آخر المواضيع المتعلقة

سوري

عقائد

خاص الجمل

الديانة المسيحية

روما

اللاذقية

العراق

أرشيف البلدان
أرشيف الأيام
الأجندة

الكنائس المسيحية وتاريخها في سورية ( 3 -8 )

الجمل - خاص :

القرن الخامس – قرن الانشقاقات:

تراجيدية القرن الخامس:
على الرغم من كثرة وأهمية البدع التي طرأت في القرن الرابع، استطاع المجمعان المسكونيان الأولين التغلب عليها، وما لبثت أن اضمحلت وتلاشت خلال القرون التالية فلم نعد نعثر لها من أثر إلا في كتب التاريخ والكتب اللاهوتية، اللهم سوى جزء يسير من عقائدها التي تغلغلت إلى بعض الكنائس والأديان اللاحقة، وبقيت الكنائس الأربعة مشتركة فيما بينها ومتحدة بالإيمان. أما القرن الخامس فقد ترك لنا من الانشقاقات الخطيرة ما لا نزال نشعر بأثره حتى اليوم، وأدى إلى انفصال الكراسي الأسقفية الأربعة عن بعضها ضمن ثلاث مجموعات، وقطع الشراكة بينها، وتفرع بعضها إلى فروع وكنائس لا نزال نجدها في يومنا هذا ولكل منها مئات الآلاف من المؤمنين.

نسطور والنسطورية:
كان من نتائج بدعة آريوس في القرن الرابع والتي بشر بها ابتداءً في مصر وأنكر من خلالها ألوهية المسيح، أن جعلت أساتذة مدرسة الإسكندرية يشددون في تعاليمهم على الجانب الإلهي ويبتعدون قدر الإمكان عن استعمال تعابير تظهر الجانب الإنساني من المسيح، كذلك فإن بدعة أبوليناريوس التي ابتدأت في اللاذقية وانتشرت أولا في سوريا، والتي كانت أصلاً رداً على الآريوسية فحاولت إلغاء إنسانية المسيح، أدّت إلى تشديد أساتذة مدرسة إنطاكية على إنسانيته، وهكذا فإن أساتذة المدرستين علّموا تعليماً مستقيماً حسب مجمعي نيقية والقسطنطينية ولكن بمناهج مختلفة وبانتقاء عبارات معينة، فالمصريون توخوا العبارات التي أوضحت كمال اللاهوت حذراً من بدعة آريوس (الإسكندراني) والإنطاكيون طلبوا إيضاح كمال الناسوت حذراً من بدعة أبوليناريوس (اللاذقاني الإنطاكي)، فلا جدال إذن بينهم في موضوع الاعتراف بوجود اللاهوت والناسوت في المسيح ولكن الجدال كان مركًزاً في طريقة الاتحاد بينهما، فأدّى انتقاء عبارات معينة قضت باستعمالها ظروف الخصوصية لتوضيح هذا الاتحاد إلى اختلافات أساسية في فهم وتفسير طبيعة المسيح.
قبل نسطور أتى ديودورس الطرسوسي وثيودوروس المصيصي فعلما في سوريا وشدّدا على الإنسانية الكاملة للمسيح، ثم أتى نسطور المولود في قيصرية شمال سوريا (مرعش أو كهرمان مراس في تركيا حالياً) وتتلمذ في إنطاكية ورسم قسيساً في كاتدرائيتها وتشرب تعاليم مدرستها وخصوصاً أفكار ثيودوروس المصيصي، ثم تبوأ كرسي أسقفية القسطنطينية في عام 428م، ومن القسطنطينية بدأ سجالاته الكريستولوجية (المتعلقة بالمسيح) فما لبث بأن اصطدم بكيرلس أسقف الإسكندرية وتعاليمه، فبدأت حرب شعواء بينهما لم يلبث أن انضمّ إليها كيليستينوس أسقف روما مؤيداً لكيرلس ويوحنا أسقف إنطاكية قريباً بآرائه من نسطور.
ليس من السهل شرح عقيدة نسطور، فالتعابير المستعملة في جدل تلك الفترة وخصوصاً باليونانية تحتمل أكثر من تفسير كما أنها معقدة وغير واضحة بالنسبة لغير اللاهوتيين، ولكن يمكننا القول باختصار أن نسطور اعتبر أن في المسيح طبيعتين وأقنومين (أو شخصين)، طبيعة إلهية وطبيعة بشرية، منفصلتين تماماً عن بعضهما، أي أنه أكّد على الثنائية (الديوفيزيقية) بشكل شديد، فقاوم قول الإسكندرية باتحاد الطبيعتين اتحاداً طبيعياً وجوهرياً وأصر على أن للمسيح أقنومين وطبيعتين حتى بعد الاتحاد، ونهى عن تسمية مريم العذراء "والدة الإله" (ثيوتوكس) حيث أنها ولدت إنساناً محضاً يسوع المسيح الذي حلت به الكلمة، وحيث أن الله لم يولد فلا يجوز القول بأن الله قد تألم ومات.
عارض كيرلس وأتباعه آراء نسطور واعتبروا بأنها تجعل الأقنوم أقنومين، واحد بشري والثاني إلهي، فتقسم المسيح مسيحين أحدهما ابن الله والآخر ابن الإنسان(1)

