جورج سيمنون الكاتب الأكثر غزارة في العالم

هاني نديم: كيف يمكن لإنسان أن يكتب أكثر من مئتي رواية وحوالي ألف قصة قصيرة وتحقيق صحفي في حياته؟ كيف يمكن لكاتب أن يستيقظ كل يوم في الساعة الرابعة صباحاً ويظل على آلته الكاتبة حتى الساعة السادسة مساءً يدخن ويكتب، ويكتب ويدخن حتى ينجز ثمانين صفحة يومياً؟ كيف يمكن لأديب أن يكتب روايةً كل أحد عشر يوماً، طيلة حياته؛ من هذا الرجل؟ من هو جورج سيمنون ومن أين جاء وكيف تسنى له كل هذا المنجز؟ بل ماذا يريد بالأصل؟
لا أكتب عن جورج سيمنون لأنني أحب أدبه، قرأت له أربع روايات ومجموعتين قصصيتين ولم يلامس ذوقي، شاهدت أعماله البولسية وهي تتحول إلى مسلسلات وأفلام كرتون ولم يدفعني لأختصه من بين الأدباء فأكتب عنه وأترك ديستوفسكي مثلاً، إلا أنني منذ عرفت تفاصيل حياته وما فعله ومرّ به، تغلغل في روحي وقلبي ولم أستطع تجاوز الكتابة عنه كأحد نماذجي الكبرى في الاستدلال على الإدمان المهني والالتزام الكتابي بفضائله وشروره.
ولد جورج جوزيف كريستان سيمنون عام 1903 في "لييج" ببلجيكا لعائلة متوسطة الدخل، وقيل أن أمه أخفت يوم ميلاده تجنباً لاستخدام رقم اليوم والشهر في السحر أو لأنه ولد في يوم مشؤوم، ولكن من المؤكد أنه ولد في فبراير.
احتكّ جورج منذ صغره بجنسيات مختلفة وعوالم متعددة، حيث كانت أمه تؤجر غرف المنزل الكبير لطلاب من روسيا وبولندا وبلجيكا نقلوا فكرة الانفتاح والعالم الواسع لهذا الطفل، الأمر الذي جعل منه طالباً عبقرياً يتعدّى كل صفّين بعامٍ دراسيٍ واحد حتى أنه دخل كلية سانت لويس وله من العمر ثلاثة عشر عاماً بحسب سيرته.
إن تكوين جورج سيمنون هو تكوين مفرط الحماسة والطاقة والحيوية، واثقٌ من نفسه ومهذب وجذاب ومحبٌ كبير للنساء، هذا ما جعل منه يتعرف إلى الأوساط الفرنسية بوقت قصير، ودخل إليها بكل حماسة وجدية.
والعجيب في الأمر أن سيمنون كان ينجز رواية فعلاً كل أحد عشر يوماً دون أن ينسى تقاريره الصحفية الاستقصائية التي تتطلب السفر والتنقل، واهتمامه بشؤون المهمشين والعمال الفقراء كعادته، فكتب عن حقوق العمال ومشردي الشوارع المنازل المتأثرة بالتلوّث الصناعي، وهموم منشأة الترام، وغيرها من التحقيقات الصحفية التي صنعت اسماً مضاعفاً له. مع أهمية ما كان يفعله على الهامش، فقد كان دائماً وأبداً يدوّن أسماء الناس والوجوه والملاحظات والأمكنة والقياسات والملامح والمسافات ليوظفها في رواياته ومسلسلاته الدرامية ما منحها مزيداً من القوة المعرفية والمعلومات الأصيلة.
لقد عاش سينمون حياته بالطول والعرض والعمق والارتفاعات كلها، وجرّب كل شيء، تنقل لم يستقر، ومع ازدياد دخله عاماً بعد عام، سكن في قارب متنقل ليرى المدن الفرنسية، وقام برحلة حول العالم جاب فيها أفريقيا وأوروبا الشرقية وروسيا وتركيا دون أن يتوقف عن الكتابة ولو ليوم كما وعد نفسه مثلما لم يكف عن حب النساء والتقرّب منهن حتى آخر يوم في حياته. وله في هذا جملة شهيرة جداً حينما قال: "لقد عانيت حرفياً من معرفة أن هناك ملايين النساء في العالم لن أعرفهن أبداً".
