آخر المواضيع المتعلقة

مجتمع

خاص الجمل

سينما

دمشق

حماة

أرشيف البلدان
أرشيف الأيام
الأجندة

الشواذ مجتمع داخل المجتمع له أعرافه وتقاليده

الجمل ـ رضوان نجاتي: ليلاً، بعد أن تغلق المحلات أبوابها، وفي الأزقة الخلفية للأسواق التجارية في المناطق الدمشقية الراقية، يلفت الأنظار شبان وشابات صغار في السن يتجولون مثنى وثلاث في الظلام بين الظلال. قد نمر بهم ونمضي، لكن إذا اقتربنا منهم، سنحار، فلا الشباب ذكور، ولا الفتيات إناث،!! ولن نستطيع تحديد جنسهم لأن أصوات غنج الشبان الأنثوي سيبلبلنا، وإذا اقتربنا منهم لنتميزهم بشكل أوضح فسوف تختلط علينا الأمور ونتشوش، سنرى الشبان قد رسموا حواجبهم وحمّروا شفاههم ووضعوا بودرة على خدودهم، ورسموا الوشم على زنودهم، أما الفتيات فشبان يرتدون ملابس نسائية. وزيادة في البلبلة والتشويش يتنادون بـ«يا أختي شيرين» أو سوزان، أو منار، أو نادين.. إلخ، دون تمييز بين من يبدو عليهم أنهم شبان أو من يبدو أنهم بنات، ويرمقوننا متوجسين منّا، بنظرات خائفة ذات معنى، كأننا نتدخل بشؤونهم. لن يكون هذا المشهد مفهوماً إلا إذا ربطناه بمشهد آخر مماثل في المدن الأوروبية، هذا بعد أن نتجاوز الصدمة التي أصبنا بها.
يبدو أننا نتكلم كأناس رجعيين برأي البعض، لكننا لسنا على هذه الدرجة من التزمت، كذلك لا نعفي أنفسنا من قليل من المحافظة. أما الآن، فحالنا هو الاستغراب، نحن الذين نزعم بأننا في دمشق مدينة نخال أننا نعرفها جيداً، ونعرف دواخلها وعوالمها السرية الممنوعة والمتمنعة حتى على ساكنيها. فحتى شخصية زوزو التي يتذكرها الدمشقيون كاستثناء في  المجتمع المحافظ تبدو أنها لا تنتمي لهذا العالم الذي نرى فيه عملية اصطياد للزبائن علنية في وضح الشوارع وهدأة الليل.
أيام زوزو
فالذين عاصروا صغاراً فترة الستينيات وأوائل السبعينيات، يعرفون شاباً ظريفاً يدعى "زوزو" ذو وجه أمرد، يسرح بخفة ودلع بين شوارع الروضة وأبو رمانة والصالحية بألبسته الضيقة وقميصه البلا أكمام كاشفاً عن زنديه وعضلاته الملساء، يتراقص في مشيته بقامته الممشوقة. كان الشاب الغندور واسمه الحقيقي "زهير"  ابناً لأم عجوز فقيرة تسكن في زقاق الصخر، والأمر الذي يعرفه القلة بأنه كان باراً بأمه، وطالما جابت الأزقة في آخر الليل بحثاً عنه عندما يتأخر في العودة إلى البيت. عُرف عن زوزو خفة الدم وتلطيشاته الجنسية المرحة التي قلما ينجو منها الجيران وأصحاب المحلات الذين يتحرشون به ليسمعوا تعليقاته. لم يكن مزعجاً، كانت بذاءته المستملحة تسلية