المجمع المسكوني الثالث – مجمع إفسس الأول (431م):
أدت الجدالات والمنازعات إلى الطلب من الإمبراطور ثيودوسيوس الثاني بالدعوة إلى عقد مجمع مسكوني للنظر في آراء الطرفين وحلّ الإشكال الذي يهدد بانقسام الكنيسة، فكان مجمع إفسس الذي حضره كيرلس أسقف الإسكندرية والمعارض الأهم لنسطور بينما تأخر يوحنا أسقف إنطاكية عن الوصول وكان من المتعاطفين مع نسطور، فافتتح كيرلس المجمع ودعي نسطور وأساقفته للحضور ثلاث مرات فرفضوا، فما كان من المجمع إلا أن ناقش الموضوع وأقرّ ببطلان تعاليم نسطور وحرمه، فغضب يوحنا الإنطاكي عند وصوله وعارض قرارات المجمع.(2)

نتائج مجمع إفسس:
عاد المجتمعون في إفسس إلى ديارهم وتم خلع نسطور من كرسي القسطنطينية ونفيه إلى دير في إنطاكية، ولكن الأمور لم تحلّ بين الإسكندريين وروما من جهة والإنطاكيين من جهة أخرى إلا بعد فترة، وبتدخل من قبل الإمبراطور وأساقفة آخرين، فكانت المصالحة أخيراً فاعترف يوحنا وباقي الإنطاكيين بمجمع إفسس وقبلوا الحكم على نسطور، فتم نفيه لاحقاً إلى البتراء ثم إلى إحدى الواحات في صحارى غرب مصر حيث مات في عام 440م، وعاد السلام إلى الكنيسة ولكنه سلام مشوب بانفصال كنيسة المشرق ومؤقت عكّرته التطورات اللاحقة.