سافر سيمنون خمسين بلداً حول العالم وابتكر تسعة آلاف شخصية متخيّلة في ألف وثمانمئة مكان حول العالم، كما كتب تحت عشرات الأسماء المستعارة اشتهر منها سبعة عشر اسماً مختلفًا أشهرها أراميس وجاك درسون وجورج مارتن؛ باع سيمنون أكثر من خمسمئة مليون كتاب وترجم إلى خمس وخمسين لغة ونشر في أربع وأربعين دولة. ويعتبر أكثر كاتب في العالم وظفت أعماله في السينما الفرنسية بواقع مئة وسبعة وثمانين فيلماً مأخوذاً عنه، والأول في العالم إن حسبنا مسلسل المحقق ميغريت، إضافة إلى أكثر من ألف تحقيق صحفي ومقال. ومن أشهر رواياته: "آثار أقدام"، "من القبو إلى العلية"، "في ملجأ شجرتنا"، "مقعد في الشمس"، "ما وراء نافذتي الفرنسية"، "طالما أنا على قيد الحياة"، "فاصلة منقوطة"، "أنطوان وجولي"، "هذه المرأة لي"، "ثلج أسود، وغيرها. وقد تفاوتت الأقاويل حول عدد مرات ترشيحه لجائزة بوكر، إلا أنه من الثابت أن سيمنون قال: "إنهم حمقى وأنا أحمق، أنا لست أديباً بل أكتب روايات كثيرة".
هذا المنجز الخرافي كان غير بشري على حد تعبير أحد رؤوساء التحرير. يقول سيمنون: "أنا أكتب بسرعة لأنني لا أكتب ببطء! أضع التقويم أمامي لدي ثمانية أيام لإكمال الرواية وثلاثة أيام للتصحيح والمراجعة، هكذا قضيت عمري، أنا أسرع من كتب على آلة الطباعة في التاريخ، وأسرع من قرأ".
على باب غرفته؛ علّق سيمنون لافتةً مكتوب عليها: يرجى عدم الإزعاج، فإن كانت معلقة لا يدخل عليه أحد ولو في حالة موت! هذا الروتين الصارم هو ما صنع جورج سيمنون، إلى جانب سعة الاطلاع والثقافة الدائمة وهو ما فهمه سيمنون جيداً، فسافر ودوّن ولاحظ وقرأ. ولك أن تتخيل أن سيمنون كان يمتلك مئة وخمسين دليل هاتف، نقلها عدة مرات إلى أن نقل منها حوالي خمسمئة اسم مهم لديه وعلّق لوحة أمامه بأسمائهم وأرقامهم وحفظها حتى لا يضيع وقته بالبحث.
حينما ذاع صيته، تناقلت الأخبار والإشاعات أنه يسطو على كتب من مصدر مجهول وأن سيمنون لا يكتب كتبه بنفسه إذ أنه من غير المعقول أن يكتب أحدٌ ما رواية كل أحد عشر يوماً بشكل متصل! وتحداه أحد الناشرين أمام العالم والوسط الثقافي بأن يكتب روايةً متسلسلة للصحيفة في ثلاثة أيام فقط، شريطة أن يكتب على مرأى الناس، فوافق سيمنون وجلس في مكتبٍ زجاجي طلب مواصفاته أن يطلّ فيه على "المولان روج" بحيث يستطيع رؤية الجميلات وهن يدخلن ويخرجن ويراه الجميع داخل الزجاج يكتب. وقد حدد حجم الرواية في ستين حلقة كحدٍّ أدنى، ومن دون أن يتّصل بطرفٍ ثالث سوى من يأخذ منه الأوراق. كل ذلك مقابل مبلغ قدره خمسة وعشرون ألف فرنك فرنسي. وقد فاز بها جورج سيمنون وكتب الرواية في ثلاثة أيام فقط، الأمر الذي ضاعف من سمعته في باريس وجعل منه أسطورة أدبية لا تجارى ولا تبارى.
