوقت. الشهادات تنهال على مكاتبنا من كل أنحاء لبنان والوطن العربي والعالم... عبر الانترنت، والفاكس والرسائل المكتوبة. مواطنون وقراء، بعضهم لا يكتفي بالرثاء، بل يريد أن يشهد، أن يعبّر عن رأيه، ويطالب “الأخبار” بمواصلة هذه المغامرة التي بدأت حلماً في ذهن جوزف وابراهيم الأمين ورفاقهما

«الخارج يقرّر عنّا ولنا. مصائرنا مرهونة، بالكامل، لمصالحه. نعاني انكشافاً قلّ نظيره في التاريخ الحديث. علينا أن نرجع، ربما، إلى بدايات القرن الماضي لنلاحظ وجود حالة شبيهة. يريد هذا الخارج للحكومة اللبنانية أن تبقى. يريد للحكومة الفلسطينية أن تسقط. يريد للحكومة العراقية أن تعدّل سياستها. لا وجود لأي توسّط إقليمي بين هذا الخارج وبين الحالات الوطنية المشار إليها. وإذا كان من توسّط تقوم به دول عربية مستقرّة فهو لا يعدو كونه شكلاً من أشكال نقل الرغبات الخارجية وإيصالها إلى حيث يجب والمساعدة على تحقيقها.
المشهد الذي يرتسم أمامنا محزن.»                                                                        جوزف سماحة

عذراً، لن أبكي: أمل الأندري

عذراً، لكن لن أبكي، أنا لا أعرفك، وسبعة أشهر لا تكفي لأفتقدك. أصلاً، أنا أتيت مع بيار إلى الجريدة وإذا أحصيت اللحظات التي جمعتني بك ــــــ بما فيها لقاءاتي العابرة والكثيرة بك في رواق الصحيفة ــــــ فالبكاد «تطلع» نصف ساعة. هذا عدل، والأرقام لا تخطئ. نصف ساعة لا تكفي كي أرثيك. لكن قل لي أولاً: «أهي خطواتك الثقيلة التي تعبت من الرواق الضيق أم أنّ الرواق هو الذي ضاق ذرعاً بقدمك التي تسحق قلبه؟
لن أبكي، ما دخلي بك أصلاً؟ حتى أنّني غاضبة منك وأختلف معك أخلاقياً. فكيف أمكنك ترك طفلتك والرحيل هكذا مثل مراهق؟ هي لم تبلغ السنة يا أستاذ جوزف. أستاذ! أتعلم أنّهم أجبروني على مناداتك جوزف؟ أجل أجبروني. قالوا: سيشعر بأنك تفرضين مسافةً بينك وبينه. لذا، كنت أناديك بعد محاولات تهرّب فاشلة، جوزف... لكن بسرعة، على غفلة، تماماً كما جاء رحيلك.
أتعرف؟ مساء الأحد، عندما راح الزوّار يتوافدون علينا كالاجتياح، لمحت قامةً طويلةً بينهم، قلتُ: «ها هو قد عاد. إذاً، كانت تلك حيلة، أراد أن يعرف من سيبكيه. رحت أدنو شيئاً فشيئاً من كوة الضوء، وكلما كانت خطاي تقترب من تلك القامة الطويلة، كانت تقضم الأمل في قلبي... طيب، إذاً جاء ليعزّي طفلته بمصابها! يا له من ساديّ، يتفنّن بأدوات تعذيبه.
قلت لك سلفاً لن أبكيك، لكن، يا أستاذ جوزف، حركاتك الصغيرة التي تركتها بخبث تتسلّل إلى قلبي تأبى الآن أن تغادر. حركاتك الصغيرة ما زالت تستكين فيّ، تتكدّس كالحجارة ثقيلة ومؤلمة. هكذا أنتَ، تتلهّى برمي الحجارة في البحيرة، وتنسى أّنها ستنتهي جاثمةً على القلب وقابضةً على الروح.
لن أبكي، نصف ساعة لا تكفي لزرع الفوضى داخلي. نصف ساعة «نصرفها» عادة في زحام شوارع بيروت، في «مول»، أو «بوتيك». بالطبع لا تكفي. وأنا لم أعتد وجودك. في كل شيء، يجب أن نعتاد، أن نجمّع الذكريات ونكدّسها... كي نبكيها لاحقاً. أعجوبة أن تسحقك نصف ساعة. هل أنا هشّة إلى هذا الحد؟ أم أنّك أنتَ الحاضر إلى هذا الحدّ؟
لن أبكي، ما دخلي بك أصلاً؟ لكنّ وجهك المعلّق في الرواق يقلقني، قامتك الثقيلة تظلّل وجودي كغيمة تستعدّ لشتاء طويل، وهذا الثقب اللعين يؤلمني. آه، نسيت أن أقول لك: كيف ترحل، وأنا لم أعتد غيابك بعد؟

قصّتي مع جوزف سماحة... حلم طفولة: رندلى جبّور

قصّتي معه قصّة حلم طفولة. فقد سألَنا مدرّس اللغة العربية في الصف الثانوي الأول عن «شو بدكن تعملوا وقت تخلصوا مدرسة»، وجاءت إجابتي عفوية وسريعة: «سأصبح مثل جوزف سماحة». كان يمكن القول: «سأتخصص في الصحافة» أو «سأدخل عالم الإعلام»... لكن رئيس تحرير جريدة «السفير» آنذاك اختصر بالنسبة لي الصحافة والإعلام والفكر والتحليل والقراءة السياسية حتى بات اختصاصاً بذاته!
وتعرّفت به...
مرة جديدة... هو الموت! وتستيقظ ردات الفعل بين الحين والآخر لتختصر ألم فقدان قلم، لا يشبه الأقلام. ويسمع مثلاً: «جوزف مش لازم يموت» و«الأستاذ سماحة مستحيل يغيب عنّا هلقد بكّير»... لا تحزنوا! فمثل أولئك الناس لا يغيبون... لقد تركوا خلفهم أجيالاً من عبقرية تلك المهنة وفواصلها ومداخلها ودهاليزها التي لا تحصى... بل تركوا أطفالهم الكلمات يلهون بين السطور لنكتشف في عمقهم جديداً كل يوم!
فوداعاً لشخصك، وأهلاً بخلودك في ما هو أقوى وأطول عمراً! وداعاً «أستاذ جوزف»!!

لا تنسَ أن تبتسم: رشا أبو زكي

تعمّدت الرحيل، اعترف. تقصدت الموت في كل مقالة كتبتها. حاولت أن تنزع عن شوك الورود ربطات العنق. جعلت أسياد القهر عراة الا من كلماتك العاصفة. سهامك ستبقى في قلوبهم، ودقات قلبك ستنبض في عروق هذه الجريدة...
أيها الأستاذ، لا نزال ننتظرك هنا قرب مكتبك. نسترق النظر الى كنبتك السوداء، أين انت الآن؟ لمَ لا تجيب؟. نحن براعم «الأخبار» نتشوّق لمياهك كي تحولنا ثمار حرية. كيف سنتباهى بعد الآن بأننا في مدرسة سماحة، ماذا سنقول لكل من يرفض حريتنا، بأن أستاذنا سيبقى خنجراً في عنقهم؟ لماذا تركتنا باكراً؟ ظننّا أنّك سترافقنا في مشوارنا الصحافي. والآن ماذا؟
ألم أكن من المؤمنين بأنك الآن ستسمعني، لكنك جعلتني أساوم، نحن من خلّفتهم أيتاماً سنساوم معك فقط. سأخاطبك، سأقترح عليك بعض المواضيع، سأزعجك ببعض ما يقلقني وسأسمعك تقول لي «اصبري»، سأحب هذه الكلمة، سأنتظر بعض الكتب التي وعدتني بها.
أستاذ جوزف، لا تنسَ أن تبتسم كل يوم، سألتقيك حتماً، فأنا شاردة دائماً خارج قسمي. وحين ألتقيك سأبوح لك بسر أعرف انك لن تفضحه: هنا في جريدتك، في كل زاوية مررت بها، أبناؤك يبكون، بدأت أصدق ما السبب. وإليك بآخر، صورك في كل مكان على الحيطان، في قلوبنا، على شاشات الكومبيوتر. هناك مقاعد كثيرة خارج المكاتب، والرواق احتله رفاقك، اصدقاؤك وأبناؤك من جرائد أخرى، ونحن مذهولون، نحاول مقاومتهم بنظرة ترفض كلمة الموت ولا ننجح. وفي زاوية خلف الكومبيوتر، هناك من يحاول أن يخفي عيونه، يشعر بعدم الانتماء، يسمع انه لن يراك مجدداً، ولن يستطيع أن يشرب القهوة عند قراءة مقالاتك صباحاً، قد لا يشرب القهوة بعد الآن، ولن يفرح بقطع قالب الحلوى في عيد ميلاده في الخامس والعشرين من شباط. ولن يتخطّى ثمانية أشهر تعوّد فيها قلمك، لأنه يعلم أنه في هذا الوقت قد يلتقيك يومياً، قد يرى ابتسامتك، قد يدخل الى مكتبك، ويرتبك في تواضعك. سيحاول ألّا يبكي... سيفشل. جوزف سماحة، ليتني قلت لك كم أحبك.
سافرت باكراً يا صادق الالتزام: طارق ترشيشي

لم يكن جوزف سماحة يدرك أنه سيكون يوماً خبر «الأخبار» التي ذاع صيتها سريعاً وأخذت حيّزها بين زميلاتها من كبريات الصحف اللبنانية والعربية بعدما عمل بدأب وصمت مع الزميل ابراهيم الأمين ونخبة من الزملاء على التأسيس لإصدارها لتكون مثالاً للصحافة الملتزمة قضايا الوطن والأمة.
وقد شاء القدر، أمس واليوم، أن يكون جوزف سماحة خبر صحيفته «الأخبار»، وأن يتصدر الأخبار في كل وسائل الإعلام وعلى ألسنة قرّائه ومتابعيه من أهل السياسة والصحافة وغيرهم في دنيا لبنان والعرب والعالم الذين خسروا برحيله قلماً ملتزماً حتى العظم القضايا العادلة الوطنية والقومية والأممية، مدافعاً عنها حتى حدود التضحية بالنفس.
جوزف سماحة كان أليف الكلمة ومؤلّفها، وكان أبجدية ومدرسة في الصحافة وعلم كتابة المقال، يتنقل يومياً بين القراءة ومتابعة الأخبار والبرامج السياسية في الأرضيات والفضائيات، حتى تخاله يريد أن يحيط بكل أخبار الكون وأحواله في كل الميادين دفعةً واحدةً وفي لحظة من شدة نهمه وولعه بتتبع الأخبار، القريب منها والبعيد. كان قارئاً جيداً ومستمعاً جيداً. ولم يكن يخشى في الحق لومة لائم، جريئاً الى أقصى الحدود، وسهلاً ممتنعاً، يقارب الواقع بأُسلوب يُعبّر عن إحساس مرهف تعكسه معالجته للقضايا التي يتناولها في مقالته التي كان يسكبها في قالب من الأدب السياسي المغتني بالمعلومة الموثقة والمهنية العالية والالتزام الوطني الصادق.
وجوزف سماحة مثال الإنسان الملتزم قضايا وطنه وأمته، وقد صقل التزامه وجعله نبراساً للآخرين عندما دخل معترك مهنة البحث عن المتاعب، بارعاً في المزج بين مهنيته وموضوعيته والتزامه الوطني والقومي، بحيث إنّه لم يجعل أياً من هذه المزايا تطغى على الأُخرى . فكان مهنياً بكل ما للكلمة من معنى، وكان موضوعياً الى أقصى الحدود، وكان ملتزماً قضايا لبنان وشعبه وقضايا العرب من دون هوادة. فلقد كان صحافياً فذّاً ولبنانياً كبيراً وعربياً كبيراً.
عرفت جوزف سماحة عن قرب عندما التحقت بأُسرة «الأخبار» التي كان قد مضى على بدء صدورها نحو شهرين. لكني كنت أعرفه جيداً من خلال افتتاحيته التي كانت تتصدر الصفحة الأولى من صحيفة «السفير» التي رأَس تحريرها لسنوات، بحيث إني وكثيرين من زملائي «أدمنّا» قراءة هذه الافتتاحية قبل أن ننطلق الى ورشتنا اليومية في مهنة البحث عن المتاعب. وقد ازداد إدماننا هذا عندما انتقل من رئاسة تحرير «السفير» إلى رئاسة تحرير «الأخبار» لتتصدّر افتتاحيّاته صفحتها الأولى يومياً.
كانت آخر كلماته لي عشيّة سفره قبل أيام إلى لندن: «عجِّل خلّص المانشيت. ما بدي إسهر كتير الليلة لأنو عندي بكرا سفرة بكير...».
كنت أعلم أنّه يريد السفر إلى لندن في اليوم التالي لمواساة صديقه وزميله حازم صاغية بوفاة زوجته المرحومة مي غصوب.
لقد سافرت إلى الرفيق الأعلى باكراً يا جوزف، وها نحن نتقبل المواساة بك من محبّيك وأصدقائك وكل من كان يقرأك.
سافرت يا جوزف... لكن سيمضي وقت طويل حتى ننسى انتظارك للتشاور في نشر خبر وتحديد موضوعات الصفحات و«المانشيت» وحتى ننسى طلّاتك المتلاحقة علينا في مكاتبنا كأنك تتفقّدنا وتطمئن علينا، لا لإعطاء أوامر أو توجيهات، والحق يقال إننا ما أحسسنا بك يوماً رئيساً يأمر مرؤوسيه، وإنما كنت واحداً منّا نتقاسم الزّاد أحياناً كما نتقاسم العمل، وكنت دائماً أول من يبدأ يوم «الأخبار» وآخر من ينهيه.
إلى جنان الخلد يا جوزف...