كنيسة المشرق (كنيسة ما بين النهرين):
يعتبر أغلب الباحثون أن الانشقاق الأول الجدّي في الكنيسة هو الذي حدث نتيجة مجمع خلقيدونية عام 451م ولا يزال تأثيره موجوداً حتى اليوم، ويتناسون انشقاقاً هاماً حدث قبله في بلاد ما بين النهرين كنتيجة غير مباشرة لمجمع إفسس الأول، وأدّى إلى وجود كنيسة هامة مستقلة لا تزال فروعها موجودة في العراق (وسورية) والشرق، ولعلل سبب ذلك النسيان يعود إلى الطريقة التقليدية التي تمت بها رؤية تاريخ الكنيسة الباكر على أنه يتألف بشكل أساسي من تاريخ الكنيسة ضمن الإمبراطورية الرومانية.
إن نظرة متمعنة في تاريخ كنيسة الشرق قبل الانشقاق تجعلنا نلاحظ النقاط التالية:
- دخلت المسيحية إلى بلاد الرافدين أولاً بتنصر الجاليات اليهودية الموجودة فيها منذ السبي البابلي وكذلك بتنصر بعض الزردشتيين.
- جاء عدد كبير آخر من المسيحيين من المناطق الرومانية نتيجة سبيهم من قبل الفرس أثناء الحروب الفارسية الرومانية.
- وجود كنائس مزدوجة في منطقة الرافدين بعضها لأهل البلاد الأصليين والأخر للسبي المسيحي وكل منها يتحدث بلغته.
- كانت جميع تلك الكنائس تتبع إدارياً أسقفية إنطاكية(3).
- أدت الحرب المستمرة بين الفرس والرومان (ثم البيزنطيين) إلى صعوبة الاتصال بين تلك الكنائس وكنائس إنطاكية.
- كذلك أدت تلك الحرب وخصوصاً بعد اتخاذ الإمبراطورية الرومانية للدين المسيحي كدين رسمي لها، إلى اعتبار المسيحيين من وجهة نظر الحكومة الفارسية عملاء للرومان شركائهم في الدين، فتعرضوا نتيجة هذا الاعتقاد لاضطهادات عنيفة.
- لم تنقطع الاتصالات بين كنائس الرافدين وكنائس إنطاكية انقطاعاً دائماً، حيث كانت تتواصل أثناء فترات السلام بين الإمبراطوريتين وخصوصاً من خلال السفارات المتبادلة بين الحكومتين، كذلك لعبت المدرسة الفارسية في الرها، المدينة الحدودية التي كانت تتبدل تبعيتها باستمرار بين الإمبراطوريتين، إلى نقل الأفكار والعقائد بين طرفي الكنيسة بشكل كبير(انتقلت هذه المدرسة لاحقاً إلى مدينة نصيبين).
عقدت كنائس بلاد الرافدين والواقعة تحت الحكم الفارسي أول مجمع مكاني لها في عام 410م وجاءت الدعوة لهذا المجمع من قبل الشاه يزدجرد الأول ببادرة من السفير الروماني لمحادثات السلام بين الإمبراطوريتين، والذي أتى برسالة من أساقفة إنطاكية يطلبون فيها من أخوتهم تنفيذ ثلاث إصلاحات:
1- أن يكون على كل مطرانية أسقف واحد، أي التخلي عن الرئاسة المزدوجة في بعض المدن.
2- أن يكون هنالك توافق في الأمور التقويمية وخصوصاً حول تاريخ عيد الفصح.
3- القبول بعقيدة وقوانين مجمعي نيقية (325م) والقسطنطينية (381م).
  وافق المجمع على النقاط الثلاث واعتبرت كنائس ما بين النهرين مشتركة مع كنائس إنطاكية والإسكندرية وروما والقسطنطينية في الإيمان، ولكن تعاليم ديودوروس الطرسوسي وثيودوروس المصيصي ولاحقاً تعاليم نسطور (الديوفيزيقية) التي تغلغلت في عقائد قسم كبير من كنائس ما بين النهرين، جعلت هذه الكنائس ترفض رفضاً باتاً مجمع إفسس الأول عام 431م، وتتعاطف مع موقف يوحنا الإنطاكي لدرجة أنه عندما عاد يوحنا وقبل بمجمع إفسس استمرت تلك الكنائس برفضه وأعلنت انفصالها عن كرسي إنطاكية، مما أدى إلى بداية وجود فرعين للكنيسة في المشرق واحدة ديوفيزيقية متشددة (أطلق عليها أعدائها لاحقاً اسم نسطورية) ورئاستها في سلوقية – طيسفون (ساليق) وهي تعترف بمجمعين مسكونيين فقط وانسلخت نهائياً عن إنطاكية عام 498م، وأخرى إفسسية تتبع إدارياً وعقائدياً كرسي إنطاكية وتعاليم إفسس الأول.(4)

