التجديد المراوغ في بناء النظرية الأدبية

31-01-2010

التجديد المراوغ في بناء النظرية الأدبية

تتميز نظرية الأدب بأنها ترتبط بالحقول المعرفية ارتباطا عضويا. فهي لا تولد من الفراغ، وإنما هي نتاج الاتصال الفاعل بالفلسفة، وعلم الاجتماع والأنتربولوجيا، والمعمار والتحليل النفسي، والفيزياء، وشتى الفنون، والعلوم الأخرى.ميشال فوكو

إنه من الصعب، إن لم نقل من المستحيل بناء نظرية أدبية بدون هذه الحقول وغيرها. وهنا ينهض سؤالان إثنان وهما:
1- ما هي النظرية بشكل عام والنظرية الأدبية بشكل خاص؟ ثم ماهو المنهج؟ بما أن النظرية لها صحبة مع الأشكال المعرفية المتنوعة، فإنني سأتحدث عنها أيضا بصحبة نقاد ومنظرين آخرين إلى جانب الفلسفة. وهكذا فإن النظرية هي نتاج لهذه الصحبة. من خصائص النظرية أنها ترحل من حقل معرفي إلى حقل معرفي آخر، ولا تصدر أو تأتي من جهة واحدة. إنه يمكن تمثلا ترحيل نظرية في المعمار إلى الأدب..

يفتتح الناقد البريطاني تيري إيجلتون خاتمة كتابه "مقدمة لنظرية الأدب" هكذا: "إذا كان التاريخ يتقدم إلى الأمام، فإن المعرفة بهذا التاريخ يتقدم إلى الأمام، فإن المعرفة بهذا التاريخ تسافر إلى الخلف". إنه يمكن تأويل منطوق هذه العبارة بأن معرفة التاريخ، سواء كان شخصيا، أو عاما بالنظر إلى نقطة بدايته. وهذا يعني بوضوح بأن المعرفة، أو لنقل طموح المعرفة تعود بآلياتها وتقنياتها إلى بداية اللحظة التي انطلق فيها هذا التاريخ المتنوع نحونا إنه بدون هذا الفعل سنبقى أسرى الجهل بمنابعه، والدروب التي سلكها.

وفي الواقع، فإن مسار التاريخ ليس خطيا، بل هو ذو حركات عجيبة منها مده وتباطؤه، ثم تحويل اتجاهه ومنها تلك الحركات التي تقوده إلى النكوص، وأحيانا تفرض عليه حالة الانقطاع ويضيف إيجلتون في مكان آخر من "مقدمته لنظرية الأدب" قائلا: "إن انبثاق النظرية يحدث حين تبدأ الممارسة تنحني إلى نفسها من أجل فحص شروط إمكانياتها".

إن هذا يدل على أن "النظرية ليست شيئا أكثر من اللحظة حينما تكون تلك الممارسات قد أجبرت لأول مرة أن تأخذ نفسها كموضوع للبحث الخاص بها". ونتيجة لهذا بالذات يعتبر تيري إيجلتون بأن النظرية تتصف باستمرار بالنرجسية.

إن فحص النظرية لنفسها يعني أنها أشبه بالمريض نفسيا الذي يقوم بعلاج نفسه ذاتيا لكي يتخلص من عقده النفسية، ورضاته التي يعاني منها. إن التأويل لهكذا نظرية يعني أن النظرية هي نتاج الممارسات التي تفكر في نفسها للتعرف على العقبات والزلات والمشكلات التي تحول دون حركة طاقاتها الكامنة، أو الظاهرة نحو غاياتها وأهدافها.

بناء على هذا الاستنتاج نفهم ما يقصده الناقد الفرنسي رولان بارت بقوله التالي: "إن كل نقد يجب أن يدمج في خطابه، ولو بطريقة محوّلة أو محتشمة خطابا مضمرا حول نفسه". ونفهم من فعل "يدمج" أن النظرية أيضا تتضمن بداخلها إمكانية نقد نفسها واصلاح نقائصها، أو طاقة تؤهلها لتجاوز نفسها إلى ما هو أفضل، وأرحب، وأكثر تفجيرا لكفاءتها التي هي بمثابة القدرة النائمة في عالمها الداخلي.

التجديد المراوغ
فما هي النظرية إذا؟ للناقد الأمريكي المعاصر جونثان كولر تأويل لمصطلح النظرية. ثمة نظرية النسبية في الفيزياء الحديثة مثلا، وهي مجموعة من القضايا ثم هناك الاستعمال العادي لكلمة "النظرية" كأن تقول مثلا: "نظرتي في تدهور صحتي يعود سببه إلى مشكلاتي العائلية".

ولكن صديقك يقول لك بأن السبب في ذلك يعود إلى عدم اعتنائك بنفسك من حيث أنك لا تنام جيدا، أو تأكل في المطاعم الرخيصة". وهكذا دواليك. بالنظر إلى تأويل الأسباب بخصوص تدهور صحتك فإن النظرية حسب هذا السياق لا تتجاوز التخمين أوالفرضية، وأنها غير يقينية.