الأستاذ: وفيق قانصوه

كم كنت أغبط بيسان عندما كانت تمر عليّ بين حين وآخر وتخبرني أنها آتية للتو من عندك. كنا دائماً نتفق على أن نزورك، لكننا لم نفعل. اذ كنت أقدّر دائماً أن مشاغلك أكثر من أن تسمح بأن نأخذ من وقتك، فاكتفيت بأن أتصل بك بين حين وآخر شاكراً لك مقالاً عبّر عن مكنوناتي وأثلج صدري، فتهرب من الاشادة بكلمة: «مرّ نتغدّى». لكنني لم أمر ولم «نتغدّى»، اذ كنت أعتبر ذلك مجاملة، أنا الذي اعتدت رؤساء تحرير لا يردّون على الهواتف مباشرة ولا يتغدّون الا مع الكبار.
أقنعني بيار بالمشروع ــــــ الحلم والتقينا. لا أخفيك أنني شعرت بالفخر اذ أنا و«الأستاذ» جوزف الى طاولة واحدة في مقهى الروضة. مقاومة اغراء العمل معك غير ممكنة، انا الذي لم أستطع أن «أكمشك» منذ تركت لندن للعمل معك في «الحياة»، الا أنني قبل أن أصل الى بيروت وجدتك في «السفير». عاتبتك فقلت لي تعال الينا اذا شئت.
أخيراً نحن في جريدة «الأحلام»، أحلامك وأحلامنا.
جوزف... كم تدربت على أن ألفظ اسمك، هكذا، «حاف» مثلما طلبت مني. أستجمع قواي وأقولها، شاعراً بأنني ارتكب ذنباً. ولم لا؟ ألست الأستاذ؟ ليتك أبقيت حاجز «الأستذة» بيننا. لن أسامحك على هذه الخطيئة ما حييت.
 صديقي الذي لا يشبهني: نادر صبّاغ

«إنّي تعبان...» قالها لي منذ أسبوعين. أن يقولها جوزف، فهو يعنيها. لم يعودنا أن يقول شيئاً مماثلاً أو أن يشتكي. عادة كنا نحن الذين نتذمر إليه، وكان هو يستمع.
لم تنجح محاولاتنا في إعطائه إجازة ليبتعد عن الجريدة ويستريح قليلاً، كان يردد «البلد ما بينترك». هاتفني قبل أسبوع ليخبرني بأنه متردد في السفر إلى لندن. هو لا يحبها أصلاً، كثيراً ما أخبرني بذلك، لكنه يريد أن يكون قريباً من حازم في مصيبته.
ماذا أفعل بك لو متّ قبلي، دائماً كنت أسأله ممازحاً، «افعل ما يحلو لك، احرقني، ادفنّي في أي مكان، الجسد بلا روح لا قيمة له» كان يجيب. مرة قال لي في جنازة والدة صديق «ادفنّي في مقبرة الشهداء».
حلمنا طويلاً بوسيلة إعلامية مكتوبة، جريدة أو مجلة، لا يهم... المهم أن تكون تشبه جوزف سماحة. كان يفضّل مجلة، يراها «ضرورة عربية»، لكنها كانت «الأخبار». في جعبتي الكثير من الأوراق بخط يده عن التصورات الأولية للجريدة، تبويب الصفحات، آلية العمل، الاقسام، المحررون، المواضيع. كان يقول لي ضاحكاً «احتفظ بها سننشرها يوماً في مجموعة كاملة دليلاً على فشلنا في أن يكون لدينا جريدتنا، في عالم كهذا، أمثالنا لا يمتلكون جرائد»، وكنت محقّاً.
كيف اجتمعتما معاً، يسأل صديق جوزف عنّا. هو العلماني اليساري المتحرر، وأنا الاسلامي الاصولي. تركيبة غريبة لم يفهمها الصديق حين دفع جوزف فاتورة زجاجة النبيذ في عشاء كنت دعوته إليه وكان هو حاضراً. أجابه سماحة «في رأسه ثقب يصعب ردمه، لكن العيش معه سهل». كان يقبل الآخر من دون مشقة، رغم اختلافه عنه وخلافه معه.
كثيراً ما خضنا في أحاديث الدين والله والعدالة والقيامة والحساب، كانت له رؤيته التي لم يغيرها، ولم تنجح محاولاتي في تغييرها، تماماً مثل أرقام اليانصيب التي لم يغير اختيارها على مدى 14 عاماً في باريس.
«أبا أمية» كما كان يحلو لك أن أناديك أحياناً، قيل فيك الكثير، وسيقال أكثر. لن أزيد. لا قيمة للكلمات. سأحتفظ لنفسي بالذكرى، وبمفتاح بيتك، لكني أقول لك: حزين أنا لأنك تفلت من يدي...

آخر اليساريّين... وداعاً: معمّر عطوي

هو اليساري الذي صمد في موقعه حين أصبح اليسار تهمة، فكان القلم الذي ننتظره في «السفير» بمثابة الخبز اليومي، يقدم لنا بأفكاره وتحليلاته تعزية عن موقف مفقود في الصحافة اللبنانية. فكانت افتتاحية السفير ربما العزاء الوحيد لقارئ يبحث عن نبضه الوطني والعربي، ولا أبالغ إذا قلت الإسلامي أيضاً.
هو اللبناني بلا طائفة، العربي بلا عنصرية، اليساري بلا انتهاز، الإنسان الذي يخطّ نبض المقهورين والمحرومين بصدق وبراعة تجمع ما بين لغة الصحافة السهلة وعمق الفكرة.
لم يكن جوزف سماحة مجرد كاتب صحافي، ولكن هو ذاك المفكر الذي أعطى الصحافة عمق مادتها، وهو الإعلامي الذي أعطى للعقل امتداداته في روح النقد السياسي، فكان فيلسوفاً سياسياً يبتكر الأفكار ويحلل المعطيات وينقل إلينا آخر تفاصيل المؤامرات من لغات متعددة، مفضّلاً أن يضيء شمعة لأبناء جلدته من المحرومين على أن يلعن ظلام الدكتاتوريات والرقابات وقوى الهيمنة.
منذ سنوات عرفت جوزف الكاتب والصحافي الموضوعي الذي يوصل الفكرة الى القارئ بلا تشنّج ولا رفد أيديولوجي. ينقلك الى عالم خارج لغة الاصطفاف السياسي المعهودة في لبنان، وخارج لغة الطوائف. لكن في الأشهر الأخيرة وحين انضممت الى فريق جوزف سماحة «المقاوم» في جريدة «الأخبار»، عرفت جوزف الإنسان المتواضع البسيط الذي لا يشعرك بفارق الدرجة المهنية.
يدخل الغرفة بتحية أصبحت معروفة «كيف الشبيبةط أو «كيف الشعب»، يناقش ويسأل أحياناً أصغر المحررين عن معلومة ليس متأكداً منها.
مهما كتب أو قيل في حق جوزف سماحة لن ينال الرجل حقه، بالمقارنة مع ما دفعه في مسيرته النضالية التي تبدأ من فلسطين وتمتد حتى أقاصي الأرض، باحثاً عن عدالة مفقودة هنا أو سجين رأي هناك أو ضحية استعمار واحتلال هنالك.
أمام هامة جوزف سماحة لا يسعنا إلا القول إنه باق في ضمائرنا، نتذكره عند كل عملية للمقاومة العراقية أو الفلسطينية أو اللبنانية. نفتكره عند كل وقفة عز تصدر عن مناضل حتى لو كان في أميركا اللاتينية، لأنه هكذا فهم الثورة.. عالمية أممية. فكان اليساري بحق.. إن لم يكن آخر اليساريين في الصحافة اللبنانية.