ملاحظة توضيحية:
إن تعابير انشقاق وانفصال وتفرع وغيرها التي استعملناها وسنستعملها، لا تعني خروج جزء عن الأصل ولا يجب أن نتخيلها وكأن الأصل خط مستقيم والباقي يخرجون عنه بخطوط أخرى، أو كأن الأصل جزع الشجرة والباقي فروع منها، وذلك لأن كافة الكنائس التي انفصلت عن بعضها تعتبر نفسها الأصل (أرثوذكسية) والباقي منشقين وحائدين عن الطريق القويم، لذلك فإننا وان استعملنا هذه التعابير نرغب بالتأكيد على أننا نعني التفرع المزدوج عن الأصل الواحد


الكنائس بعد مجمع إفسس الأول:
1- كنيسة إنطاكية: إفسسية
2- كنيسة روما: إفسسية
3- كنيسة الإسكندرية: إفسسية
4- كنيسة القسطنطينية: إفسسية
5- كنيسة المشرق: ديوفيزيقية

الأوضاع بعد مجمع إفسس الأول:
تم حرمان نسطور ونفيه ولكن تعاليم أستاذي المدرسة الإنطاكية ديودوروس الطرسوسي وثيودوروس المصيصي لم تتم مناقشتها ولم تمنع، وكان لها الكثير من المتحمسين وعلى رأسهم تيودوريطس المؤرخ المشهور أسقف قورش، ولم يمنع اتفاق يوحنا وكيرلس الانقسام الذي كان يتأجج في نفوس الأساقفة والشعب، وتوفي يوحنا أسقف إنطاكية عام  442م وخلفه ابن اخته دومنوس، كما توفي كيرلس أسقف الإسكندرية عام 444م وخلفه تلميذه ديوسقوروس، ثم بروكلوس أسقف القسطنطينية عام 446م فخلفه فلافيوس الإنطاكي المبدأ وغير الراضي على إفسس الأول.

أوطاخي (المونوفيزيقية):
كان أوطاخي رئيس أحد الأديرة قرب القسطنطينية، وكان قد قاوم نسطور وأساقفته وشكاه إلى مجمع إفسس الأول، لذلك كان أصدقاء الأسقف كيرلس يعتبرونه من المحامين عن الإيمان، ولكن أوطاخي وفي حمية معاداته للديوفيزيقية قال بطبيعة واحدة إلهية في المسيح استحالت إليها الطبيعة البشرية فاختلطتا وامتزجتا حتى تبلبلت خواصهما وبذلك أسس البدعة المونوفيزيقية، وابتعد عن عقيدة كيرلس وأفسس الأول.
كان أوطاخي ذو نفوذ كبير لدى الإمبراطور ثيودوسيوس الثاني وحاشيته، مما مكّنه عندما ازدادت ضغوط معارضيه وخاصة أصحاب مدرسة إنطاكية، من حضّ الإمبراطور على الدعوة إلى مجمع مسكوني جديد، فكان مجمع إفسس الثاني الذي يدور حوله الكثير من الجدل(5)