أما بالنسبة إلى مدلول منطوق نظرية النسبية فإنها تهدف إلى شرح ظواهر الطبيعة من أجل التوصل إلى تجديد القانون العلمي اليقيني والصارم لضبط طبيعة وسرعة الضوء مثلا، أو لتحديد أسباب انتفاء الجاذبية بعد اجتياز الانسان لمسافة 560 كلم بعيدا عن الأرض وعموديا بواسطة الصاروخ العابر للقوة. وفيما يتعلق بحقل العلوم الانسانية بصفة عامة، فإن النظرية بخصوصها وفي مجالها ليست مجرد انطباع متأرجح حول طبيعة هوية الظاهرة النفسية، أو حول نص.

كما أنها ليست قانونا صارما يقينيا نهائيا يمكن إتمام نقائصه أو إلغائه دفعة واحدة وبالكامل. فقط بعد اكتشاف نظرية بديلة أكثر دقة وضبطا ويقينية. فالنظرية في العلوم الانسانية مفتوحة على تعددية التأويل.

إنها جنس أولا وقبل كل شيء مثل القصة القصيرة، أو الرواية، أو السيرة الذاتية. لنعد إلى جونثات كولر فنجده يرى بأن النظرية هي "كمشة من الأسماء "وهي أجنبية في معظمها": إنها تعني جاك دريدا، وميشال فوكو ولوبين إيريغيري ولويس ألتوسير وغياتري سبيفاك.

على سبيل المثال" وباعتبار النظرية جنسا فإن الناقد يفترض بأن هذه النظرية في الدراسات الأدبية ليست سردا لطبيعة الأدب، أو المناهج من أجل دراستها "رغم أن مثل هذه المسائل هي جزء من النظرية" إنها جسد "قوام" من التفكير والكتابة التي يصعب جدا أن تحدد حدوده". ويواصل جونتان كولر مناقشته من أجل تحديد ما هي النظرية؟

"النظرية خطاب معرفي بيني عابر لفروع المعرفة وآثارها تحدث خارج التخصص الأصلي، وهي محاولة لكي نحل ما هو منشبك فيما ندعوه باللغة أو الكتابة، أو المعنى أو الذات".

وجراء ما تقدم فإن "النظرية يجب أن تكون أكثر من الفرضية، إنها لا تستطيع أن تكون واضحة، إنها تتطلب علاقات معقدة من نوع منهجي بين عدد من العوامل الأخرى، وأنها لا تؤكد أو تدحض بسهولة".

أما وظيفة النظرية فهي نقد "للحس المشترك، وللمفاهيم التي تؤخذ على أنها طبيعية، وأنها انعكاسية تفكر حول التفكير" وبما أنها هكذا، فإنها "تبحث في المقولات التي نستخدمها لنعطي المعنى للأشياء، في الأدب، وفي الممارسات الخطابية الأخرى".

السباق نحو النظرية
يلاحظ عدد كبير من الدارسين المنشغلين بالنظرية من أجل تحديدها، ورصد وظيفتها وكيفيات عملها بأن ثمة سباق محموم في هذا الشأن. لقد دفع هذا السبق ببعض النقاد إلى القول بأن هؤلاء المتورطين فيه يشبه حالهم حال أولئك الخياطين الذين يفصّلون البذلات بقياس واحد لأجسام متباينة الأحجام.

وهكذا نجد عنقودا من النظريات داخل الحقل المعرفي الواحد. ففي التحليل النفسي مثلا هناك نظريةالذاتية ونظرية بنية الشخصية ونظرية التماهي ونظرية الأنوثة والذكورة وهلم جرا. إن هذه النظريات وغيرها ليس متفقا عليها من قبل مدارس التحليل النفسي المختلفة وأن هذا التعدد هو الذي يجعل هذا الحقل المعرفي محل خلاف واختلاف، فضلا عن التوظيف المتعدد والمختلف أيضا.

إن هذا التعدد الفني نجد انعكاساته في الانتاج الفكري للعديد من المفكرين، والنقاد. فإن إدوارد سعيد مثلا في كتابه "الاستشراق" قد وظف عددا من النظريات التي استقاها من ميشال فوكو وأنطونيوغرامشي، وفرانز فانون وغيرهم لتفكيك علاقات القوة في ظل الاستعمار الغربي للشرق. إنه قد وظف نظرية الخطاب ونظرية المقاومة عند فوكو، ونظرية الهيمنة عند غرامشي، ونظرية الآخر عند فانون إلخ.. فالنظرية تقترض وتقلب أحيانا، كما ترحّل دائما.

المصادر
1- Terry Eagleton, Literary Theory: An Introduction Blackwell Pulishing Oxford London 2008 p 190-191
2- Jonathan culler Literaruy Theary: A very Short Introdution Oxford University press UK 2000 p 1-17

 أزراج عمر
 المصدر: العرب أون لاين

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...