أيها السراج المنير: سعيد الصبّاح

دعني أذرف من مآقيَّ دموعاً من دم وريدي الراعف، وأغمس فيها يراعاً صنعته من حنايا ضلوعي، والقرطاس أوراق شجيرات الزيتون التي صمدت عبر القرون في بلادي.
حنانيك! فقد شفّني الوجد يا صديقي جوزف سماحة، أيها الصحافي الذي شق طريقه، وحمل صليبه، وسار في طريق الجلجلة، في مهنة الصحافة، فلم تأخذه في الحق لومة لائم، ألم يقل السيد المسيح: آمنتم بالحق والحق يخلصكم (أو يحرركم في قراءة أخرى)؟
يا ابن مدرسة آمنت بأن هذا الوطن لا يبنى إلا على قيم الوحدة الوطنية بين أبنائه وعلى العروبة العلمانية الديموقراطية الملتزمة قضايا أمتنا العربية في لبنان وفلسطين وسوريا والعراق.
منذ مطلع سبعينيات القرن الماضي أنت تناضل بفكرك وقلمك في قضايا أمتنا وحقها في الحياة الحرة الكريمة، وكانت البدايات في جريدة «السفير»، وأذكر أنني كتبت مقالاً نقدياً للوثيقة الدستورية في آذار 1976، فتلقفتها وقمت للتو بنشرها في هذه الجريدة الغراء.
بعدها يممت شطر لندن حيث عملت في الصحافة المهاجرة في عاصمة الضباب، بعدها أقفلت جريدة «الوطن»، ومن ثم عود إلى «السفير» حيث تبوّأت مركز رئاسة التحرير، وفي النصف الأول من العام المنصرم حطت بك الرحال في جريدة «الأخبار» رئيساً للتحرير.
في مجالسنا كان الموضوع الأول لنقاشاتنا مقالتك اليومية المتضمنة لتحليل موضوعي للواقع المعيوش، ففي كل مقالة دبجها قلمك الطاهر جمعت ما بين الالتزام الوطني وصدق التحليل، فكنت المنارة المشعة في ليلنا العربي البهيم.
الحمد لله، إذ اكتحلت عيناك برؤية مقاومتنا العملاقة تنتصر على جبروت العدو الصهيوني، فتهاوى جبروت المغتصب تحت أقدام المقاومين الذين سطروا ملحمة النصر في حرب تموز ــــــ آب في العام الماضي، وتهاوت كبرياؤهم تحت أقدام مجاهدي المقاومة وسيدها.
عفوك يا أعز الأصدقاء! إنها نفثات ملتاع في هذا الزمن الرديء الذي نسمع فيه من هم في درك الجريمة والعمالة يتحدثون عن الوطنية!! ويخوضون في غمار الكلام عن العفة، ورحم الله الأديب سعيد تقي الدين، فذرهم يعمهون في غيهم، ويسيرون في ضلالاتهم، فالحق ظاهر للعيان، وأنت وزملاؤك الميامين من ينافح عنه، معلياً راية الانتصار الوطني، أيها المقاوم بسلاح الكلمة.
لأسبوعين انقضيا قمت بزيارتك في مكتبك، وخرجت منشرح الصدر، وازددت يقيناً بأننا سننتصر على الأعداء، من صهاينة وإمبرياليين وتوابع لهذين الطاغوتين في وطننا العرب وسائر ديار الإسلام وفي كل أرجاء الدنيا الواسعة.
يا صديقي جوزف!
أي سراج منير للفكر الوطني الديموقراطي قد انطفأ، لكن الضوء عندما يخبو في عالم المادة، فإن نوره الشعشعاني يبقى في عالم المثل، فيشكل منارة لمسيرة نضال طويلة.

إلى سماحة الكلمة: د. خليل حسين

وجفَّ الحبر الأحمر في زمن عزَّت به الأقلام، فرحلت الكلمة في ذروة حاجتها؛ كيف وهي صانعة الحدث والخبر تسابقنا في تظهير الأفكار وتأطيرها؟، تكاد تجرّنا الى حيث تريد وسرعان ما نقتنع بما تنطق في اذننا وتأخذنا اسرى مكبلين، مستسلمين عن يقين بجرأة وقوة التحليل، تلك كلماتك التي نرتشفها صبحاً صبحاً اذا ما أخذنا الوقت لساعاته التالية.
اذكرك وريعان الشباب يدفعك قدماً نحو الكلمات الحمر في صحيفة الحركة الوطنية اواخر السبعينيات، فكانت بصمات الرأي تتلاحق في غير موقع واتجاه، وكأنك الوكيل الحصري للدفاع عما نبحث عنه، فكنت الوكيل في حضور الأصيل، والأصيل في موقعة الكلمة السمحاء.
مثقف لا يكاد الحرف يجرؤ على سباقه، ولا تكاد تقرأ إلا جديداً بين كلماته، يبحر في ثقافة الغرب وكلماتها وينهل منها أفكاراً يطبّعها في واقعنا، يأتيك بالجديد دائماً وتقف مذهولاً لسعة الاطلاع وبراعة التوصيف والتكييف، فتسلم وتستسلم لكتاباته وتشعر بأنك مجبر على قراءة مقالته حتى ولو في اليوم التالي.
أذكرك في آخر لقاء بعد طول غياب في مكتبك، منهمكاً في التصفح والتوجيه، منغمساً بأفكار خلاقة لهذا الخبر او التحليل، يحدثك وهو مشغول بما يسمع منك وعيناه تحدقان وعقله يدقق، يناقشك بهدوء ويسترق النقد ليبنى عليه مقتضاه. يجول في خاطرك كأنه يقرأ الأفكار، يقنعك بعدم الإكمال لئلا تقع في التكرار، تحاول أن تضيف جديداً فيبادرك به دون استئذان.
رحلت باكراً في عزِّ الحاجة والعطاء، فكنت مثالاً قلَّ نظيره، ومنهجاً فكرياً وثقافياً لا يُعوّض، وقلماً لا يُطوّع. سيمر وقت طويل قبل أن نقتنع بعدم البحث في يمين الصفحة الأولى.
نم قرير القلم، فالحروف تهرب منا ،لا تعرف كيف تصطفّ لرثائك، وحبرك الأحمر يتحول اليوم الى أبيض يبحث عن خلفية يظهر عليها، لكن ستظل احرفك وكلماتك تناسب كل الوان لبنان وأطيافه. اليك هذا الرثاء يا قوس قزح الحرف والكلمة، اليك يا سماحة الكلمة يا جوزف.

شتاؤنا بلا ربيع: الشيخ حسن المصري

أغرته بقبلة فما انجذبْ، منحته البسمة فما اقتربْ، أعطته العشق لذا اغتربْ. منيّة المرء ككأس الشراب، تغري الظامئ بنثر الحباب، فلا هي تروي وليس هو السراب!
هكذا أقرأ خبرك يا جوزف... سطراً بلا نقطة، وتشكيلةً بلا غلطة. جوزف: أيها العود الرّنان، والبسمة على فم الزمان، وقيثارة الحزن على شفة الشطآن.
شتاؤنا بلا ربيع، وجدولنا بلا خرير، وعودنا بلا وتر.
أنت موسم تعدّدت فاكهته، وأنت أحرف في فم الأبجدية، تتقن اللغة العربية، وتتنكر لضرّتها العبرية..
أنت نبض قلب، أبى السكوت طالما هناك داعٍ للكلام. أيها الكلام الذي يحسن السكوت عليه، كلما قرأناه آوينا إليه.. حتى ذبنا في كل فكرة لديه..
افتتحت موسماً للصدق هنا، ومن هنا إلى هناك إلى لندن، حملك الوفاء والحب، ومن الحب ما قتل.. من لبنان وإليه جاءنا وغادرنا، لكنه استودع فينا كلمة السر «الأخبار»!!
ستبقى «الأخبار» يا جوزف صوتك الداوي الذي لن يسكت أو ينطفئ. فهي النبض في قلب كل قارئ وطني مخلص..
جوزف: لقد أتقنت في الصحافة فنّ الحصافة، لا رصف كلمات كلها سخافة، وكلما تعمّقت فيها تقطعت أمراس آمالك التي لم تنقطع من قبل، لأنك كنت ترى الصحافة ومن حملها كبر الكلمة وعظمة الموقف.
أما اليوم، وبعد أن شاهدتها مسح جوخ باللسان، وبياناً ضد التبيان، ومقرفة لا تعرف المعرفة، أنكرتها ورحلت إلى حيث الحقيقة.. حقيقة الصدق بالكلمة، فعصرت روحك بالأسى، وعلمت حين العلم لا ينفع الفتى، أن في البدء كانت الكلمة، والكلمة هي الله! لا يمسّها رياء ولا كذب ولا دجل!
جوزف: عندما ينطق الموت تسكت الحياة بجميع لغاتها، لأن لسان الموت الذرب أفصح وأبلغ من كل كلام الدنيا..
بالأمس القريب، غادرنا طيف خيال جوزف الذي زارنا باكراً ومضى باكراً، ما أسرعه وما أبطأنا باللحاق به.. كان مسرعاً كالفكرة، ناطقاً كاللغة، مدلجاً كالريح، لا يأوي إلى حي ولا يلتجئ إلى دار، أيها السالك درب الكبار، كبرت حين تعلّقت بوطنك، وكبر وطنك بك عندما أصبحت صوته المرتفع في كل زوايا الكون.
يا شعلة من عمل، ويا صوتاً لا يملّ، ويا بسمة من أمل، ما أقسى غيابك، وما أسرع ذهابك، وما أحوجنا إليك، أيها الرابض مع المقاومين على خطوط النار، والحاني مع الفلاح في وضح النهار، والساكن مع الجرح على قارعة الانتظار..
خطك الأحمر اجتازته المنيّة، فهي لا تعرف الممنوع، ولا تقرّ بالخطوط الحمر... لن نرى الربيع وجداول الأنهار هذا العام، وشتاؤنا سيظل غيمه يبكي طالما الجو زيّفه الرياء والدجل، فأنت تسكن برقها ورعدها ومطرها ليمرع لبنان الأخضر ويجتاز خطك الأحمر كل خطوط العرب الصفراء!

نعم رحل مبكراً: منذر سليمان

غم تركه آثاره المحفورة مثل نقش صخري في ذاكرة التاريخ ، ألواحاً محفوظة تشع بالحياة والكمال، جمع في أدب المقال ما يخصه وحده: زخم المعلومة، عمق التحليل، صواب الرأي، جراة الموقف، اتجاه البوصلة... لا بل كان البوصلة غالباً.
تنساب كلماته تجيد مخاطبة المفكر والقارئ العادي، قدرة نادرة على تفكيك المعقّد بأسلوب ساحر البيان.
يدهشك جوزف في حضوره اللامع والمتواضع، في دقة متابعته للتطورات، سرعة خاطره، شمولية رؤيته للمشهد العالمي، العربي واللبناني. لكن الأكثر ادهاشاً لنا، من محبيه وأصدقائه في الولايات المتحدة، صياغته الدقيقة لتفاصيل المشهد الأميركي في مقالاته، وكنا نعجب لهذه الاحاطة التي يعجز عنها من عاش ولا يزال في المسرح الأميركي.
نعم رحلت مبكراً،
طعم المرارة عصيّ على التلاشي، في الفراغ والخواء الذي يتملكنا أمام فكرة ألّا تكون بيننا. بعد الصدمة نحاول أن نصدق أنك ترجلت عن صهوة جواد الكلمة الحرّة، الصادقة والملتزمة، في زمن تندر فيه الأقلام والمواقف الوطنية والقومية المؤمنة بالحق والمستقبل العربي. يفتقد الوطن العربي والصحافة العربية بغيابك، مرجعية فكرية وإعلامية ــــــ سياسية، قامت بدور مفصلي في توفير صلابة الموقف ومناعة الحجة للمعسكر الوطني العربي المقاوم في موقعه اللبناني المتقدم.
تغيب يا جوزف من دون انذار، وتترك محبيك ومريديك يعتصرهم ألم الفراق، لكنه أقل من حرقة خسارة لا تعوّض، لأنك كنت الاستثناء بكل امتياز.
لرحيلك تنهمر دموع الرجال بكل سخاء بدون استحياء

ضوء شمسي: رامي أبو حمدي

باغتتني «الأخبار» بصفحتها السوداء على الانترنت... كان عليها أن تكون أكثر رأفة بنا! كان عليها أن تخبرنا بهدوء أكبر وسواد أبطأ وأقل...
قرأت ما كتب زياد وأنسي الحاج عن جوزف سماحة، وذلك لم يخفف عني الرغبة في البكاء..
«موت كموتك قتل»، بل هو إهانة! إهانة للحياة والأشياء الشخصية المرهفة.. نحن نحتاج الى أشخاص أتقياء من حولنا، من دون أن تربطنا بهم معرفة شخصية بالضرورة.. يكفي أن نعرف أنهم هنا كي نشعر بأمل داخلي وبتوازن العالم.. هذا دور المبدعين والفنانين والكتّاب المرهفين: البرهان على الطبيعة النورانية للإنسان فيتوازن تشكيله بين مادتي الضوء والطين..
تعودت أن أفتتح صباحي يومياً بتصفح «الأخبار». وهذه أكثر من عادة يومية، إنها أسلوبي في صداقة الصباح.. ومحاولة إبداع رائحة خبز ساخن ومقهى وقهوة وشوارع ومدينة.. اليوم، القهوة سكبت سوداء على الورق الابيض، والغريب أن فيها شيئاً مباركاً.. المرهفون حتى حين يموتون، تفوح منهم رائحة قمح! كم هم رائعون!
كتب غوركي بما معناه أنه حين يفكر قبل النوم أن في العالم إنساناً مثل تولستوي، فإنه ينام مطمئناً.. ونحن يخفّ عنّا القلق العربي الفادح قليلاً حين نفكر بأن جوزف سماحة ولد وعاش وكتب..
أثق بأن جوزف صار ضوءاً شمسياً، وأن الصحيفة ستستمر..

