آخر المواضيع المتعلقة

سوري

دراسات

الحسكة

العراق

لبنان

دير الزور

أرشيف البلدان
أرشيف الأيام
الأجندة

جفاف الخابور والعجز المائي في الحسكة

بعد أن طرده جفاف نهر الخابور من قريته الصور في دير الزور رأى أبو محمود أنه محظوظ فلقد عثر بيسر على بيت في الحجر الأسود آوى زوجتيه وثلاثة عشر ولداً

نسأله : أتمزح معنا..؟
يبتسم ويجيب باشاً: أبداً أنا جاد غيري اضطر إلى السفر إلى لبنان واضطر إلى تشغيل بناته خادمات، أما أنا فلقد عثرت على عمل في الشام كبائع جوال وهي مهنة تدر خبزاً أو لحماً وغذاء وكساء!!.
كنا قد رجعنا للتو من الصور وهي ناحية تتبع لها العديد من القرى، واطلعنا هناك على بؤس صنعه الجفاف، الذين بقوا في القرية وقفوا فوق الجسر ينتظرون عابر سبيل يبحث عن عمال، ونادراً ما كان يمر المنطقة  فقدت زراعتها بفعل الجفاف إنه جفاف الخابور وكان يرد هداراً ويعبر الجسر الكبير مسرعاً نحو الفرات ليصب فيه.
لم يعد الخابور يرفد الفرات منذ عام 1997 يوم جف، ولئن نجحت الدولة السورية في إيجاد حل جذري لمشكلة ما يقرب من سبعين ألف مواطن من أبناء ناحية الصور إذ بنت لهم قناة تنهل الماء من الفرات في دير الزور وهدف طريقه إلى شط العرب وأعطتهم خمسة عشر متراً مكعباً في الثانية ليرووا ستة عشر ألف هكتار من أراضيهم الزراعية ليشربوا الماء العذب المعقم الوارد إلى بيوتهم عبر محطة ضخ وتصفية في بلدتهم، ومن قناة الصور لسحب خط ماء للشرب لقرى ناحية الشدادي أيضاً في الحسكة مما أعاد الروح لتلك المساحة التي تضررت في الماضي القريب من جفاف الخابور.
فإن محافظة الحسكة برمتها الآن أو الجزء الأكبر منها على الأقل لايزال ينتظر مثل هذا الحل الحاسم والجذري والنهائي مع الماء للإبقاء على ري خمسمئة وعشرين ألف هكتار ولتأمين مياه الشرب علماً أن عدد سكان الحسكة مليون و300 ألف نسمة، وهي سلة غذاء سورية تنتج نصف إنتاج سورية من القمح والشعير وثلث إنتاج سورية من القطن الآن بعد التقنين في المياه والتشدد في الترخيص لهذا المحصول لشرب المياه.
وقد يقال: أين تكمن المشكلة؟!
والجواب في الخابور ذاته نهر الحسكة الشهير وكان غزيراً إذ ورد في السجلات أن غزارته وصلت إلى 45 متراً مكعباً في الثانية في بداية السبعينيات، وهذا ما حفز على اقتراح مشروع للاستفادة من هذه الغزارة.
يحتوي على ثلاثة سدود لادخار ما يقرب من 935 مليون متر مكعب من المياه وإرواء 150 ألف هكتار من أراضي الحسكة.
درست المشروع شركات أجنبية عريقة انكليزية وبلغارية ونفذته شركات إنشائية عامة وطنية ووضع في التنفيذ في عام 1984.
ورأت النور أجزاء منه في الثمانينيات (قناة الجر الرئيسية 45م3 /ثا و سد الحسكة الشرقي ثم سد الحسكة الغربي والنفق المكشوف الواصل بينهما ويقومان على ادخار 325 مليون م3 من المياه واستمر العمل في الجزء الثالث من المشروع (سد الشهيد الباسل وهو يستوعب 605 ملايين م3 من المياه وفي عام 2001 بدأ التخزين فيه ويحتوي الآن على 530 مليون م3 من المياه.
يقول المهندس سمير مورا مدير مديرية الموارد المائية في محافظة الحسكة: إن العجز المائي في المحافظة جعلنا نتوقف عن متابعة مشروع ري الخابور في الجزء الخاص بسد الشهيد الباسل واقتصر عملنا على تنفيذ ري الحقلين 19-20 ومساحتهما عشر آلاف هكتار وقمنا بتحديث الحقلين 17-18 وري خمسة آلاف هكتار.