عابرة للمارة. وقد عدَّ في تلك الفترة من معالم دمشق المشهورة، أسوة بكبار الأعيان والسياسيين الذين لم يضنوا عليه بالهبات والحماية من الشرطة. أما عمله الذي كان يقتات منه ويصرف منه على نزواته المتطلبة، فكان تقديم الخدمات لنساء البيوتات الغنية، من مسح وتنظيف وغسيل وجلي وتعزيل، مقابلها يعطونه ما تسمح به النفس، ولم يكن قليلاً. ولقد وثق به الأزواج، وكان فعلاً أهلاً للثقة التامة غير المنقوصة، لم تكن النساء بالنسبة له سوى أنهن يفسحن له المجال للثرثرة المستفيضة بلا حدود على الإطلاق. كان الجميع يعرفون بشذوذه، بل ويستأنسون به، عدا عن التسلية التي يوفرها لمن يعمل عندهم وكانوا غالباً من المسيحيين والأجانب، وكان بعضهم يتحججون بأنهم يستخدمونه لقضاء حوائجهم في حين كان ينقل لهم أسرار البيوتات الأخرى، فلانة تجوزت وعلتانه تطلقت وفلان بك تزوج على امرأته، وعلتان مصاحب، وفلانة مصاحبة، وفلان ماغيرو مو ماشي حالو مع النسوان. وغالباً ما يكشف لهم أسرار الفراش الحميمية بأساليب تمثيلية تطفح بغنج أنثوي احترافي مثير. تقبله الدمشقيون بكل رحابة صدر كما يتقبلون كل أولئك المختلين الذين على البركة، بما فيهم  العائلات المتدينة والمحافظة. قائلين، الله يعينه على بلواه، أو أن الله ابتلاه بآفة والعياذ بالله. وعندما كان الصغار يتساءلون عن كنه هذه الآفة. كان الجواب، ما بتنذكر يا عيب الشوم، داعين له بالشفاء والستر. أما أمه فكانت تقول الله يحميه. كان يعود إلى البيت في بعض الليالي سكران، مدمى الوجه وجسده مليئ بالكدمات. لم تكن مغامراته الليلية مأمونة، فلم تخل أحياناً من إيذاء زبائنه القساة من بعض المراهقين الزعران وخشونة سائقي الشاحنات والعسكر، وقد يصادفه زبائن لصوص يسرقون ما يحمله من مال وقد  يسلبونه ملابسه. تلك كانت أخطار هذه الآفة حتى في دمشق الوادعة في تلك الأيام.         
  لم يكن "زوزو" الشاب المؤنث الوحيد، كان هناك غيره، حياتهم وتصرفاتهم محاطة بالكتمان الشديد. كانت سطوة عائلاتهم ومكانتها، المتوسطة منها والغنية تمنعهم من ممارسة شذوذهم إلا بشكل سري جداً، خفية عن عائلاتهم. كان سبب شهرة زوزو وحريته هو فقره وعدم وجود أسرة يشكل فيها الأب أو الأخ الكبير سلطة مخيفة ومهابة، لهذا كان محسوداً من أقرانه على فقره وأسرة ليس لها معيل ولا مكانة. وكانت نشاطاتهم مسرحها الشوارع والأزقة، ويعانون الأمرين من محاولة اصطياد زبائنهم من الأماكن المشبوهة كساحة المرجة وخمارات طلعة رامي وعتمة سينما غازي وأمية، ودورات المياه العامة.