عليّ أن أفكّر من جديد: فادي زراقط

موتك يا جوزف أتعبني...
ذكاؤك، نقاؤك الثوري، حرَفيتك، مهنيتك... كل هذا كان يجعلني أطمئن وأكتفي بقراءتي اليومية لك لأطّلع وأفهم...
الآن برحيلك، بات عليّ أن أفكر من جديد.
ربما كان هذا أجمل ما في رحيلك. قلّما كان في الحزن جمال.

فريداً حتى الفرادة: إبراهيم هاشم

قلم واحد «أخضر» لم يكن «الآن هنا» «خطاً أحمر». أقلام كثيرة من جميع الألوان حضرت، وعزّت، وكتبت، ورثت. لكن الذي لا يشبهه أحد لم يعد هنا. كتب كلمته الأخيرة ورحل. تلك الكلمة التي سيقرؤها كلٌّ على هواه، ويرسمها في عيونه أو على صفحة خده أو صفحات صحيفته.
لم أعتقد يوماً أن الحزن يعرف العجز، لكن الرحيل اليومي لجوزف سماحة علّمني أن الحزن ينبع أصلاً من العجز. إذ إنه لا أحد يمكنه تغيير ما كتبه جوزف في فجر أسود. إنها طعنة عنيدة ورثت صلابتها من سيدها، واستقامتها من استقامته، وثباتها من ثباته، وقوتها من قبضته القابضة على الجمر في زمن السقوط.
هل حقاً انطفأ سفيرنا إلى عالم التحليلات، وتركنا بلا سفارة هناك.. ولا حتى ممثلية؟ وهل اطمأن قلبه قبل استقالته إلى مصير المعركة التي لمّا تنتهِ بعد؟ هل فرغت جعبته من الأصيل، أم تُراه يئس من التغيير؟ من سيكمل الطريق بعده بمعاييره شبه المستحيلة التي هنْدسَها بعناية وأشرف على إدماننا عليها؟
ليس أكثر من الأيام التي ستبدأ بلا صباح، سوى الأسئلة التي ستدور حول ماذا كان جوزف سيكتب غداً. كيف كان سيخترع طريقاً جديداً للتفرد؟ ماذا كان سيخبرنا وعما كان سيحدثنا؟
يصعب القول وداعاً عموماً، فكيف إذا كان المقصود بها فريداً حتى الفرادة؟
 رثاء مقدسي: يونس العموري
مثلما يغادر الفرسان غادر جوزف سماحة بدون ضجيج أو صخب... ترجّل فارس الكلمة بدون مقدمات للرحيل... انسحب من المشهد العام لتعلن الكلمات عن نقص في البلاغة والتحليل لن يملأها إلا جوزف ذاته... بهدوء يصل الى درجة الاستفزاز غاب جوزف سماحة فارس الكلمة الحرة الأمينة المعبرة عن اصرار المقاوم في عروبته، والعاشق في عشقه، والحبيب في حبه، والأرض الثكلى، التي تأبى إلا أن تنطق بلغة الضاد، في حارثيها وزارعيها...
بنبالة النبلاء اعلن عن رحيله وسكت، وتوقف القلم عن الكتابة ليكون فراغاً للتحليل ولقراءة الموقف السياسي على كل المستويات والصعد...
مثلما هي عادتي كل صباح أن اتصفح تلك الصحف التي أعتقد اننا هنا بالأراضي الفلسطينية المحتلة المحرومة من كل اشكال التواصل مع هؤلاء المبدعين من اقراننا العرب والذين شاركونا في كل همومنا وفي كل محطات ترحالنا، كنا نتلقف كتابات جوزف سماحة مثل من تأتيه النجدة ليعي مجريات الفعل العام على الساحة العربية وليكتشف خبايا الدهاليز العربية... نعم كنا نبحث في كل القصاصات عن مزامير سماحة وأقاصيص الياس خوري وسمير قصير وطلال سلمان... مثلما هي العادة كل الصباح أن نمسك صحفنا الصادرة هنا في فلسطين، كنا نقرأ القراءة السياسية والاستراتيجية لجوزف سماحة، ويدور الحديث ما بين الرفاق حول آخر مقالة لسماحة وأهداف تحليلاته وإلى اين ذهب اليوم بالتحليل والتمحيص ووضع النقاط على الحروف... ونعيد نشر ما كتب هنا بالقدس ونتناول، وربما نختلف او نتفق مع ما يذهب اليه صاحب الكلمة التي كانت على الدوام باحثة عن الحقيقة والتي لم تألُ جهداً في توجيه الصرخة والنداء ما بين طياتها للخطر القادم نحو المنطقة... تلك الكلمات التي كنا نتلقى من خلالها التحذير لماهية الأخطار المداهمة للمكان على طول الأرض العربية...
كانت قراءة سماحة من عادتنا اليومية هنا في القدس، ولا يستقيم الصباح الا حينما نقرأ ما كتب في «الأخبار» وقبلها في «السفير» و«الحياة اللندنية»... تنقّلنا معه من مطبوعة الى اخرى، وكنا نقيس عروبية ومبدئية هذه المطبوعة من تلك بقدر مساحات كتابات سماحة فيها...
لقد انكسر القلم الذي علمنا معنى أن تمتلك قلماً حرّاً شريفاً لا يخشى في الحق لومة لائم... ومنذ هذا الصباح فقدنا المقالة التي كانت تعلمنا كيفية صناعة القرار وتساعد ذوي القرار على تفكيك الموقف الدولي وإعادته الى اولياته وعناصره الأولى... وبواعثه ومنطلقاته... كنا نشعر ونحن نقرأ سماحة بأننا امام تقدير فعلي للموقف، وأعتقد أن الساسة ومحترفي الفعل السياسي، على مختلف مواقعهم وتحالفاتهم، كانوا يأخذون بكتابات سماحة. منهم من كان يخشى من وقائعها عليهم وعلى عروشهم ومواقفهم... ومنهم من يستبصر بكتاباته ويفكك اولوياتها ويعيد صوغ مفاهيمه بفعل تقدير الموقف للحالة الظرفية الراهنة...
اذن، بهدوء رحل جوزف سماحة وتركنا نتخبط في البحث والتفتيش مرة اخرى عمن يملأ المكان ومساحات الحروف والكلمات ونسج المقالة والتحليل...
لقد انكسر احد الأقلام بين الأغنى ثقافة، والأصلب في مقارعة الغلط، والأكثر استنارة، والأقدر على استيلاد الأفكار البكر والمؤهلة لأن تجدد في نمط الإنتاج الصحافي، والعاطي لذاته فرصة التحرر من تكلسات الانغلاق والوهم في امتلاك حقيقة الموقف...
على مدار السنوات الطويلة كانت افتتاحيات الصحف تُكتب بقلم جوزف سماحة، اما اليوم فافتتاحيات تلك الصحف مفجوعة برحيلك وبترجلك عن صهوة الكلمة والفكر والإنتاج الصحافي يا سيدي...
كانت كل مقالة من مقالات سماحة تعبّر عن حقيقة واقع مرحلة عايشناها بكل تجلياتها، وكنا نحاول ان نلمس من خلال هذه المقالات بعضاً من الحقيقة وتسجيل الموقف الوطني القومي واستنباط حقائقه، على أساس الفهم الموضوعي لماهية ضرورات المرحلة، وارتباطاتها بالثوابت الوطنية غير القابلة للتفسير والتأويل بغير التفسير الفعلي لها... إن مقالات سماحة على مدار كل سنين الكتابة، حاولت كشف الكثير مما كان يجري على الساحة السياسية العربية والإقليمية والدولية، ولذلك لم تُكتب لكي تُرضي أحداً بعينه، شخصاً كان أو تياراً فكرياً أو سياسياً. على النقيض من ذلك تماماً... كتبت لتقول شيئاً من الحقيقة وترصد حقائق الواقع الفلسطيني والعربي والإقليمي الدولي في ظل وقائعه، وتداعياته، وتأثيراته على مختلف القضايا السياسية والاجتماعية والاقتصادية...
عرفت جوزف سماحة قبل ان ألقاه بعاصمة الصحافة والفكر العربي (بيروت)، وتعرفت إليه من خلال خطوط كتابته ونقش حروفه على صفحات الصحف، وكثيراً ما اتفقت معه فيما كان يذهب اليه، وكثيراً ايضاً ما اختلفت معه، وكان من مشجعي الاختلاف في وجهة النظر في البستان الوطني والعروبي القومي المنفتح على الآخر... تعرفت إليه لأول مرة حينما زرته بمكتبه بجريدة السفير قبل سنوات، لا أذكر الآن في أي عام كان هذا التعارف، فوجدته صحافياً محترفاً، يسمع اكثر مما يتكلم ويحاول ان يستنبط افكاره من خلال الأحاديث التي تجري معه وخصوصا حينما يكون القادم من القدس ومن الأرض السمراء التي لطالما مثّلت احدى اهم محطات كتابته...
كان يسأل عن وقائع الحياة هنا في القدس وكيفية المعايشة اليومية مع الاحتلال، وعن هذا الانسان القابض على الجمر والموقف الوطني... كان على الدوام يسأل عن طبيعة لوحة الانسان الفلسطيني وتكويناته واهتماماته ومن أين يستمد صلابته... وماهية اجندته... وعن احوال الصحافة الفلسطينية وهؤلاء المبدعين في الوطن المحتل... كان يقول: إنكم انتم معشر الكتّاب في فلسطين إبداعكم اكثر من إبداعنا نحن هنا... كان يعي معنى ان تكتب في فلسطين وسط رائحة البارود واللون الأحمر القاني هو المسيطر على مشهد الألوان في فلسطين... جوزف سماحة ظل وفياً لفلسطين حتى ترجّل، وظل وفياً لأصدقاء عايشوا تجربته وكتاباته وإن كان لا يعرفهم...
فمن القدس ننعاك وحتماً سنفتقد كتاباتك وآراءك الحرة الشجاعة...