ومن مفارقات حياة هذا الرجل أن طبيباً كان قد حذره وهو في العشرينيات بأن عمره لن يطول بسبب صحته المعتلة وقلبه الضعيف كقلب والده، ولكنه عاش طويلاً تحت هذا الهاجس ولعله كتب بجنون كل هذا لإحساسه بدنو أجله الذي يلاحقه. وفي عام 1972 توقف سيمنون عن كتابة الرواية بعد مئتي رواية وبلوغه تسعة وستين عاماً، لكنه لم يتوقف عن الكتابة أبداً، فقد وضع سيرة ذاتية لعلها الأطول في التاريخ (واحد وعشرون مجلداً)، أملاها إلى مسجلته وأسماها "الإملاءات" كما لم يتوقف عن تسجيل ملاحظاته على ذات المسجل الصغير.
لقد ظل سيمنون طيلة حياته خائفاً من العوز والفقر، وظل كلما كسب مالاً شعر أنه بحاجة المزيد، كان كريماً جداً ومولعاً بحياة البرجوازية، كما كان مولعاً بالأزياء والفخامة، فقد امتلك اثنين وثلاثين قصراً حول العالم، واشتهر بأنه يدخن من خلال ثلاثمئة بايب فاخر من العاج والعظم والخشب النادر، وكان لديه ستين زوجاً من الأحذية المصنوعة يدوياً له وحده، إلى جانب مئات البدل والقمصان من أفخم العلامات التجارية التي كان تفصّل له شخصياً، وقد خصص غرفة بمساحة شقتين لملابسه مزودة بمرايا من الجدار إلى الجدار حتى يتمكّن من مراقبة نفسه في زيه من جميع الزوايا. وحتى اليوم تدرجLouis Vuitton الشركة المعروفة بفخامة منتجاتها جورج سيمنون كواحد من أكثر عملائها ولاءً وأهمية.
كان عام 1978 عاماً قاصماً بالنسبة لجورج حينما انتحرت ابنته "ماري جو" عن عمر خمسة وعشرين عاماً برصاصة في رأسها تاركةً رسالةً لأبيها أنه أحد أسباب انتحارها، ومنذ ذلك التاريخ، تراجعت حيوية جورج ودخل في عزلة شديدة وتقشف لم يعشه من قبل، فباع منازله وأملاكه وصرف كل امواله على جهات معوزة وأسر فقيرة وجمعيات لدعم الطب النفسي، إلى جانب إغداقه المال على المشردين والبوهيميين وغيرهم من أهل الهامش وكأنه كان يكفّر عن ذنبه في موت ابنته بهذه الطريقة ليموت لاحقاً بها بعد عقدٍ من الزمن في ذات المنزل بلوزان.
صنّف جورج سيمنون من أهم مئة بلجيكي عبر التاريخ، كما أنه أكثر كاتب بلجيكي ترجمة عبر التاريخ بثلاثة آلاف وخمسمئة عمل، والثالث ترجمةً في تاريخ الآداب الفرنسية بعد "جول فيرن" و"ألكسندر دوماس"، قال فيه "مارسيل إيميه" إن سيمنون هو بلزاك بلا تطويل! أما "آلان برتراند" فيقول: "سيمنون لا يعبر كثيراً إلا أنه متوازن جداً ويتكلم قدر الحاجة".
قال عنه أندريه جيد: "هو الأديب المدقق الثقة، لعله أعظم الأدباء المعاصرين الذين يكتبون بالفرنسية"، أما "سومرست موم" فيراه إلى جانب "غراهام غرين" الإنجليزي أعظم روائيين في هذا الزمان.
* مقاطع من كتابي "بورتريهات حزينة من استوديو الأفراح"