مجمع إفسس الثاني (449م):
يدور حول هذا المجمع الكثير من الجدل، فتعده أحياناً بعض الكنائس المجمع المسكوني الرابع وآخر المجامع المسكونية التي تقبل بها، وإن كانت تعترف بأن أوطاخي قد دلّس به وخدع آباء المجمع الذين أقرّوا بأرثوذكسيته، وهذه الكنائس هي التي رفضت لاحقاً مجمع خلقيدونية وإن كان آباؤها قد قاموا في ذلك المجمع (خلقيدونية) بالحكم بهرطقة أوطاخي وحرموه، أما الكنائس التي اعترفت بخلقيدونية فتطلق على مجمع إفسس الثاني "مجمع اللصوص" وترفض كامل نتائجه وتعدّ مجمع خلقيدونية المجمع المسكوني الرابع.
إن الذي يبدو حقيقة أن أوطاخي وزمرته، وبقوة الإمبراطور، استطاعوا أن يسيطروا تماماً على مجمع إفسس الثاني، كما استطاع أوطاخي أن يقنع رئيس المجمع أسقف الإسكندرية ديوسقوروس خليفة كيرلس والمتشبع بآرائه بأنه أرثوذكسي قويم على مذهب نيقية والقسطنطينية وإفسس الأول، كما أنه استطاع أن يمنع المجمع من قراءة رسالة أسقف روما لاون التي تدحض آرائه والتي اشتهرت في التاريخ باسم "طومس لاون"، كذلك قام أعوانه بأعمال شغب واضح بمساعدة جند الإمبراطور.
كانت نتيجة المجمع أن تمت تبرئة أوطاخي بينما حرم وعزل كل من أسقف القسطنطينية فلافيوس وأسقف إنطاكية دومنوس وتيودوريطس القورشي وغيرهم ممن اتهموا بالنسطرة، وتتفق المصادر بأن المجمع لم يأت بجديد من ناحية الإيمان. (6)

تطورات الموقف بعد إفسس الثاني:
لم يرض لاون أسقف روما عن نتائج مجمع إفسس الثاني وغضب لأن طومسه قد أهمل، فأخذ يسعى لعقد مجمع مسكوني جديد، ولكن الإمبراطور ثيودوسيوس أصمّ أذنيه عنه وأيّد قرارات إفسس، ثم توفي الإمبراطور في عام 450م واستلمت أخته الراهبة بولخيريا السلطة ثم تزوجت من قائد الجيش مرقيان شرط أن تبقى عذراء فتوّج مرقيان إمبراطوراً جديداً.
لم يكن مرقيان من أصدقاء أوطاخي فقام فوراً بإبعاده ثم نفيه حيث مات، وأعاد المنفيين بعد إفسس، ووجه الدعوة إلى عقد مجمع مسكوني جديد كان لتيودوريطس القورشي فضل كبير في تنظيمه، فكان مجمع خلقيدونية الشهير.