السايت» لم يـُحدََّث بعد: هلال شومان

لحزن هو الحياة. الحزن هو ما يبقى من اللحظة. الفرح يبقى وليد لحظته. لا يستطيع أن يتخطى الآنية الموسوم بها. يستعاد فيما بعد، نعم. لكنه يبقى آنياً. لحظياً. هل تذكر تلك اللحظة التي وقفتَ بها عند باب المقبرة تتردد في أن تدخل أو ترحل؟ قلتَ لحظتها إن زيارة القبور جهل وتخلف، ثم رحلت. الحقيقة أنّ السبب الرئيس كان خوفك من تعاظم حزن نفسك. يقلقك. يوصل إلى ما قد لا تحمد عقباه. لكنه يحك ما تحته من خبايا. يفضح المخبّأ. كل هذا يدخل في حوار النفس للنفس. لا دخيل. لن يساعد الخارج رغم قربه في تسريع هذا الحوار الحميم أو إبطائه.
أمام باب المقبرة وقفت. رفضت كمشة الآس المقدمة إليك من إحدى العجائز رغم إلحاحها. عزمتَ على ألّا تدخل. كنتَ تعرف عندها أنّك ما زلت تحفظ الطريق في الداخل. قد تضيع لبعض الوقت بسبب قبر أعيد تجديده أو لآخر استحدث. لكن الخريطة الذهنية لا تموت. تدخل مستقيماً. تستدير إلى اليسار وتتابع السير. تعود إلى استقامتك ما إن تلحظ ذلك القبر الرخامي الغريب ثم تلتفت يميناً وتمشي بضع خطوات حتى تصل.
السايت لم يحدَّث بعد. تأخروا الليلة. أجمل ما في معيشتك خارجاً فارق التوقيت. هنا تتبع توقيت غرينتش بفارق ساعتين عن المآساة الكلامية هناك. السايت لم يحدَّث. ماذا سيكتب اليوم؟ ما المصطلح الجديد الذي سوف يعمم على الصحافة قريباً؟
لم تدخل ذلك اليوم. لكنك دخلت اليوم التالي. تذكرَتـْك بائعة الآس ولم تحاول أن تبيعك شيئاً. أحسن. العزلة رفيقة الحزن (أم العكس؟). تتبع خريطتك الذهنية وتصل إلى ذلك القبر. لا تبككي. تصمت. فقط، تصمت. تجتاحك فوضى الأفكار. يمر ما قد سبق أمامك. الحزن المشهدي يعود. يـُستحضَر بإصرار من لا وعيك. لا تبكي. إحداهنَّ تقوم بالمهمة عنك. قريباً، تركع هي قرب ذلك القبر. تحضر عدّة التنظيف وتنهمك في تنظيف رخام القبر وهي تبكي. لا تبكي. إحداهنَّ تحاول تنظيف ذكراها فلا تفلح.
لا تستطيع أن تقرأ أي شيء اليوم. سلّمت سلاحي. خضعْت للعدالة الدولية المستجدّة. خرجت تمشي. لا هدف. لا مكان محدداً. دع قدميك توصلاكَ. يقترب منك أحد الشحاذين ويطلب قطعاً نقدية معدنية. خرج ما بجيبك من قطع. تضعها في كفك. تنتقي بعض القطع وتقدمها إليه. «لا يكفي»، يقول وهو ينظر إلى القطع في باطن كفك. لا يكفي لماذا؟ لما بقي من الحياة؟
حُدِّث السايت. تصلني الرسالة الالكترونية الآنية. «رهيب اليوم»، يقال لك. «هل قرأتَ ما كتب». يقصد ما قال. لا يكتب، بل يقول. في الانكليزية عبارة غريبة ترجمتها الحرفية: «لا تلعب بعقلي». أنت تسلّم عقلك له كل صباح ليلعب به كما يشاء.
تقرأه قبل أن تنام. أحياناً لا تستطيع لملمة ذهنك الناعس، فتقرأه مجدداً في الصباح. لم يكتب منذ أيام. ما الخبر؟ يحدَّث السايت ولا يظهر اسمه. يبقى عند عنوانه الأخير. ربما غداً، تقول. تذهب إلى نومك. لا تعلم أنه على بعد ثلاث ساعات منك هنا سيذهب هو إلى نومه أيضاً فلا يصحو بعدها أبداً.
تمرّ قرب دكان للأزهار هنا. الرائحة عابقة. رائعة لبداية صباح لن تدريَ أنه سينقلب حزيناً بعد قليل. تعود إلى بيتك فيحدِّث أحد أصدقائك خريطتك الذهنية بالخبر الحزين. يضاف إلى خريطتك راحل جديد. تتعرف إلى صورته للمرة الأولى. أنت لطالما فوّتّ إطلالاته التلفزيونية القليلة. لا تملك إلا أن تصمت، تعظِّم من حزني الوحيد، ولا تبكي. أحدهم يبكي عنكَ هناك، قرب فنجان قهوته الأخير. تحاول أن تكتب شيئاً على الشاشة ثم تمحوه. ثم تكتب، ثم تمحوه. رائحة الورد الحزين ما زالَتْ عالقة. حقّاً. كيف تكتب عن رائحة أعجبتَ بها؟ فعلياً كيف؟ زكية؟ جميلة؟ حلوة؟ تشبهها بشيء معروف رائحته؟
لا تعرف أن تصفَ حزنك ولا حتى الرائحة فكيف تصف أنتَ رائحة الموت يا جوزف؟

كيف سنبدأ صباحنا... من دون قراءتك يا جوزف؟: معن بشور

بين قلّة من الصحافيين والكتّاب اللبنانيين والعرب استطاع جوزف سماحة أن يجمع بين المهنية الراقية والالتزام العميق، فلا جنح باسم المهنية الى التحلل من الالتزام ولا تلطّى وراء الالتزام كي يعفي نفسه من شروط المهنية القاسية.
قال أحدهم «كان جوزف صحافياً يقرأ»، فأجاب الآخر: «لذلك كان يقرأ الناس»، فهو كان يذهب الى مصادر الخبر يرصدها، يتابعها، يحللها، يفكك عناصرها، فيقدم لقارئه خدمة تحليلية مميزة جنباً الى جنب مع الخدمة الإخبارية الممتازة.
لم يكن جوزف سماحة مجرد صحافي لامع، أو كاتب متألق ينتظره القارئ كل صباح، كما ينتظر فنجان القهوة أو كلمة «صباح الخير» من حبيب أو قريب، بل كان جوزف أيضاً مدرسة في الكتابة الصحافية تجمع بين المعلوماتية الموثقة، والتحليل العميق، والالتزام الصافي من شبهة العصبوية والفئوية، وخصوصاً من شائبة الذاتية التي أجهضت قدرات ومواهب وطاقات كثيرة.
بين المثقفين كانت ثقافته عميقة تطارد السطحية والارتجال والانفعال والانتفاع، لأنه كان يدرك أنه مع الثقافة لا توجد أنصاف حلول أو أنصاف مثقفين، فالثقافة قيمة سامية يتطلب الارتقاء إليها انقطاعاً يشبه انقطاع الصوفيين، وانغماساً في عذابات الناس يشبه انغماس المناضلين.
لم يخسر جوزف قرّاؤه الكثر على امتداد لغة الضاد فقط، ولم تخسره «الأخبار» وهي تشقّ الخطوات الأولى في طريقها الصعب والطويل فحسب، بل خسره لبنان الواحد كله، وخسرته العروبة والديموقراطية، كما خسرته حركة النهوض الحضاري في الأمة...
خسره لبنان الواحد لأنه من القلّة التي أفلتت من بين متاريس الطوائف والمذاهب، وخنادق الحروب الأهلية، المعلنة والكامنة، فتحولت كتاباته الى جسر بين عقول اللبنانيين يستعينون بها على الغرائز المنفلتة.
وخسرته العروبة والديموقراطية معاً. فجوزف لم يكن يقبل أبداً الفصل بينهما، أي بين هوية مستهدفة من كل أعداء الأمة، وديموقراطية تثبت كل يوم أنها حصن الهوية المنيع في كل الظروف وبوجه كل التحديات.
أما حركة النهوض الحضاري العربي فقد خسرت في جوزف أحد الحالمين الكبار بنهضة العرب، مجدداً تراث نهضويين لبنانيين انطلقوا من قلب الجبل اللبناني ليعم نورهم سهول الوطن العربي الكبير وبواديه وأوديته ومرتفعاته.
وداعاً يا جوزف، فلقد اقتلعت برحيلك الباكر جزءاً جميلاً من صباحنا.. إذ كيف سنبدأ صباحنا إذا لم نقرأ جوزف سماحة؟

بوصلة الطريق: عصام نعمان

لا ادري إن كان جوزف سماحة «اختار» الغياب بطريقة السكتة القلبية. أشك في ذلك. عوّدنا دائماً أن يمتشق قلمه ويخوض المعركة بلا هوادة حتى حدود الشهادة. فهل يُعقل أن يكون قد «اختار» هذه الميتة الهانئة؟
إنها ضربة قدر غاشم ليس إلا. فجوزف لا يتسامح مع نفسه الى درجة يسكت معها قلبه وقلمه في آن واحد.
قال ديكارت: «أنا أفكّر، إذاً أنا موجود». جوزف سماحة قال أو كما قال: أنا افكر، إذاً أنا أقاوم. لذا قاوم جوزف طوال حياته الظلــــم والاستــــبــــداد والاســــتعـــمار والصـــــهيونيـــة والطـــائفـــية.
لم يتسامح مع هذه الأمراض قط بل انتصر دائماً للحرية والديموقراطية والعدالة والحداثة والإبداع. فعل ذلك كله بفكره وقلبه وقلمه.
كان جوزف يعتبر الثقافة مرادفة للنقد، أن تكون مثقفاً يعني أن تكون ناقداً، لذا غرف من المعرفة كثيراً وأعمَلَ قلمه في النقد كثيراً. غير أنّ أسلوبه في النقد كان متميزاً. فيه كثير من العقل والواقعية والمنطق ونعومة التعبير المقرونة بعمق التحليل والجرأة في اتخاذ الموقف.
لا أعرف بين الصحافيين العرب من هو أوسع منه ثقافةً وأكرمَ عطاءً وأجرأ نقداً. باجتماع هذه المزايا الثلاث في شخصه الطيب المعطاء، أصبح جوزف سماحة لجيل كامل من الكهول والشباب الملتزمين قضية شعبهم، مرشدَ فكرٍ ونضال وبوصلة طريق قلّما تخطئ.
هكذا كان يطلّ من إشراقة افتتاحيته اليومية: يرشد من دون تكلّف ولا أبوّة مصطنعة ولا غرض ولا مرض، ويدل الى الطريق بثقة ومحبة ومتابعة حميمة.
إنه فخر جيلنا، غيابه المبكر ضربة مدمّرة للثقافة العربية الديموقراطية الناقدة والقائدة في الآن نفسه.

مات كبيراً وعظيماً: رفيق أبي يونس

مرّة واحدة توقّف ينبوعه عن التدفق. نستأذن سواه لنعلن إحساسنا بالشح منذ اللحظة الأولى. سوف نكون مضطرين إلى أن نعود إلى مقالاته كي لا يأخذنا الكثير من غيرها إلى اللاشيء واللامعنى.
هل كان ممكناً بغير ما يكتب جوزف سماحة في لحظة الغيبوبة الوطنية أن نوفر توقيعاً آخر للجودة والموقف والإبداع؟
قد تكون الحقبة أطول من زمن تجلياته، لكن مرتبة هذا التجلي في «السفير» و«الأخبار» جعلت منها حقبة جوزف سماحة في الصحافة العربية.
كبرت به الصحف الناشئة، والكبيرة منها أزدادت معه تألقاً واتساعاً.
عند غيره كانت الديباجة اللغوية تعويضاً عن عدم الفوز بالفكرة والمعلومة، وعنده كانت الثقافة كفيلة بجمال اللغة والتعبير.
حداثته رافعة لفكره، وموقفه، وانتمائه، والتزامه، بل إن المعاصرة عنده هي تدمير الحواجز بينه وبين العامة والخاصة من الذين ينتظرونه صباح كل يوم.
لو لم يكن جوزف سماحة هكذا، لما استطاع هذا الربط المحكم بين وعيه الاجتماعي ونضاله القومي.
لو لم يكن جوزف سماحة بهذا الغنى الثقافي والاتزان الفكري، لما استطاع وعيه الجدلي والماركسي أن يكون حاضنة ومقياساً لهمه القومي.
لقد غلب الجميع من أعداء فكره، واعترف له الأعداء بصمتهم بأنهم مغلوبون.
والذين توعدوه كرروا الإعلان عن مدى إصابته لهم. وحدها تلك الرزمة من التوتر التي تولد مع الكبار، والتي رافقته مناضلاً مثقفاً كاتباً استطاعت النيل من نبضات قلبه فأوقفته.
مات جوزف سماحة كبيراً وعظيماً من دون أن تدنسه شروط القيادة والشهرة.