وداعاً للعزلة

  اليوم، مع التوسع العشوائي للمدينة واكتظاظها بالغرباء، تبدو الأمور مختلفة تماماُ، فما كان نادراً اصبح موفوراً، وما كان يدور في منتهى السرية، أخذ شكلاً من العلنية غير الخجولة، وما كان متناثراً بدأ يتلملم ويتضامن أفراده في تجمعات صغيرة، لها أشخاصها الأكثر باعاً، ومفرداتها المتخصصة، وأساليب طرأت عليها تحسينات تكنولوجية ومعلوماتية لا يستهان بها، من ناحية سهولة الوصال والاتصال. بحيث اصبح شعار المرحلة الجديد بعد أن خرجوا من تحت الأرض، وداعاً للعزلة المطبقة. وباتت حركتهم ترصد بالعين المجردة، وصار مفهوماًُ قول بعض الشبان العابثين  بملء الصوت لآخرين ينتظرون على الناصية «انبسطوا، جاءتكم القضايا يا بتاري» !!؟.
«البتاري» و «القضايا» أبطال عالم الشواذ  الآخذ طريقه إلى تكوين تجمعات تشكل نظامها المختلف، وتراتيبها الهرمية، ولغتها البديلة، وأمكنتها المفضلة، ومحيطها الأليف، ومجتمعها الحاضن بما فيه من حماة وأصدقاء ومتعاطفين وحساد وخصوم وعذال ووشاة.
تستقي هذه التجمعات بعضاً من مظاهرها ومفاهيمها وجرأتها من عالم المرأة ووسائل الاتصالات كالانترنت، فالتسمية الشهيرة «جيات» تنطبق عليهم, وهم يستعملونها أيضاً (جمع جي _GUY _باللغة الانكليزية) بالإضافة إلى الكلمة العامية الشائعة وهي الطنطات (جمع طنط) في حين يستخدمون فيما بينهم، مصطلحاً خاصاً: بتاري (جمع بترى) وكلها تؤدي للمعنى ذاته، لكنها لا تقتصر على الشاب المتّشبه بالنساء، عاشق الشبان والرجال، أي الانجذاب الجنسي الذي يحس به شخص نحو أشخاص من جنسه. وإنما تتعداها إلى أنواع أخرى أيضاً، تمثل أصدق تمثيل مجتمعات المثليين التي تضم اللوطيين والمأبونين والسحاقيات الإيجابيات والسلبيات، والمسترجلات، والمثليين الطارئين تحت تأثير الظروف العابرة، والمحبين حباً خالياً من العنصر الجنسي.

أغنياء وفقراء:

عادة ما يتحصن «البتاري» بـ«قضايا» [مستقاة من كلمة قاضي] أقوياء لحمايتهم من أعمال العنف وتساندهم في خلافاتها مع الآخرين. «القضايا» غالباً، من الرجال الفاعلين ممن يستهويهم مصاحبة الشبان وبسط سيطرتهم عليهم. وهم طبقتان، طبقة من المجتمع العادي، عادة ما يكونون من المجتمعات المغلقة المقيمة على أطراف مدينة دمشق، من أصحاب السوابق والمشبوهين وخريجي السجون والإصلاحيات، وطبقة أخرى من الأغنياء ذوي الأعمال والدخول الجيدة. وهذا ينسحب أيضاً على «البتاري» إذ فيهم أبناء أسر مرموقة وفيهم الفقراء والمعدمون، تجمع بينهم الأمزجة والأهواء وشذوذ الطبيعة والطبائع. وهذا ما يُعرِّض أبناء الأسر الغنية للابتزاز نظير عدم كشف أمرهم، أما الفقراء فهم يشكلون ساحة الارتزاق الرئيسة من الجنس الشاذ، تستمد شرعيتها من حالة الفقر المدقع التي تدفع الصبيان والأولاد والشبان إلى عرض أجسادهم لقاء 50 ليرة أو 75 ليرة فقط (حوالي دولار ونصف). وأحياناً كثيرة، هناك من يرضى بخمس وعشرين ليرة و«سندويش» فلافل أو شاورما. ما هو سبب الأجرة المتدنية، هل يمارس ضد الفقراء تمييزاً حتى في المهن الخطرة؟! الجواب بسيط: هؤلاء الشبان أو الأولاد، يتمتعون أيضاً وهذا يعد قسطاً من أجرهم. إذا كان الجواب مجحفاً بهم، فلأن حقوق الفقراء مهضومة، حتى الجنس لا يستثنيهم من عدم المساواة.
وما دمنا في السوق، فسوف نلاحظ أن للمتعة أنواعاً وللممارسات أسعار، من إثارة الأعضاء التناسلية إلى الإشباع الجنسي. فإذا توقفنا عند الجماع وهو النشاط الرئيسي، نجد أن الجماع من الخلف يسمى (كجح)، والجماع الفموي يدعى ٍ«السوسيت» والمُجامع من الخلف والأمام يطلق عليه (دوبل فاس). أما الأجر فيدفعه الزبون طالب الحاجة وصاحب المال سواء كان فاعلاً أم مفعولاً به. وتختلف الأسعار صعوداً وهبوطاً حسب الحالة المادية ومستوى المتعة المطلوبة التي يحصل عليها طالبها.