مجمع خلقيدونية (451م):
إذا كان مجمع إفسس الثاني مختلفاً فيه بين الكنائس فمن الطبيعي أن نجد خلافاً أكبر حول مجمع خلقيدونية الذي عقد أصلاً بهدف محاكمة مجمع إفسس الثاني وإقرار بطلانه، وهنا نرى تبادل الأدوار فإن الإمبراطور مرقيان متحزّب للتعاليم الإنطاكية وصديق لأسقف روما لاون الذي زارته زوجته بولخيريا في روما وطلبت من أخيها الإمبراطور ثيودوسيوس الثاني في زمانه عقد مجمع جديد بناءً على طلبه، أما أسقف الإسكندرية ديوسقوروس فهو هنا في قفص الاتهام من قبل من حكم عليهم في إفسس منذ عامين، وهكذا فإن بعض الكنائس قبلت بمجمع خلقيدونية واعتبرت قراراته وتعاليمه متطابقة مع المجامع الثلاث الأولى ومنتهى الأرثوذكسية بينما رفضته الكنائس الأخرى واعتبرته عودة إلى النسطورية وبدعة جديدة.
اتفقت المصادر تقريباً حول سير الأحداث في مجمع خلقيدونية، الذي حضره مكسيموس أسقف إنطاكية وأناتوليوس أسقف القسطنطينية والأسقفين باسكاسينوس ولوشنتيوس ممثلين عن أسقف روما لاون بالإضافة إلى أسقف الإسكندرية المتهم ديوسقوروس كما حضره عدد كبير من الأساقفة أهمهم تيودوريطس أسقف قورش المعاد من منفاه ويوبيناليوس أسقف أورشليم الذي كان يحاول أن يرفع عن رأسه سلطة إنطاكية ويستقل بأبرشيات فلسطين منذ مجمع أفسس الأول ولكن كيرلس اعترض سبيله.
من جهة أخرى نرى ممثلي الحكومة من قادة الجيش والمناطق حاضرين بقوة في المجمع ومتصدرين أماكن الجلوس مما يوحي بأن رئاسة المجمع كانت في يّد السلطة(6).
من الجدير بالملاحظة أن أسقفي القسطنطينية أناتوليس وإنطاكية مكسيموس كانا قد عيّنا عملياً من قبل مجمع أفسس الثاني فكان من المتوقع أن نراهما في هذا المجمع من أنصار الإسكندرية ولكنهما تزعّما مع تيودوريطس القورشي الهجوم على ديوسقوروس واتهامه بالأوطاخية.
وسارت أعمال المجمع كما هو متوقع ضمن جو شديد التوتر انتهى إلى إصدار مجموعة قرارات، أهمها:
- إلغاء مجمع أفسس الثاني واعتباره باطلاً.
- الحكم بالحرمان على ديوسقوروس وعزله من كرسيه ونفيه.
-  وضع صيغة متطورة للإيمان المسيحي.
- الاعتراف باستقلالية كرسي أورشليم عن إنطاكية واعتباره كرسياً رسولياً  مستقلا.
- المساواة في الكرامة والسلطة بين أسقفي روما والقسطنطينية بل تخويل القسطنطينية سلطة أوسع حسب بعض المصادر، الأمر الذي احتجّ عليه ممثلو أسقف روما.
أما صيغة الإيمان فتؤكد على الطبيعتين في المسيح بلا اختلاط ولا تغيير ولا انقسام ولا انفصال من غير أن تنفى فرق الطبائع بسبب الاتحاد.
أخيراً فإن المجمع أصّر على تيودوريطس القورشي بأن يحرم نسطور ليؤكد أرثوذكسيته ففعل.
من الجدير بالذكر أن مصادر الكنائس التي لم تقبل خلقيدونية تؤكد بأن أسقف الإسكندرية ديوسقورس قبل حرمه وعند مناقشة آراء أوطاخي أقرّ أمام المجمع بمعارضته لها وأعلن حرمانها وهرطقتها، وهذه المصادر جميعها تضع أوطاخي بين الهراطقة الذين ترفضهم كنائسها.(7)

