نيشان اللامتجدد:عودة القطار على السكة نفسها

لا يستطيع عرّاب المقابلات والمجاملات ومبدع الأجواء المصطنعة والانفعالات المصطنعة السيد نيشان ديرهاروتيونيان مهما غاب أو آب، أن يكون شيئاً آخر مختلفاً أو على الأقل مفاجئاً، ذلك أن نيشان معجب بنفسه كمقدم إلى درجة تجعله يستنسخ نفسه من برنامج إلى آخر مهما تغير الإطار العام، وفي أحيان كثيرة يستنسخ ضيوفه كي يكونوا على تماس مع الصورة النمطية ذاتها.
وفي برنامجه الجديد (أبشر) على قناة (إم. بي. سي) يستعير نيشان كلمة شيوخ الخليج، حين يَعِدون بإجابة طلبات سائليهم ومتسوليهم، كي يجعل منها عنواناً لهذا البرنامج الفني، المصنوع على شاشة محطة خليجية طالما قالت للجميع: أبشر... وطالما غنت ورقصت على وقع البشرى بصناعة إعلام جماهيري وجذاب وقادر على الاستئثار بأكبر حصة إعلانات، لكنه خال من المضامين والرسائل الجدية!
طبعاً كلمة (أبشر) ليست حكراً على أولي الأمر، بل هي متداولة شعبياً في الخليج، وهي تقابل: (من عينيّ) المصرية، و(تكرم عينك) الشامية، و(تدلل) العراقية.. لكن البرنامج جعل منها عصا سحرية، كما في الشعار الذي صنع منه الفاصل، ولهذا بدت وكأنها كلمة تخرج من فم شخصية متنفذة تقدم الهبات والعطايا، وبعيداً عن هذا الإيحاء، فإن البرنامج كما نكتشف لاحقاً، يتيح للنجم الضيف أن يقول لمعجبيه أبشروا... وأن يحقق لهم بعض أمنياتهم المنشورة على الإنترنت أو في أي مكان آخر، لكن هذا المنحى قدم في سياق سطحي، كاد أن يحوّل الفنان إلى مونولوجست في ناد ليلي يستجيب لطلبات السكارى آخر الليل، فعلى سبيل المثال طلب من قصي خولي، ضيف حلقة هذا الأسبوع، أن يؤدي في دقيقتين أربع مقاطع من الشخصيات الدرامية الأربع التي قدمها في موسم رمضان هذا العام، فوقف قصي بمرونة الإنسان المحب والمتعاون كي يؤدي ما طلب منه، لكنه بدا مثل طالب في امتحان مسابقة معهد تمثيل، ثم طلب منه السيد نيشان، أن يضحكه ويبكيه ثم طلب منه أن يقلد شخصية مشهورة، وفي كل تلك الحالات كان قصي خولي بشوشاً، لطيف الحضور، لكن الحالة بدت أشبه بوضع المهرج في سيرك، الذي يقدم نمرة من هنا ونمرة من هناك كي يستعرض مواهبه فيمتع ويدهش.
والمشكلة برأيي ليست في تجاوب قصي خولي، بل في طريقة إعداد وإدارة حوار البرنامج، فما يطلب من مطرب أو مغن في حوار تلفزيوني، يبدو مضحكاً لو أردنا أن نطلبه من ممثل، الأغنية حالة فردية، لا تستلزم سوى مصاحبة فرقة موسيقية، وهذه غالباً ما تتوفر في استوديوهات برامج المقابلات الفنية، لكن إبداع الممثل مرتبط بمجموعة عمل وبممثلين ومخرج وديكور ولباس شخصية وحالة مشهدية متكاملة لا يمكن اجتزاؤها وإخراجها من سياقها... خصوصاً أن البرنامج يحاور فناناً معروفاً ولا يحتاج لأن يثبت مواهبه أمام جمهوره من جديد، وربما كان الحل اللائق والمحترم أن يتم انتقاء مشاهد (ماستر سين) من تلك الأعمال وعرضها كمقطع واحد يبرز التقمص والتنوع بجدية وعمق، بدل أن يقف قصي خولي ليؤدي مشاهد من شخصياته الدرامية بنفس الابتسامة التي تصاحبه وهو يؤدي شخصيات متباينة، لا يختلف فيها سوى الحوار الدرامي والأداء اللفظي!
البرنامج انطلق في الأساس من حدث تصوير قصي خولي لفيديو كليب مع نانسي عجرم... وهو أمر مناسب تماماً لطريقة نيشان في البحث عن الأحداث الكبيرة والعظيمة والمؤثرة، لكن لو أردنا أن نأخذ هذا في ميزان الانجاز الفني، والتاريخ الذي يمكن أن يصنعه الممثل لنفسه عبر سنوات من الجد والدأب، لقلنا ان قصي خولي قدم أدواراً أهم من ظهوره في فيديو كليب... وقد سبق لسلاف فواخرجي أن ظهرت في فيديو كليب مع كاظم الساهر، لكن هذا لم يضف لرصيدها الفني، ولم يؤثر في تقييمها كممثلة.