شيفرة لغوية:

يتواصل «البتاري» وفق لغة خاصة بهم، تعتمد مصطلحات متعارفاً عليها، يتعرفون من خلالها إلى بعضهم بعضاً. أما لغة الحوار الجارية بينهم، الخاصة بأفرادهم، فتدعى لغة «السيسونات». وهي كافية للاتفاق على الأسعار ونوع الرغبات المطلوب تلبيتها وأماكن اللقاء، وبعض الكلمات العملية التي تفي بأغراضهم الرغبية، وهي كثيرة وواسعة بحيث أن الجالس معهم، والمنصت إليهم، لن يفهم شيئاً ذا معنى واضح مما يقولونه. كما يتعرفون إلى زبائنهم بوساطة «بترى/ أمايّة»، وهو أشبه بالمعلم، خبير في السوق وكفوء بأصول التعامل مع الزبائن و«البتاري» معاً. (البترى/ الأماية)، عادة ما يكون بترى سابق، كبير في السن وتقاعد، ترتبط به مجموعة من «البتارى الصغار» و«الأنفونات» ممن يكتشفهم. و«الأنفون»، مصطلح مأخوذ من كلمة «infant» وهو الصبي الداخل حديثاً إلى المهنة وبلغتهم الفتى النظيف، غير الموطوء، بمعنى البكر، وسعره أعلى من «البتري» المجرب، الذي هو «أنفون» في مرحلة متقدمة من العمر والخبرة. يحظى «الأنفون» بالرواج، فهو مرغوب من السياح الأثرياء الذين يؤمون دمشق صيفاً، مع أن بعض السياح كالخليجيين يفضلون «البتاري» «الدوبل فاس». ولا عجب في أن يكون «الأماية» رجلاً متزوجاً لديه أولاد، ومن غير المستبعد أن يصبح ذات يوم أحد أبنائه «أنفوناً». تدير «االأماية» شبكتها في الحدائق العامة الواقعة بالقرب من الشوارع التي تتجمع فيها «البتاري» و«القضايا» وتلك الأماكن صار متعارفاً عليها بينهم. ومع بدء المساء في الثامنة والنصف يبدأ ذلك المجتمع بالتحرك حتى منتصف الليل حيث يعثر كل على ضالته الشاردة.

حب أعمى

لا تختلف مشاكل المجتمع السري للبتاري كثيراً عن خلافات المجتمع النسائي السوي، بل تكاد تكون نسخة مَرَضية عنه، وبطبيعة الحال له خصوصيته النوعية. فمنهم مثل النساء العاشقات تماماً يطغى عليهم الحب الأعمى والغيرة العمياء، فإذا علق واحد منهم، بواحد من «القضايا» أحبّه حباً جامحاً يجعله على استعداد للموت من أجله وفعل المستحيل لنيل رضاه. وهناك من يهوى «البتاري» دون ممارسة الجنس، وتقتصر علاقته معهم على «النوم بالأحضان» أي يكتفي بالعلاقة السطحية، ويطلق عليه الصديق الـ«الكذابي»، وهو معروف بـ«الستريت» (مأخوذة من Straight الشخص المستقيم غير المنحرف) ومن الواضح أنها تطلق عليه للسخرية، لأنهم يعتبرونه شخصاً غير موثوق به، يحقدون عليه ولا يأمنون جانبه، إذ يعتقدون أنه في حقيقته شخص لا تروقه علاقاتهم الشاذة. عموماً، الأشخاص «الستريت» قلة، وهم دائماً موضع استغلال «البتاري» و«الستريت» لا يخالطهم إلا مضطراً، عند وقوعه في هوى «بترى»، والذي غالباً ما يستغله للإنفاق عليه لقاء السماح له بالنوم في أحضانه. ومهما أبدى «الستريت» من حب وتفان يظل محط الشكوك وموضع الثرثرة والنميمة، إذ يصعب على «البتاري» الآخرين تفسير ظهور «الستريت» إلا كواحد من العذال. مثله مثل ما يدعى بـ«العقربة»، إذ إن «البترى» قد يحب امرأة بصدق شديد، شرط ألا تشكل له مانعاً أو منافساً على الرجل الذي يستهويه، وإذا حاولت أن تلعب دوراً غرامياً، تصبح عدوة أي «عقربة»، لكن إذا التزمت بالصداقة أخلص لها ونالت ثقته.