آثار مجمع خلقيدونية:
لم يكن لأي مجمع من أثر على الكنيسة أكبر من آثار مجمع خلقيدونية الذي أدى إلى انقسام الكنائس وتعددها واختلافها، فأتباع المدرستين لم يتوصلوا إلى اتفاق فيما بينهما وإنما عمقوا خلافهم وعاد كل منهم إلى كنيسة منفصلة عن الأخرى، وأصبحت الكنائس منضمة تحت مجموعتين الأولى هي المجموعة التي قبلت بمجمع خلقيدونية والثانية هي التي رفضته أو مجموعتي الكنائس الخلقيدونية واللاخلقيدونية وكل منهما يدّعي الأرثوذكسية لنفسه، ولا يجب أن ننسى كنيسة المجموعة الثالثة الديوفيزيقية في ما بين النهرين.
وهكذا زاد عدد الكنائس ولم تعد جميعها تتبادل شركة الإيمان:
- أولاً نجد كنيسة أورشليم التي انفصلت عن إنطاكية واستقلت بنفسها وهي كنيسة خلقيدونية استلمت إدارة كنائس فلسطين، ولكن من بين أساقفة فلسطين من رفض مجمع خلقيدونية وتابع ارتباطه بإنطاكية.
- ثانياً نجد أن كنيسة إنطاكية قد تأرجحت رئاستها في الأعوام الأولى بعد المجمع بين أساقفة خلقيدونيين وآخرين لا خلقيدونيين كذلك تأرجح الأباطرة البيزنطيون بين مؤيد ومعارض للمجمع فنرى مثلاً أسقف إنطاكية بطرس الثاني القصّار (467 – 500م) الذي كان من اللاخلقيدونيين المتحمسين يخلع ويعاد إلى منصبه في كل مرّة يتغير فيها الإمبراطور ويتغير مذهبه، واستمر هذا الحال حتى عهد أسقف إنطاكية سويريوس الكبير (512 – 538م) اللاخلقيدوني حين دخلت الكنيسة حالة من الفوضى كثرت فيها سيامة الأساقفة زوجاً زوجاً خلقيدونيين ولاخلقيدونيين وذلك حتى عام 518م حين استولى جوستين الأول على عرش بيزنطة (518 – 527م) وكان خلقيدونياً متشدداً (وأتى كافة الأباطرة بعده خلقيدونيين)  فأقصى سويريوس عن منصبه، هو والكثير من الأساقفة اللاخلقيدونيين وعين بدلاً عنه بولس الثاني الخلقيدوني، أما سويريوس فقد فرّ إلى مصر وتابع رعاية شؤون كنيسته من المنفى، عندها أصبح لإنطاكية أسقفين أحدهما خلقيدونياً والآخر لاخلقيدوني ومن كل منهما تتابعت سلسلة أساقفة حتى يومنا هذا. تجدر الإشارة إلى أن كل طرف كان يظهر عداوته الشديدة للطرف الآخر ويضطهده عندما تكون السلطة إلى جانبه، وأطلق الخلقيدونيون اسم المونوفيزيقيين على اللاخلقيدونيين اتهاماً لهم ببدعة أوطاخي بينما أطلق اللاخلقيدونيون اسم الملكيين على الخلقيدونيين لأنهم يتبعون مذهب الملك.
- ثالثاً نجد أن ما حصل في إنطاكية تكرر تقريباً بشكل كامل في الإسكندرية حيث أصبح الكرسي كرسيان يجلس على أحدهما أسقف لاخلقيدوني وعلى الآخر أسقف خلقيدوني.(8)

منذر نزهة

خاص الجمل

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

1  تاريخ الكنيسة المسيحية – سميرنوف –  ترجمة مطران الروم الأرثوذكس ألكسندروس جحا – ص 252   /  المسيحية عبر تاريخها في الشرق – مجلس كنائس الشرق الأوسط – نشوء الكنائس المشرقية وتراثها (القرن الخامس – القرن الثامن) – الكنائس السريانية التراث – السريان – المطران سويريوس اسحق ساكا – ص 237  /  تاريخ الكنيسة القبطية – القس منسى يوحنا – ص 256  /  كنيسة مدينة الله إنطاكية العظمى – الدكتور أسد رستم – الجزء الأول – ص 307  /  تاريخ الفكر المسيحي –الدكتور القس حنا جرجس الخضري – الجزء الثاني – ص 150 /  الحوار السرياني – المداولة الأولى غير الرسمية حول الحوار ضمن التقليد السرياني – برو أورينتي – ص 63  /  السريان إيمان وحضارة –المطران سويريوس اسحق ساكا –  الجزء الأول – ص 50 /  تاريخ الكنيسة السريانية الشرقية –الأب ألبير أبونا – الجزء الأول – ص 60

2  تاريخ الكنيسة المسيحية – سميرنوف –  ترجمة مطران الروم الأرثوذكس ألكسندروس جحا – ص 256   /  كنيسة مدينة الله إنطاكية العظمى – الدكتور أسد رستم – الجزء الأول – ص 314  /  تاريخ الفكر المسيحي –الدكتور القس حنا جرجس الخضري – الجزء الثاني – ص 230 /  تاريخ الكنيسة القبطية – القس منسى يوحنا –ص 256 /  السريان إيمان وحضارة –المطران سويريوس اسحق ساكا –  الجزء الأول – ص 56  /  تاريخ الكنيسة السريانية الشرقية –الأب ألبير أبونا – الجزء الأول – ص 62
 3  تاريخ الكنيسة السريانية الشرقية –الأب ألبير أبونا– الجزء الأول – ص 28  /  بحوث تاريخية دينية أدبية – بطريرك السريان الأرثوذكس زكا الأول عيواص – الجزء الأول – ص 19