لماذا استيقظت باكراً؟: حسين بن حمزة

جوزف...
في العشرين من شباط كتبتَ افتتاحيتك الأخيرة.
مرت خمسة أيام ثم جاءنا خبر رحيلك.
لا أدري لم ربطتُ بين توقفك المؤقت عن الكتابة وتوقفك النهائي عن الحياة.
قلت لنفسي: إن من تعوّد أن يكتب يومياً، تلك الافتتاحيات الجذابة النبرة والدسمة المعلومات، الذكية في عرض الأفكار والثاقبة والمفحمة في طريقة النظر إلى الواقع السياسي، لن يحتمل الإجازة والاسترخاء.
خطر لي، وصدقت ذلك (تصوّر)، أنّ قلبك الذي اعتاد إيقاع الكتابة اليومي وساعات العمل الطويلة ونهم التدخين، لن تناسبه الراحة، وأن أيّ توقف طارئ قد يكون نهائياً.
هل كان علينا، أن نُتعب قلبك أكثر، ونطالبك بأن تواصل كتابة افتتاحياتك من لندن لكي تعود إلينا حياً؟
جوزف...
أمس حين كنّا نحضّر العدد، أول عدد لم تقرأه من الجريدة، اتصلنا بمن هم في صفك ومن هم في الصف الآخر، الأصدقاء حزنوا لأنك كنت تقوّيهم برأيك وتعزّز حجّتهم، والخصوم افتقدوك لأن قراءتهم لك كانت تدفعهم إلى استدعاء أمضى ما في مخيلاتهم.
جوزف...
أنا، كما قال عباس، واحد من الذين ستخلو حياتهم منك، إذ سيصعبُ علي البدء بالصباحات التالية لغيابك من دون أن أعرف رأيك فيها؟ سيصعب علي إنهاء ما أكون بصدد إنجازه لعدد الغد، من دون أن أرفع رأسي عن شاشة الكومبيوتر، وألمح قامتك النبيلة من خلف زجاج الكوريدور، ذاهباً، برفقة سيجارة مشتعلة، لتلقي نظرة على الصفحات في الإخراج، أو عائداً إلى مكتبك، منزِّهاً فكرةً تدور في خيالك، لتكتبها هناك.
جوزف...
كانت “الأخبار” حلمك
انتقيتنا واحداً واحداً وأدخلتنا إليه
لماذا استيقظت باكراً؟

 صحافة يسارية راقية تدافع عن شرعية المقاومة: محمد السيد سعيد

يبدو لي رحيل الصديق جوزف موتاً شرعياً. وقد شرعت بالفعل في كتابة بيان تقليدي يدين الموت ويشجب فعلته هذه... كأن جوزف اغتيل كما اغتيل سمير قصير، وعشرات من صحافيي لبنان خلال السنوات الأخيرة.
ما قام به ملاك الموت هذه المرّة يعدّ عملاً إرهابياً بكل المقاييس. ويبدو الأمر كما يأتي: في لبنان مبدع كبير يتفتح بكل طاقاته على مشروع صحافي وثقافي وفكري كبير، أقلقت ولادته الإرهاب الوجودي العالمي. فتقصّى تحركاته وعلم أنه ذاهب للتعزية في لندن فنصب له كميناً هناك، وباغته بسرعة البرق، قبل أن يستطيع مناداة الحياة والأصدقاء والأمة كلها للدفاع عنه. لا. ليس من المنطقي أن نعدّ هذا الرحيل موتاً شرعياً.
ليس هناك ما هو مشروع في أن يتم اختطاف جوزف سماحة وهو الذي يبرق في السماء العربية واللبنانية من جديد. أظن أنّ هذا هو الانطباع الأول والأخير الذي أثاره في برق ناعم ـــــــ اضاءة نجمية في ليل بهيم ــــــ فكرة متقدة فى زمن إدبار الأفكار، وانسحاب الخرائط وتداعي المعابد. كان قد أنجز لتوّه أول معركة فكرية كبيرة في لحظة الاختلاط العظيم أثناء الحرب الاسرائيلية المجرمة على لبنان. لا أعني فقط معركة بناء “الأخبار” احتجاجاً على جريمة تدمير لبنان الجميل من جانب إسرائيل وأميركا، وإنما أعني معركة إعادة تأسيس شرعية المقاومة، وهي الشرعية التي تكرّست قدرات كبيرة دولية وعربية لتقويضها. لم يكن معه كثيرون من أصدقائه التاريخيين، ولم يكن معه بئر نفط أو ترسانة إعلاميّة، بل ولم يكن معه حتى هذا الوضوح اللذيذ الذى يسكن المهمة فى قلب اجماع جاهز. كل ما كان معه عقل نظري فذ، وقلب صنع من ماء وورد، وكان معه فيض من مهارات الصحافي العظيم.
بالطبع لم تكن هذه أولى معارك جوزف سماحة. فقد خاض مئات منها. لكنه خاضها هذه المرة وحيداً تقريباً بين رفاقه القدامى الذين أرهقهم الارتباك بين الحقيقي والعملي، فغيّروا اتجاه الشراع وصاروا خصوماً للمقاومة التماساً لوهم الراحة والهروب من قدر التضحية. لا أدين أحداً بالطبع غير خيانة ملك الموت الذي اختطف جوزف، وهو لم يكد يخطو سوى خطوة البداية في مشروعه الطموح. ولكن من المهم أن نوثّق هذا الانفراد أو شبه الانفراد بين أبناء جيل أعياه الهمّ العربي، ونال من روحه. صمد جوزف على الرسالة، ورفض ارتداء ملابس الحكمة الرسمية فى سهرة فاخرة لرثاء أو لنقل هجاء المقاومة والعروبة و“الأفكار القديمة”.
كان مشروعاً طموحاً بالفعل. تحدث معي في مكتبي أثناء زيارة سريعة للقاهرة قبل إطلاق “الأخبار” بشهرين على الأكثر. باعتباره كائناً صحافياً خالصاً ــــــ قبل أي شيء آخر، كان يرى أنّ من الممكن لليسار القومي والوطني أن ينشئ صحافة راقية من الناحية المهنية. وتحدثنا عن تفاصيل حلمه الكبير قبل أن يولد. اتفقنا على أن القطع الحديث الذي تصدر به “لوموند” تقليدياً ثم الـ“غارديان” وغيرهما من الصحف الأوروبية الكبيرة مثالي حتى في البيئة العربية المحافظة التي ما زالت معتادة على القطع الكبير. وتحدثنا عن أهميّة أن تدخل الصحافة العربية مرحلة جديدة هي التركيز على قلب المهنة، وخصوصاً التقرير الاستقصائي، وأن تمتاز فيه رغم غياب بيئة شفافة في بلادنا العربية. وتحدثنا عن الأسلوبية. واستقر رأينا معاً على أن تثبيت صورة القارئ العربي الكسول الذي لا يريد أن يرهق نفسه بقراءة صحافة راقية جريمة، وأن الصحافة يمكن ويجب أن تخاطب القارئ العربي كفاعل وكإنسان... كأنها تعيش معه في المطبخ، وفي الـ“بدروم”، وفي الشارع، وفي ميدان القتال، وفي المرسم وحجرة الموسيقى. وتحدث هو كثيراً عن الموسيقى... واعتقدتُ أنه مقطوعة من مؤلفات كورساكوف: هادئ مثل النعامة من الخارج، وصاخب مثل شلال من الداخل. واتفقنا على التعاون فى مشروعينا: “الأخبار” في بيروت و“البديل” في القاهرة... ولم نتعاون!
ظهرت “الأخبار” في بيروت، ولم تسمح السلطات بإصدار “البديل” في القاهرة. ولأني كنت أنتظر أن نصدر “البديل” حتى نتعاون، يزداد حقدي الشخصي على الموت الإرهابي، إذ اختطف هذا الصحافي العبقري ذا القلب الصحيح الذي سقط من دون إنذار مسبق، في يوم ننتظر فيه جوزف المقاتل الذي لم يتعب.
لعل في بيروت، وفي “الأخبار”، عشرات من مشروعات جوزف، فنكون قد هزمنا إرهاب الموت.
القلم النظيف: محمد بنجك

«راح جوزف يا محمد».. كلمات كان لها وقع الزلزال عندما اتصل بي الأخ حسين حمية ناعياً الأخ والصديق والزميل والمحب جوزف سماحة.
كان جوزف من صنف الرجال الرجال، منارة من المنارات الاعلامية المشعة في وطننا العربي، لا في لبنان فقط، وصاحب بصمة خاصة جداً في الكتابة السياسية الهادفة والصادقة، الواضحة والصريحة، المباشرة والدالّة.
كان يقرأ بنهم وتقرأه بنهم. مقالته من الصنف الذي لا يمكن أن تمرّ عليه من دون أن تغوص فيه، تتعلم منه، وتتثقف به، وتضيفه الى معلوماتك، وتستشهد به، وتستنير بصدق تحليله، وصدقية مقصده.
جوزف من الكتّاب الذين يشرفون مرتبة الشرف بامتياز. كان يصادق بشرف، ويخاصم بشرف، ويفرض احترامه على كل من حوله، القريب والبعيد، لأنه من القلائل الذين يشار إليهم بالبنان، ممن يمتلكون السجال النظيف والعصامي والنزيه.
وجوزف من الكتاب الذين تتمنى أن يكونوا من بين من يرثونك، ومن الرجال الذين تتمنى ألا يفرض عليك القدر أن تحمل قلماً لترثيهم، ومن الرجال الذين يحرق القلب غيابهم، ومن الرجال الذين يعزّ عليك افتقادهم. كان قلمه ماضياً كحد السيف، يمكنه أن يذبح، في السياسة طبعاً، لكن من دون أن يجرح، وهو الذي لا يمكن بل يستحيل أن يؤذي أحداً، مثلما يفعل غيره من الكتبة الذين يبرعون في الشتم والقذف والقنص والقصف ويبدلّون مواقعهم وأقلامهم مثلما يغيرون ثيابهم.
وكان جوزف طفلاً، لا تشعر بأنّ العمر ينال منه، من وجهه الصبيح من محياه المضيء، ومن ابتسامته المحببة، ومن عشقه للحياة، ومن حبّه لكل من يتعرف إليه.
من جلستنا قبل الأخيرة، الصيف الماضي، وكان يهيئ والزميل إبراهيم الأمين لإصدار «الأخبار»، أطلعني على بعض البروفات، وقال لي «ليتني أستطيع ان أترجم كل ما في رأسي»، وتمنيت له أن يمنحه الله العمر والقدرة على بلوغ ما يريد.
وصدرت «الأخبار»، وكانت من العلامات الفارقة. وكانت بصمة جوزف واضحة جلية فيها، وعليها. ومؤكد أنّ جوزف تعامل معها بحبه المعهود لهذه المهنة، مهنة المتاعب، ومهنة الإبداع في آن.
وسيسجل لجوزف أنّه صاحب القلم النظيف وصاحب الكف النظيفة، وأنّه الكاتب الذي لم يتلوّن يوماً، ولم يتجمّل يوماً، في زمن صار كل شيء فيه يباع ويشرى.
ولي عتب بسيط، أيها الأخ الصديق، أنك كنت تلحّ عليّ للعودة الى بيروت، وها أنت تغادرها، وتغادرنا، حتى من دون كلمة وداع.
لم أفوّت مقالة: هيثم حقي

