2010-06-09 06:34
إسرائيل تنتهك قوانيـن البحار وتخشى دعاوى لبنانية وسورية

أثار نشر معلومات عن عمليات سرقة إسرائيل لموارد طبيعية لا تعود لها في المياه الدولية اهتماماً ملحوظاًخريطة مأخوذة عن موقع «المعهد الجيولوجي الأميركي»، وتُظهر الحوض المشرقي لحقول النفط والغاز في شرقي المتوسط المحدد داخل الإطار الأصفر في وسائل الإعلام الإسرائيلية التي اعتبرته مقدمة لصراع بأوجه جديدة مع كل من لبنان وسوريا.
وبدا تحت سطح الصمت الذي يلف هذه القضية في عرض البحر أن هناك جلبة دراسات أميركية عن كنز غازي ونفطي هائل يحوي 122 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي و1،7 مليار برميل نفط في حوض ساحلي ومائي «سوري» يمتد من لواء الاسكندرون حتى جنوب غزة. وتشير المعطيات إلى أن البنوك الدولية ترفض تمويل الامتيازات التي تمنحها إسرائيل للتنقيب عن النفط والغاز لإيمانها بأنها مخالفة للقانون الدولي.

والواقع أن معرفة إسرائيل بمقتضيات القانون الدولي بشأن التنقيب عن النفط والغاز في المياه الدولية لم يمنع قادتها من الإعلان عن أن الاكتشافات الجديدة هي «ملك لشعب إسرائيل» وفق وزير المالية يوفال شتاينتس. كما أن وزير البنى التحتية العنصري من حزب «إسرائيل بيتنا» عوزي لانداو لم يتردّد في الإعلان عن أن «معنى الاكتشافات الجديدة في حقول الغاز البحرية، تاريخي. فقد أزيل الغموض. وإسرائيل باتت قوة عظمى في مجال الغاز. وبوسع هذه الاكتشافات أن تجعل من إسرائيل لاعباً مركزياً في سوق الغاز الطبيعي العالمي».
ولكن ما لا يريد أحد من القادة الإسرائيليين ذكره هو أن أياً من المؤسسات المالية العالمية وكثيراً من المصارف الإسرائيلية ترفض تمويل عمليات التنقيب في البحر بموجب الامتيازات الإسرائيلية. وبحسب يجئال لفيف في موقع «أخبار الطاقة» الإسرائيلية فإن رفض المصارف تمويل عمليات التنقيب لا ينبع من القلق الأمني، فهذا القلق يزيد من نسبة المخاطرة وبالتالي تكلفة التمويل بواحد أو اثنين في المئة، وإنما لأنها تعرف أن احتياطيات النفط والغاز التي تعطي إسرائيل امتيازات بشأنها لا تعود لها. فليس للبنوك والشركات العالمية ما تخشاه عندما تنقّب في المياه الإقليمية لإسرائيل، لأنها تعرف أن مشروعها محميّ على الأقل بالقوة العسكرية الإسرائيلية وبالدعم الأميركي. وهذا ليس حال اكتشافات النفط والغاز الأخيرة.
ويشدّد لفيف على أن «كل اكتشافات الغاز تقع خارج المياه الإقليمية الإسرائيلية. فالقانون الدولي الذي تعترف به كل دول العالم يحدّد لكل دولة منطقة بحرية تصل حتى 12 ميلا بحريا أو 22 كيلومترا عن الشاطئ. وبوسع كل دولة أن تضيف مسافة مماثلة. وتسمح المعاهدة الدولية لقوانين البحار من العام 1982 الإعلان عن مسافة إضافية تصل إلى 200 ميل بحري كمنطقة اقتصادية خاصة. ولكن من أجل أن تنال الإذن بفعل ذلك عليها أن تعلن عن نيتها جهاراً، وأن تبلغ بذلك كل الدول المجاورة في البحر نفسه. ويمكن للدول أن تعترض على ذلك ويحسم الأمر في مؤسسات الأمم المتحدة. فكل المناطق الواقعة خلف ذلك ليست ملكاً لدولة. واي انتهاك للمعاهدة يسمح لكل دولة متضررة بالتقاضي أمام محاكم دولية، كالمحكمة الدولية في لاهاي التي لها الصلاحية في بحث المسألة».