4  تاريخ الكنيسة السريانية الشرقية –الأب ألبير أبونا – الجزء الأول – ص 45   /  المسيحية عبر تاريخها في الشرق – مجلس كنائس الشرق الأوسط – نشوء الكنائس المشرقية وتراثها (القرن الخامس – القرن الثامن) – الكنائس السريانية التراث – الآشوريون (السريان المشرقيون) – المطران مار باواي سورو – ص 255  /  الحوار السرياني – المداولة الأولى غير الرسمية حول الحوار ضمن التقليد السرياني – برو أورينتي – كنيسة المشرق في الإمبراطورية الساسانية حتى القرن السادس وغيابها عن المجامع في الإمبراطورية الرومانية – سيباستيان بروك –  ص 126  /   بحوث تاريخية دينية أدبية – بطريرك السريان الأرثوذكس زكا الأول عيواص – الجزء الأول – ص 26
5تاريخ الكنيسة المسيحية – سميرنوف –  ترجمة مطران الروم الأرثوذكس ألكسندروس جحا – ص 262   /  المسيحية عبر تاريخها في الشرق – مجلس كنائس الشرق الأوسط – نشوء الكنائس المشرقية وتراثها (القرن الخامس – القرن الثامن) – الكنائس السريانية التراث – السريان – المطران سويريوس اسحق ساكا – ص 237  /  تاريخ الكنيسة القبطية – القس منسى يوحنا – ص 257  /  كنيسة مدينة الله إنطاكية العظمى – الدكتور أسد رستم – الجزء الأول – ص 328  /  تاريخ الفكر المسيحي – الدكتور القس حنا جرجس الخضري – الجزء الثالث – ص 187
6 تاريخ الكنيسة المسيحية – سميرنوف –  ترجمة مطران الروم الأرثوذكس ألكسندروس جحا – ص 264   /  المسيحية عبر تاريخها في الشرق – مجلس كنائس الشرق الأوسط – نشوء الكنائس المشرقية وتراثها (القرن الخامس – القرن الثامن) – الكنائس السريانية التراث – السريان – المطران سويريوس اسحق ساكا – ص 237  /  تاريخ الكنيسة القبطية – القس منسى يوحنا – ص 257  /  كنيسة مدينة الله إنطاكية العظمى – الدكتور أسد رستم – الجزء الأول – ص 331  /  تاريخ الفكر المسيحي –الدكتور القس حنا جرجس الخضري – الجزء الثالث – ص 211 
 7 كنيسة مدينة الله إنطاكية العظمى – الدكتور أسد رستم – الجزء الأول – ص340
 8 المسيحية عبر تاريخها في الشرق – مجلس كنائس الشرق الأوسط – نشوء الكنائس المشرقية وتراثها (القرن الخامس – القرن الثامن) – الكنائس السريانية التراث – السريان – المطران سويريوس اسحق ساكا – ص 237  /  كنيسة مدينة الله إنطاكية العظمى – الدكتور أسد رستم – الجزء الأول – ص 336  /    تاريخ الكنيسة القبطية – القس منسى يوحنا – ص 258  /  تاريخ الكنيسة المسيحية – سميرنوف –  ترجمة مطران الروم الأرثوذكس ألكسندروس جحا – ص 266  /  تاريخ الفكر المسيحي –الدكتور القس حنا جرجس الخضري – الجزء الثالث – ص 241    
9  كنيسة مدينة الله إنطاكية العظمى – الدكتور أسد رستم – الجزء الأول – ص 345  /  تاريخ الكنيسة المسيحية – سميرنوف –  ترجمة مطران الروم الأرثوذكس ألكسندروس جحا – ص 267  /  بحوث تاريخية دينية أدبية – بطريرك السريان الأرثوذكس زكا الأول عيواص – الجزء الأول – ص 28