خسارة ما بعدها خسارة. خسارة مبكرة فاجعة. أحسّها خسارة شخصية لي بالصحافي المثالي الذي يعلم كل من عرفني بأنه الأغلى على قلبي رغم أن معرفتي الشخصية به لم تتجاوز لقاءات متباعدة في مكاتب “السفير” وعبر أصدقائنا المشتركين.
لكنني عرفت جوزف سماحة معرفة حقــيقية يومية خلال سنـــين طويــــلة مـــن الإعجـــاب، وأستـــطيع أن أقول الانبـهار بعــــمـــق تحــــليله ووطــــنـــية موقــــفه وثبـــاته علــــيه.
منذ الحرب الأهلية البغيضة إلى يومنا هذا، كان جوزف سماحة بالنسبة إلي البوصلة التي لا تحيد أبداً عن التوجه إلى الشمال الصحيح رغم اختلاط الاتجاهات عندنا جميعاً. كان أول ما أقرأه منذ سنين.
ومع صدور “الأخبار”، لم أفوّت مقالة واحدة له. ومنذ أيام، افتقدته وتعللت بتوقف الحال السياسية. لكن آخر ما كان يخطر لي أنني سأفتقده إلى الأبد. فهل يعقل أن أفتح “الأخبار” ولا أتجاوز معه “الخط الأحمر” وأفتح عيني على خفايا ما يجري ببساطة اللغة ومتانتها وعمق النظرة الثاقبة وصدق الموقف؟!
كم هي مؤلمة حياتنا؟! كم هي ظالمة هذه الدنيا؟! حتى بصيص الشمعة في هذا الظلام الحالك تضنّ علينا بها؟!

وفي الليلة الظلماء...: أحمد المديني

السّماح يا سيد سماحة، أن نرثيك وقد رحلت، عوض أن نمجدك وأنت بيننا حيّ.
السّماح، فما عوّدنا دهرنا، تاريخنا، مذ أجدادنا الأُول، إلا البكاء على الأطلال، ونعي الأحبة في الحِلّ وفي الترحال.
السّماح يا جوزف، لروحك، قامتك النخلة، ظلك العالي، المتعرش مثل أرز لبنان، هو خلّي وطلّي.
السّماح، إذ لا أستحضرك إلا بعد فوات. نتذكرك، نتبناك، نتنازعك من ممات، وقد كنت بيننا ناعم اللمسة، سريع الرعشة، حفيف الخطوة، باذخ الحظوة، لكن ما أقواها، أصدقها، أقومها، كلمة منك باطشة، رادعة للغيّ، حقٌ ضد البغي، إنصافٌ في سحنة الظلم، شهامةٌ ورفعةٌ في وجه السفلة والأنذال، كبرياءُ أخرى يعلو بها شموخ القلم، لا يقبل المساومة ولا المهادنة، لم يُفلّ له سلاح يوماً، ولا ارتضى الانسحاب من أي معركة كي يبيض ويصفر بعده الجبناء.
السّماح يا سيدي سماحة، لم أعرفك إلا قليلاً، كما لا يُعرف كل نادر إلا من بعيد، وأظنني امتلأتُ بك كثيراً، منذ الزمن الثمانيني في باريس التي شردتنا، وبعدها بلاد العرب التي قهرتنا، كان صديقك الصحراوي وخلّي المغربي محمد باهي، يلهج بذكرك، هو الذي اعتاد أن يقيس الناس بميزان الذهب، والصحب حولك من عرب ومن عجم، يتنافسون سجاياك، وشعبك من قراء نابهين، مطرقين، ينتظرون دائماً، كالبشرى أو النذير، كلماتك الجديرة بنبوءة، أو بعث ونشور.
الكلمات المضيئة، الصامدة، الصابرة، تنقُش مزيد تحدٍّ في أخاديد العمر، يا لعمرنا!
الكلمات المضيئة، في عتمة ليل العرب الطويل، تسقط نجوُمها تباعاً، وها موُتك بين آخر الأقمار يأفل، أنت الضوء الذي منّا وفينا، إننا لا نكف نأفل، نذهب إلى موتك الغادر، ونحن لا نعرف أين نمضي، أم إلى مزيد ظلمة وأفول.
وسنعطش أكثر للكلمات المضيئة. ليدٍ تمسح الجرح، وها الكلاب والذئاب من كل زاوية تتناهشنا.. ولصوت لم يبحّ، وزندٌ حبره إعصار.. في هذه الحقبة السوداء.. وفي الليلة الظلماء يُفتقد البدر!
في أيلول (سبتمبر) الماضي جئت بيروت أتفقد ما حلّ بي، بأهلي وصحبي من خراب، فأبيت إلا أن أزورك، لأحييك كما فعلت من قبل في باريس وفي “السفير”، ولأنقل إليك تحية حبيب لك وُمعلم كبير، بلال الحسن، حمّلنيها من باريس أمانة، ولأهنئك على مثابرتك. ويحي، ما كنت أعلم أني جئت للسلام الأخير، ولا هو يبعث تحية الوداع، ويحنا!
السّماح يا جوزف السماحة، فالكلمات أقل من الحزن والقهر فاضت فجيعته فوق الجمام، أووف، من بين زحام الغبن والجور والغضب المستعر، كيف مررتَ يا ذا الجبروت الحِمام؟
ستار: طريف الخالدي

من الناس إذا كتب اصطحبك فوراً الى رصافة عقله.
قرأته أوّل مرة أوائل الثمانينيات في المقال الذي كتبه في المشنقة التي علّقها رئيس البلاد آنذاك لقاتل «مجنون». قلت في نفسي: هذا مقال نضاهي به نحن العرب أروع ما قد يكتب اليوم في صحافة الأمم. مقال واحد أنهى عصر مركّب النقص. ومنذ ذلك الحين لم يعد بمقدوري أن أفهم ما يجري من حولي من دون اللجوء الى جوزف سماحة. أصبح بالنسبة إليّ شيخ المفسّرين السياسيين العرب.
لم أحظَ بلقائه، ويا للأسف، سوى مرتين. شعرت بأنّني أمام أستاذ كبير لا طائل من مناقشته، ففي الاستماع إليه فقط متعة ومنفعة بالغتان: أنا الذي أكسب الرزق من المناقشة! لكن عندما نقع على مثل هذا الشهاب الفكري الثاقب، لنر أولاً كيف ينير الظلال. واليوم، بعد ذهابه، عادت الظلال وانسدل الستار.
أتمنّى أن يعمد أصدقاء جوزف وزملاؤه الى إصدار مجموعة من مقالاته المختارة في كتاب يصدر في أقرب فرصة بعد أن تجف الدموع، هذا إذا جفّت.
مات كما عاش: طليق اليدين، حرّاً: أسعد أبو خليل

لم يكن رجلاً عادياً. لم يكن صحافياً عادياً. جوزف سماحة: كان نوعاً آخر من الصحافيين، في لبنان وفي العالم. مع جوزف سماحة، كنتَ تشعر بأنّ الصحافة شكل من أشكال النضال، في وطن (هذا إذا جازت تسمية لبنان بالوطن) تحولت فيه الصحافة إلى نوع من أنواع الارتزاق والارتهان. كم واحداً مِن رؤساء التحرير العرب يستطيع أن يقول إنّه لم ينحن يوماً لأمراء النفط؟ كم من صحافيي وصحافيات لبنان، لم يضعف أمام مال الحريري؟ كم مِن صحافيي العالم العربي لم يغيّر قناعاته إرضاءً لمصدر تمويل؟ اسم جوزف يرد دائماً على رأس قائمة قصيرة جدّاً، لدى الإجابة عن كل هذه الأسئلة.
سياسياً، لم يكن جوزف عادياً. اختطّ لنفسه خطاً سياسياً مميزاً. كان بعضهم يقول، وخصوصاً بعد اغتيال الحريري، إنّه سياسياً مع جوزف سماحة. خلط بين ماركسية ليبرالية فرنسية وقومية عربية ناصرية منفتحة. لم يقع في مزالق طائفية، ولم يتحول كغيره من جيله من الصحافيين اليساريين (سابقاً) العلمانيين (سابقاً) إلى مبشّر ديني أو طائفي، أو إلى يميني يدعو إلى الاقتداء بدعاة الرأسمالية المتوحشة. لم ينس موضوع العدالة الاجتماعية: وهو موضوع لا يحظى باهتمام فريق السلطة الذي يروّج لمشاريع البنك الدولي تحت عنوان «الإصلاح»، ولا حتى باهتمام جدي وعملي من جانب المعارضة التي يرفع بعض فرقائها شعار مصالح الطبقات الشعبية للمساومة السياسية.
كان جوزف فريداً. تنظر إلى صف طويل من رعيل الصحافة اللبنانية من جيل جوزف (ومن أصدقائه الخلص) تعدّهم واحداً واحداً: هذا تحول إلى بوق دعائي لعائلة حاكمة مستجدة، آخر يبشّر بعقيدة بوش من دون خجل، آخر يكتب ابتهالات دينية، وآخر «يحاضر» أمام رديف اللوبي الصهيوني في واشنطن داعياً فيه العرب (من واشنطن) إلى «تشرّب» فكر بوش «الديموقراطي»، وآخر ينتقد القمع في سوريا، ويغض الطرف عن القمع في باقي الدول العربية المتحالفة مع الولايات المتحدة. وحده بقي. لعل هذا يفسّر صداقاته مع من يختلف معهم في الرأي. ماذا عساه يفعل؟ هل يبقى وحيداً؟ وحيداً في لغته الخشبية. كم كان مثيراً للسخرية أن ينتقد من احترف اللغة الخشبية (في صيغتها القومجية وفي صيغتها الأميركية) جوزف سماحة. ماذا يمكن أن تقول عن جوزف سماحة غير أنه كان مبدئياً. أنه كان نظيفاً. أنه لم ينحن. بقي فوق الطوائف والمذاهب. لم ينتم إلى طائفة، ولم يحتمِ بطائفة.
تحول هذا الفريد بعد اغتيال رفيق الحريري إلى مؤسِّس لخط سياسي مستقل. أصبح له أتباع: ينتظرون إشاراته ليحددوا مواقفهم (ومواقفهن). كم رجوته أن نجمع مقالاته في تلك الفترة في كتاب. رفض بإصرار. لم يتحول إلى نجم تلفزيوني مثل عدد من زملائه. لا يحب الظهور التلفزيوني. قال لي مرة إنّ في الظهور التلفزيوني نرجسية لم يرتح لها. سألته بعد أشهر من اغتيال الحريري إذا تعرض لضغوط أو لإشارات. قال إنّ له في «السفير» مطلق الحرية للتعبير عن آرائه. سألته إذا ما كان يُخضع نفسه لمراقبة ذاتية. أجاب بالإيجاب. طلبت مثالاً. «وليد جنبلاط، مثلاً». أخبرني أنّه قرّر أن يتجنب التعرض لوليد جنبلاط بالمطلق نظراً لتاريخه (وحاضره) «غير الديموقراطي».
كان جوزف بسيطاً في شخصه، ومعقداً في فكره. كان يكتب بطريقة فريدة أخّاذة. كان يفكّر ويحلّل بصورة مميزة لا تُقلد. تركيب جمله كان معقداً لأنه كان يغوص في التحليل، يذهب إلى أبعد من الظاهر. كان يذكرني أحياناً بميشال فوكو: لنفوره من المباشرة. وكان جريئاً في فكره وخياراته: ترك أكثر من موقع صحافي ليخوض غمار مغامرة جديدة. كان يعلّم بالمثال والنموذج، لا بالوعظ والإرشاد على طريقة بعض أساطين الصحافة في لبنان. وضع صورة عبد الناصر في مكتبه في زمن تحولت فيه القومية العربية (فقط القومية العربية) إلى سبة عند «حضاريي» ثورة الأرز. دعم المقاومة ضد إسرائيل في زمن كرّر فيه يساريو وتقدميو الماضي غير السحيق مقولات شارل مالك الركيكة عن «محاكاة حضارية» بين لبنان وإسرائيل. بقي جوزف علمانياً في زمن يجاهر فيه الجميع بطائفيتهم ومذهبياتهم. ويجب ألا ننسى أنّ جوزف لم ينس فلسطين. فلسطين وقضية فلسطين لم تكن عنده موجة، كما كانت عند غيره، أو «فوشة كبد». فلسطين كانت القلق والهاجس حتى في وطن يجاهر بعنصريته ضد شعب فلسطين. جوزف سماحة لم يتوقف عن التعلّم ولم تضعف حشريته العلمية في زمن يتصوّر فيه بعضهم أنّ ذروة العلم تكمن في حفظ خطب هذا الزعيم أو ذاك. جوزف سماحة لم يخجل من أنّه لم يقبض «الكيانية اللبنانية» يوماً واحداً على محمل الجد. كان أفق جوزف قومياً وأممياً من دون التباس.
ماذا تَفعل من دون جوزف. من تَقرأ؟ ضاعت البوصلة. كان يمعن تفكيراً وتحليلاً موفّراً علينا عناءً وجهداً. لم يكن زعيم قبيلة أو عشيرة أو طائفة. لعل الوطن الغارق في أوحال الطائفية والمذهبية ضاق به. لعل عصر بوش كان فوق ما كان بمقدور قلبه أن يتحمّل. عبثاً تحاول إذا فتشت عن مقلد أو عن بديل. لا بديل له أو منه. إنه صنيع وحده. مات جوزف سماحة كما عاش: طليق اليدين، حراً.