استفسرنا وفي صوتنا رجفة عن معنى العجز المائي في الحسكة، وأجابنا الأستاذ على استفسارنا قائلاً: إن أهم ما يؤرق مديرية الموارد المائية في الحسكة هو العجز المائي إذ جف نهر الخابور في عام 1997 وسارعنا إلى حل إسعافي وحفرنا مئة بئر لإنقاذ النهر.
ترى هل خطر ببال الشركة الدارسة لمشروع ري الخابور (150) ألف هكتار أن هذا النهر الغزير (45 متراً مكعباً في الثانية) قد يجف..؟
طرحنا هذا السؤال على كثير من الخبراء والفنيين العاملين في مجال المياه وسمعنا من أحدهم على الأقل أن شركة أغروميت البلغارية حذرت من كارثة كهذه في حال استمرار النمو العشوائي للآبار في حوض ينابيع الخابور.
لكن الفأس وقعت في الرأس وأنجز حل إسعافي (مؤقت) ليبقي على (ماء الوجه) على الأقل لهذا النهر العريق.
يقول المهندس مورا: المطلوب لإيقاف العجز المائي إنجاز أمرين الأول الاتجاه نحو الري الحديث لإعادة التوازن المائي للمنطقة ذلك أن التقنين يلغي العجز مؤقتاً على الأقل علماً ان نسبة الري الحديث في الحسكة حالياً 10٪ فقط. ولقد تم الحصول على قرض إيطالي لدراسة المنطقة مائياً بطرق تقنية متطورة أما الإجراء الثاني المطلوب فهو الأهم إنه الحل الاستراتيجي انه مشروع ري دجلة ولاسيما وأننا نشاطىء تركيا والعراق من خلال نهر دجلة، ولقد أكد السيد رئيس مجلس الوزراء في أيار الماضي إمكانية ري 150ألف هكتار من نهر دجلة وتوفير مياه الشرب لمدن وقرى عديدة في محافظة الحسكة من هذا المشروع في مرحلته الأولى علماً أن حقوق سورية من مياه النهر تسمح لها بإرواء 450ألف هكتار، ذلك أن نهر دجلة غزير ولاسيما عند حدودنا مع العراق إذ يرفده نهر يدعى فش خابور ويقدر حجم الماء المار في تلك المنطقة بـ45مليار متر مكعب سنوياً.
لقد درس مشروع ري الخابور في عام 1980 لإرواء 150 ألف هكتار وتم توجيهنا مؤخراً أن نقوم بتحديث الدراسة بما ينسجم مغ الغزارة، وفارق المنسوب إذ ينخفض النهر 108 أمتار عن الحقول السورية وسيتم إنشاء قناة بطول 20كم  تنقل الماء بعد الضخ إلى سد المالكية وهو يستوعب سبعمائة مليون متر مكعب من المياه ونتوقع أن يروي المشروع بكل مراحله 450 ألف هكتار علماً أن مجمل المساحة المروية حالياً من الحسكة هي 520ألف هكتار.
إغناء لهذا البحث ذهبنا إلى رأس العين وهي مدينة ينابيع الخابور، تبعد عن مدينة الحسكة مايقرب من تسعين كيلومتراً. لقد قرأنا في الصحف في ربيع عام 2006 عن انهدامات في الشوارع والحقول الزراعية: فجأة تنشق الأرض وتحدث حفرة كبيرة ويرى المهندس مزاحم الرزة رئيس مجلس المدينة أن هبوط المياه الجوفية ومناسيب الينابيع هو سبب هذه الظاهرة إذ تحولت ضغوط المياه الجوفية من الأعلى إلى الأسفل بدلاً من أن تكون من الأسفل إلى الأعلى ولاسيما وأنه يوجد تكهفات في صخور المنطقة وهي صخور من الحجر الكلسي ومن الجص.
وأما العامل المباشر فهو التسرب المائي من شبكة الصرف الصحي المهترئة ومن مياه الأمطار مما جعل تلك الصخور تحتوي على المياه داخل تلك التكهفات.
ويؤكد رئيس مجلس المدينة أن الهبوطات مستمرة ويومية علماً أنه يعيش في منطقة رأس العين 57ألف إنسان.
أي أن هذا العدد من الناس مهدد إذاما استمر الضخ الجائر والحال الراهن لشبكة المجارير.