أعراف وقوانين؟

لا تمنع حياة «البتاري» المضطربة من إقامة علاقات صداقة حقيقية بين بعضهم بعضاً على الرغم من ميولهم المتضادة جنسياً، علاقات هي أفضل وأعمق من تلك العلاقات التي تقام بين الأطراف المتفاهمين جنسياً أو حتى الأسوياء. ببساطة، الشاب الشاذ يمنح الأمان لصديقته الأنثى، فهو يوفر لها الصداقة بمعناها الحقيقي ويعطيها الحرية الكاملة لإنضاج مشاعرها، وإذا ما راودها أو راودته جنسياً، يكون شيئاً لطيفاً دون خشية من أية عواقب يمكن أن تؤثر على استمرار علاقة الصداقة، وحتى عندما يقرر أحدهم الذهاب مع شخص آخر فذلك لا يثير غيرتهما، كون أحدهما يمارس الجنس مع الصديق إرضاءً لرغبة الآخر لا رغبته هو. فهو لا يستمتع مع المرأة، ولا تتحقق رغباته الحقيقية إلا مع شريكه الأصلي فقط.
هذا وقد تحتد المنافسة وتشتعل نيران الغيرة عندما يحاول أحدهم إغواء صديق الآخر، فيلجأ «البترى» المظلوم إلى «القضايا» الذين يستدعون المدعى عليه ويحققون معهم في جلسة أشبه بمحاكمة، وإذا ثبت أنه استولى على صديق صديقه، أو وقع في هوى فتاة هوى ومارس معها جنساً طبيعياً، أو وشى بأسرارهم لأحد، ينزل به العقاب الذي يراوح بين النبذ والطرد وقد يصل إلى عقوبات جسدية كإكراه المذنب على الجلوس على قنينةّ ويبدو أن مهمة الرجال «القضايا» شاملة، فبالإضافة لمقاضاة المذنبين توفر الحماية لمن هو بحاجة إليها، وتسميتهم هذه مستقاة من كلمة قاضي، مما يخولهم القول الفصل في نزاعات مجتمع «البتاري»، الذي رغم شذوذه وإباحيته، تحكمه قيم وأعراف، تضرب من حوله نطاقاً من السرية، يتولى أفراد منه محاسبة أعضائه على المخالفات الصغيرة والجنح وربما الأعمال الجرمية المرتكبة خشية تسربها إلى خارجه، لئلا تدفع المجتمع العادي إلى التدخل في شؤونه. فقد تحدث جرائم خطف واغتصاب مما لا يتوقعه الإنسان السوي، أليس شواذاً، إذاً ما الضير في اغتصاب لابدّ أنه يروق لهم إن لم يكن مأربهم؟!