العابرون سريعاً جميلون: حسن المصطفى

للغياب سطوته. سطوة تحيله حضوراً يجنح للذهاب عميقاً في داخلك. غياب يجعل ذلك «العابر» سريعاً، مقيماً دائماً، ومفردة أساساً من تكوين روحك لم تشعر بها إلا ساعة ابتعدت عنك.
«العابرون سريعاً جميلون»، يقول وديع سعادة، مستفيضاً «الأكثر جمالاً بيننا المتخلي عن حضوره. التارك فسحةً نظيفة بشغور مقعده. جمالاً في الهواء بغياب صوته. صفاءً في التراب بمساحته غير المزروعة. الأكثر جمالاً بيننا: الغائب».
سعادة وصف الجمال الأبهى عند اكتمال البدر في زرقة السماء، إلا أنه لم يحكِ لنا عن كُحل الألم الذي يرتسم في عين الفاقد. الكحل الأسود المزدانة به عيون النسوة النادبات.
هو في سديم الأبد، وأنا هنا في القطيف، شرقي السعودية، أعدّ حقائبي للعودة إلى بيروت، وأمنّي نفسي بلقاء قريب معه كنّا اتفقنا عليه في آخر فنجان قهوة احتسيناه معاً.
أحاديث طويلة كانت ترافقنا طوال الفترة السالفة. تبدأ بـ «الأخبار» الجريدة، وتعبر الموالاة والمعارضة، وتصل إلى العراق والخليج والسعودية، وحرب تموز وتداعياتها على التجاذبات المذهبية في الخليج، وتنامي الأصولية التكفيرية.. نختلف، ونتفق، ننتقد، ونمتدح، ويظل خيط الكلام غير مكتمل بانتظار اتصاله من جديد.
في كلّ مرة كان يطلب مني جوزف أن أكتب مادة عن السعودية، والوضع السياسي والاجتماعي والثقافي هناك. وأنا أعدهُ خيراً. تمرّ الأيام ونلتقي ويكرّر طلبه، وأنا أعده خيراً. كنت أهب لنفسي فسحةً من الوقت، وأسليها بأنّ عذري معي، بسبب انهماكي ومجموعة من الأصدقاء في الإعداد لمشروع صحافي جديد، أطلعت جوزف لاحقاً على تفاصيله. حينها، وجد لي من العذر القليل، وقدم لي من المساعدة لإنجاح المشروع الكثير.
فسحة الأمل، والوقت الذي حسبته رحباً، لم أخلّه يباغتني فجأة. كنت خائفاً على جوزف من عبوة عمياء. من مأجور طائش، من سياسي يحرّض ضده، وما أكثر المبغضين، لكن أن يضعف قلبه، ويفلت منه نفسه، ويستعذب إغفاءة المحارب، فساعةٌ لم تكن على بال أحد.
أسترجع افتتاحية جوزف في عدد «الأخبار» الأول، حينما أكد على حرية الصحيفة وحداثتها وتعدديتها، وانفتاحها عــلى الجــــميع بدون استثناء.
افتتاحية هي اليوم أشبه بالوصية والمنهاج الذي على الجميع أن يحرص عليه، لنكون أوفياء لحرية وحداثة طالما دافع عنهما وأكد عليهما، ودون ذلك، سيكون لنا من جرم الاغتيال القلبي نصيب وافر، بل النصيب كله.
سلّم على سمير، رفيقك: إيف غونزاليس

كان سمير قصير صديقي... وجوزف سماحة أيضاً. الجمع بين الاسمين يبدو صعباً للغاية في لبنان اليوم، بل يبدو من المفارقة ذكر اسم سمير في مثل هذه الظروف، هو الذي اختار مساراً نقيضاً لتوجّه جوزف، خاصة في المرحلة الأخيرة من حياته. إلا أنّ الأمر لم يكن كذلك دائماً، ولا أزال أعتقد أنّنا على حق عندما ننظر إليهما كصديقين ــــــ بل رفيقين إذا أمكننا استخدام هذه الكلمة التي صار بعضهم يراها شتيمة. لماذا ذلك؟ ألأنهما كانا يكتبان أفضل ما يمكن طبعه في الصحافة السياسية العربية؟ أم لأنهما كانا يحظيان لدى فئة من الشباب اللبناني (ولا أقول “فئتين”) بالقدر نفسه من الاحترام والإعجاب؟
فاجأني خبر اختفاء جوزف، بعد ساعات من نقاش حاد ومؤلم جمعني بصديق قديم وعزيز، حول مواقف جوزف الأخيرة... وما كان يؤديه من خلال كتابته في جريدة “الأخبار”.
أعرفه هذا الصديق، أعرفه جيداً وأعرف كم كان صديقاً لسمير... أعرفه جيداً وأعرف أنه، رغم قسوة ما قاله ذلك اليوم، يشاركنا الآن وجعنا وألمنا لاختفاء جوزف المفاجئ. وداعاً يا جوزف، وداعاً يا مي... سلّما على سمير ولا تنسيانا. نفتقدكم جميعاً... كثيراً.
مثقّف عضوي بامتياز: سركيس أبو زيد

عالم جوزف سماحة هو عالم الثقافة الملتزمة بقضية تساوي وجوده، فيعطيها كل ما عنده بعيداً من التفاصيل والجزئيات والحرتقات الصغيرة. هو صحافي مسكون بالفكرة والاستراتيجية والمصير، لم يخلط يوماً بين الالتزام المهني ومغانم المواقع. هاجس جوزف سماحة هو الحقيقة والمعرفة، أما المظاهر وبهرجة الحياة فلم تكن يوماً في مفكرته اليومية. فهو مثقف عضوي بامتياز، دافع عن فكرته بالقلم والكلمة ونمط الحياة، فاحترف النحت بالكتابة وترهب لقناعاته مختاراً.
جوزف سماحة ركب فرس الثقافة والنضال، لكنه سقط عن صهوتها فارساً، في الموقع والمكان والزمان الخطأ، هو لم يسعَ لذلك أبداً. قدر المناضل دائماً أن يقول كلمته ويمشي، قدره أن يغيب، وأن تبقى كلماته محفورة على صدر التاريخ.
جوزف سماحة، مثقف متواضع، لأنه أدرك أن المعرفة أبقى من المناصب والمهرجانات والمظاهر الفانية.
جوزف سماحة اسم جديد للمثقف المتواضع، في زمن تحول فيه الصحافي الى مستشار في البلاط، والكاتب الى “بياع كلام”. جوزف سماحة اختار الانسجام مع نفسه وفكره وقناعاته، فانحاز الى الرأي الجريء على حساب المظاهر، وإلى الكلمة على حساب الصورة البراقة.
قيل: الاستغناء غنى، وهو كذلك، جوزف سماحة غني لأنه أتقن فن الاستغناء عن مكاسب المناصب وأضواء المسرح وزهو كراسي الحكم. في زمن انتشار الانتهازية والوصولية السهلة، شق جوزف سماحة طريقه الصعبة في معارضة الشواذ والانحراف والاستبداد والاستسلام. ورغم مواقفه الحادة والصريحة، عرف جوزف كيف يحافظ على صداقاته وعلاقاته الحميمة مع رفاقه وزملائه الذين اختلفوا معه في الموقف والموقع. فالاختلاف في الرأي لديه لم يفسد للود قضية.
جوزف سماحة، لم تكن مجرد صحافي يكتب، كنت خطاً ونهجاً.
رحلت أنت، وبقيت من رواد الكلمة الحرة وفرسان الصحافة... والقدوة.
في غيابك أيها الكبير، نفتقد وقعك الصامت، وبصمت نتذكرك.
أنّى له أن يرحل؟: هالة نهرا

رأيته للمرّة الأولى في كنف صحيفة “السفير”… بُعيْد ملازمته العتيدة مقدمة الواجهة الاستثنائية لقراءاتي السياسية اليومية، بل شبه اختصاره إيّاها في لفيف مضمونه التحليليّ، قبل أن أراه.
لامستُ قامته الحاضرة في ركن الزاوية الحميمة الخاصة بمكتب الصديق المشترك حلمي موسى؛ حين تجاوز جوز\ف سماحة هامش الزمن الضيّق الذي طالما أسره، ومسافة الجدار القدريّ في ارتياده أُسس الهيكل المربّع أو المستطيل، حيث كان ينزوي أمام صدقية قلقه الوجودي وتجاعيد اليوم المنصرم.
أنّى له أن يرحل، دونما البوح أو الإنذار، في صميم خاصية الوضع اللّبناني والإقليمي الراهن، في ظلّ حاجة المثقّف الحالية الملحّة إلى المثابرة على ارتشاف واقع اللّحظة من خلال عموده التخصصي المنطوي على شهادة تاريخية قد تصابت خلسةً، لتُجاريَ مقتضيات الظرف والصعاب المتوالية.
هل من سبيل لتخطّي تلك المكانة الرمزية الشاغرة في ذاكرة الذاكرة … أمام فراغ الكأس الذي خلّفه فجر البارحة على طاولة البحث، قبل أن يغادر في عري الصمت المخيف، وغربة حلول نُظُم الجديد السائد الموغل في القِدم؟
جوزف... لا يسعني اليوم إلاّ أن أعيد قراءتكَ واستقراء مسوّداتك مع كلّ قهوة صباحية.


 الأخبار

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...