يقول المهندس كميل يلدا المسؤول عن استثمار آبار رأس العين: إننا نستثمر حالياً 59بئراً ونضخ منها على مدار 24ساعة لنؤمن لنهر الخابور خمسة أمتار مكعبة في الثانية للري والشرب ويشير في هذا السياق أن ينابيع رأس العين قد جفت تماماً «البانوس-الجبارة-الكبريت رقم واحد» ولم يبق سوى نبع الكبريت رقم -2- إذ يتم ضخ الماء من قاعه!!
سألنا المهندس كميل عما إذا كان هنالك دراسات لهذه الآبار فأجاب: نعم يوجد دراسات وموافقات أما المهندس عزيز ميخائيل رئيس قسم الشؤون الفنية في مديرية الموارد المائية في الحسكة فهو يؤكد ان كل اللجان التي شكلت لدراسة ظاهرة الانهيارات في رأس العين قد اتفقت على ان السبب يكمن في الاستجرار الزائد للمياه من الآبار الحكومية والخاصة لتلبية متطلبات الري ويتمتم: لانستطيع إلا أن نضخ، ويتابع قائلاً: بعد جفاف ينابيع رأس العين ونهر الخابور حفرنا الآبار وضخينا من الينابيع كحل اسعاف لتأمين مياه الري ومياه الشرب لمدينة الحسكة والقرى الممتدة من رأس العين إليها إلا أنه يجب السعي إلى حل استراتيجي إما من دجلة أو من الفرات!!
ويلفت المهندس عزيز انتباهنا إلى أنه تم التعاقد مع شركة هيدروسكوب الأرمنية للتعمق في دراسة ظاهرة الهبوطات والوضع المائي لرأس العين وتنجز الدراسة في آذار 2008 وتصل تكاليفها إلى خمسين مليون ليرة سورية.
لعل القطن أكثر المتضررين وهو السبب ذلك أنه شره للمياه إذ يستهلك الهكتار 14ألف متر مكعب من المياه.
إن حفر آلاف الآبار (ثمة من يقدر العدد بثلاثة آلاف بئر في حوض الخابور من رأس العين في الجانب السوري وحده أما على الجانب التركي المحاذي لمدينة رأس العين فلا أحد يعرف عدد الآبار هناك لكن القطن يُزرع بكثافة في ذاك الجانب أيضاً.
لقد تشددت وزارة الزراعة السورية في منح تراخيص زراعة القطن في رأس العين والحسكة بشكل عام وانخفضت المساحة من 107آلاف هكتار إلى ستين ألف هكتار وكانت الحسكة تنتج نصف إنتاج سورية من القطن لكنها الآن تنتج ثلث هذا الإنتاج.
لقد عرفت سورية مثل هذه الكارثة البيئية في مدينة السلمية في محافظة حماه إذ بعد فورة القطن في أواسط الخمسينيات من القرن الماضي جفت الآبار وتصحرت المنطقة بالكامل. إلا أن المشكلة هنا في رأس العين. إن المحافظة بكاملها فقدت ينابيع النهر وستفقد النهر كله وهو شريان الحياة لمليون وثلاثمئة ألف إنسان في الحسكة المحافظة التي تعد سلة غذاء سورية وأكبر منتج للنفط في البلاد.
إن الحل الإسعافي كان ضرورة ولكنه لن يستمر طويلاً ولهذا يجب أن نعمل في سورية ليلاً نهاراً لإنجاز الحل الآخر الاستراتيجي من دجلة أو من الفرات وقد يكون مفيداً منعاً للتبخر الاستفادة من الآبار الحكومية المئة لصالح أنبوب ضخم يحتوي على صنابير على مساره حتى السد الشرقي إذ يجب ألا نستمر في المكابرة وأن نعترف أن الخابور قد مات موتاً سريراً وأن استمراره في العناية المشددة مكلف جداً جداً.
صحيح ان ماحدث في الحسكة وللخابور تحديداً ليسس مستهجناً ذلك أن موت الأنهار قد تحول إلى ظاهرة، وبردى ليس أحسن حالاً والعاصي أو البليخ أو الأعوج أو الكبير الجنوبي فمن الشائع حسب أرقام وزارة الري أن العجز السنوي من المياه 7ر1مليار متر مكعب في سورية، وأن العجز التراكمي أربعة مليارات متر مكعب وليس متاحاً لنا على الورق سوى أن نلح على أن المسألة باتت بحاجة إلى أكثر من ناقوس خطر، فيجب أن نقرع أبواق خطر عملاقة... ذلك أن الماء حياة.

المصدر: البعث