وأمام هذه الافتتاحية الصاعقة التي لم تضف لنا أي معلومة مهمة سوى أن قصي تقاضى مبلغ مائة ألف دولار لقاء ظهوره في الفيديو كليب، وأنا أعتقد أن هذا هو المكسب الوحيد لأن أي موديل وسيم ومتمرس على التعامل مع الكاميرا، يمكن بقليل من الإدارة الإخراجية أن يصور تلك اللقطات القصيرة والتعابير الخاطفة التي يتطلبها تمثيل أي كليب، حتى لو خرج شكسبير من قبره ليكتب له السيناريو.. أقول أمام هذه الافتتاحية الزاعقة بلا مبرر، والتي كان يمكن أن تكون خبراً وليس (حدثاً مبهرجاً) كما رأيناه، يمكن لنا أن نتخيل المسار اللاحق لبرنامج (أبشر طال عمرك)... حيث اتجه البرنامج لتحقيق أمنيات ضيفه، فأفسح له المجال الواسع كي يغني لأنه كان يتمنى أن يكون مطرباً... لكن المبالغة في المساحة حولت الأمر من تعبير مشروع عن أمنية، إلى تعد على فن الغناء، وأداء أغنيات لم يحفظ قصي كلماتها... ثم مضى البرنامج ليحقق أمنية قصي في العمل في هوليوود فأعد له (دي في دي) تعريفياً به، وأجرى له اتصالا مع منتج لبناني يعمل في هوليوود بشره بتحقيق أمنياته... ثم كانت الـ (أبشر) الأخيرة، في شراء دراجة نارية وإهدائها مع الخوذة لقصي، التي كانت والدته تمنعه من اقتنائها خوفاً عليه من السرعة، لكن البرنامج حقق له الأمنية، وأخذ له الموافقة من الست الوالدة، شرط أن يحقق لها قصي أمنيتها بأن يتزوج وترى أولاده!
لم تعن السيد نيشان جرأة مسلسل (تخت شرقي) التي كان يمكن أن تناقش مع أحد أبطاله، ولا تلك الرؤية التصالحية التي قدمها مسلسل (أهل الراية) لحرب السفر برلك، والتي بيضت فيها صفحة الأتراك على وقع تحسن العلاقات الراهنة، ولم يجد في مسلسل (أبواب الغيم) المفبرك من خيال وأشعار صاحب السمو وبأمواله، ما يستحق أن يناقش من وجهة نظر رأي آخر، ولم يجد في الطريقة التي دخل فيها قصي إلى (باب الحارة) أو حالة التردي الفني التي عانى منها المسلسل (التاريخي) كما أسماه، ما يمكن أن يثير حواراً حقيقياً ومفيداً، وجل ما طمح لنقاشه هو: هل هناك صداقة بين قصي وسامر المصري أم لا؟ وهل صحيح أن قصي يحول الاستوديوهات ومواقع التصوير التي يصور فيها إلى أماكن لنسج علاقات غرامية أم غير صحيح؟
إذا كانت صناعة برامج الترفيه والمنوعات تعني كل هذا الخواء والسطحية فأبشر يا سيد نيشان: (لقد دخلت التاريخ) وإذا كانت البرامج الجديدة هي ديكورات وأسماء جديدة، وبضعة أفكار تصنع إطاراً يملأ بالمعنى ذاته، ووعاء يملأ بالفكر العقيم ذاته، فيا الله يا نيشان كم أنت مجدد... وكم تبدو السكة التي يسير عليها قطار برامجك التي لا تنتهي... طويلة وعامرة بمحطات التوقف والوقوف!!برنامج (أبواب) الذي تقدمه قناة (أبو ظبي) من أفضل البرامج الثقافية التلفزيونية العربية على الإطلاق، فهو يقدم صيغة ثقافية في شكل فني يبدو على قدر كبير من الجاذبية والابتكار، معتمداً شكل المدينة الثقافية التي يتنقل فيها البرنامج بين المسرح والمكتبة والسينما والوثائق، مازجاً بين المتابعات الحية لجديد النشاطات الثقافية، وبين تقديم المعلومة التاريخية التي تروي قصة إنجاز أو حدث من الماضي.
وفي أدائه لهذه المهمات، يلزم البرنامج نفسه، بإيقاع مكثف وسريع بعيداً عن ثقل الظل الذي صار في ظل الكسل والتراخي سمة الكثير من المعالجات الثقافية في التلفزيون، ومهتماً في الآن نفسه بتحقيق صورة بصرية لا تخلو من ثراء... إما عن طريق الغرافيك أو التصوير الحي، أو اللقطات الأرشيفية.
يستحق القائمون على برنامج (أبواب) تحية شكر وتقدير، لأنهم استطاعوا أن يدخلوا المادة الثقافية في نسيج برنامج يستطيع أن يكون مشاهَدا ومتابعا، كما تستحق القناة أن تبدي حرصها الحقيقي على إبقاء أبواب الثقافة مشرعة على شاشتها.

محمد منصور

المصدر: القدس العربي

إرسال تعليق جديد

سيبقى محتوى هذا الحقل خاصا و لن ينشر للعموم.
  • لا يسمح بإشارات HTML
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.