لسنا في ألمانيا؟!
لكن عندما نعلم أن بعضهم يمارسون القوة والتهديد في انتزاع شريك أو حبيب، أو أن سائقي التاكسي في آخر الليل، يقصدون تلك الشوارع ليلتقطوا منه ضالتهم، ويباشروهم كرهاً بسبب أن «البتاري» أشخاص مسالمون جداً، بل وجبناء لا يجرؤون على الدفاع عن أنفسهم، كما لا يستطيعون اللجوء إلى الشرطة، إنهم بشر لا يشملهم القانون بحمايته، عندما نعلم بكل ذلك ندرك أنهم كائنات ضعيفة وهشة، لا يطلبون من الحياة سوى منافذ لشذوذهم في مجتمع يعاملهم باحتقار، ويدفعون الثمن اغتصابات وانتهاكات وإهانات وابتزاز.
بالنسبة إلى البعض، قد يبدو وكأننا نتكلم عن مدن أخرى تقع على الساحل المقابل من البحر الأبيض المتوسط، أو عن مدن بعيدة جداً ربما في ألمانيا أو أميركا. لكننا لن نبتعد كثيراً إذا بحثنا عن بغيتنا في الانترنت، وسوف نعثر على مواقع لهم، نفاجأ ثانية بأسماء أماكن ومحلات وبارات ومطاعم شهيرة في دمشق تدل على أماكن تجمعاتهم، هذا الذي كنا نظنه يحدث في أصقاع أخرى لبشر لهم مفاهيمهم المختلفة وأساليبهم في التحلل، ها هو يجري بيننا وعلى مقربة منّا، ليس كما في تلك الأيام الذهبية، أيام زوزو، الذي كان يبدو للكثيرين طريفاً ومحبباً، ويمنح نكهة من المجون المستساغ لتزمت مدينة تعطي لشواذها هامشاً مرحاً في خليط من التندر والتبذل.
ومع ذلك علينا ألا نبالغ في مخاوفنا، كي لا نبالغ في ردات فعلنا، فمن لا يعرف أن علة أصحاب الجنسية المثلية ترجع إلى تكوينهم البدني، وأن اتجاهاتهم الشاذة ما هي إلا ميول طبيعية في حقيقتها، لكنها لا تتفق مع أخلاق المجتمع؟ عدا عن مأساتهم الشخصية عندما تعيش امرأة في جسد رجل أو بالعكس، وقد تكون ناجمة عن أخطاء في التربية، أو الصدمات الجنسية والخبرات الخاطئة التي تصادف المرء في طفولته أو مقتبل حياته.
وربما، من الجدير بالذكر معرفة أن أكثر ما يتميز به مثليو الجنس هو الحس الفني الممتاز والقدرات الفنية البارزة والخلاقة، ولذلك يميل بعضهم للاشتغال بالفن والأدب، وقد يكون بعض من الذين نستمع بشغف إلى موسيقاهم أو نقتبس آراءهم ونلاحق أعمالهم الأدبية، من الذين عانوا هذا التناقض المؤلم بين رجولتهم الظاهرة وأنوثتهم الباطنة. والقائمة تطول وأعدادهم أكثر من أن تحصى. لن نعدد حتى القليل من أسمائهم كي لا نشكل للقراء الأنوفين صدمة خليقة بمراجعة معارفهم وأذواقهم ومتعهم المعنوية الأكثر رفعة.
    في القرون الوسطى، كانت الانحرافات الجنسية تصدم العقل والدين والأخلاق، بوصفها جرائم شنيعة، وكانت عقوبة اللواط والعلاقات البهيمية هي المحرقة، أما الأوضاع غير المشروعة فحكمها الموت. اليوم ونحن في الألفية الثالثة، قد يفكر بعض الناس بعقوبات على هذه الشاكلة، ولا غرابة في هذا لأنهم لم يغادروا بعد العصور المظلمة. أما المستهجن فعلاً فهو تعريض هؤلاء البشر للإحتقار والإهانة والنبذ من المجتمع. إن دفعهم إلى تشكيل مجتمعات خاصة بهم، يعني دفعهم إلى تكوين مستنقعات لن تكون سوى بؤر صالحة للانحراف والجريمة والمخدرات والأمراض المميتة، وربما الأصح أن يعي المجتمع مشكلاته وأن يعمل على ألا يحرم بعض أفراده من التكيف داخل المجتمع، وإنما بالعكس أن يعمل على دمجهم. ولنتذكر دائماً، بأن الفضيلة تتوخى مواجهة الحقيقة، لا الهروب منها وطمسها.


الجمل