وقد سعت الحكومة الإسرائيلية في جهدها للسيطرة على احتياطيات الغاز والنفط القريبة منها في البحر المتوسط إلى إعداد قانون المناطق البحرية. وحاولت الإعلان عن منطقة اقتصادية خاصة في البحر بحدود 200 ميل بحري. غير أن مكتب المحاماة التابع للوزير السابق موشيه شاحال، والذي يقدّم الاستشارة للحكومة والشركات بهذا الشأن، نصح بالتخلي عن الفكرة للأسباب الآتية: «في الوضع الجيوسياسي الحالي تعتبر كل محاولة للإعلان عن حدود دولة إسرائيل و/أو عن مناطق لدولة إسرائيل حقوق فيها من هذا النوع أو سواه، وبصرف النظر عن المكان، سيدفع بالضرورة لاعتراضات من جانب الدول المجاورة، وذلك على وجه الخصوص بسبب المصالح الاقتصادية الكامنة في المناطق موضع البحث».
وتضيف الاستشارة بأن «سن القانون سيثير أيضاً اعتراضات من دول «صديقة» لها مصالح اقتصادية في المنطقة، إذ أن «قواعد اللعبة» التي سرت عند إعطاء امتيازات استخراج الغاز لجهات دولية في المناطق المحددة، ستتغير نتيجة سن القانون بأثر رجعي، وسيجد أصحاب الامتيازات أنفسهم يخضعون لمنظومة قوانين مغايرة لتلك التي سرت حتى الآن. كما أن سن القانون قد يدفع إلى تأجيل استخراج الغاز من الحقول المكتشفة، إذ أن القانون هذا سيخلق غموضاً بشأن تنفيذ قوانين مختلفة مثل قوانين السلامة، العمل، التخطيط والبناء وما شابه، في المنطقة المعلن عنها، وهذا قد يزيد المشاكل أمام تمويل استخراج الغاز».
وشدّد لفيف على أنه طالما لم يتم الإعلان بصخب عن اكتشافات حقول الغاز فإن التنقيبات الإسرائيلية لا تثير رد فعل من الدول العربية المجاورة. غير أن المهرجان العالمي الجاري حالياً أشعل المصابيح الحمراء في وزارات النفط في الدول المجاورة لإسرائيل في البحر المتوسط. وتشهد الخرائط الدولية على أن معظم مناطق الاكتشافات الغازية لا تقع ضمن حدود إسرائيل أبداً. ومن حق كل من السلطة الفلسطينية ولبنان وسوريا وقبرص ادعاء ملكية احتياطيات الغاز هذه التي اكتشفت، والتي ستكتشف، وكل ادعاء ملكية كهذا كفيل بوقف العمل في هذه الحقول لسنوات طويلة.
ويصعب فهم كل هذه التعقيدات والالتفافات من دون الإطلال على معطيات علمية منشورة في كبريات المجلات المتخصصة في شؤون الطاقة والنفط. فقد أشار تقرير للمعهد الجيولوجي الأميركي (USGS) في أواخر نيسان الماضي إلى نتائج دراسات زلزالية أجريت على الحوض المشرقي للبحر المتوسط، وأظهرت وجود ما يقدر بـ 122 تريليون قدم مكعب من الغاز غير مكتشفة حتى الآن ويمكن استخراجها. واعتبر هذا التقدير أول تقويم إيجابي من المعهد لوجود موارد مهمة في هذا الحوض بعد دراسات زلزالية. وأشارت مجلة «هيدرو انترناشونال» إلى أن نتائج الدراسات الأميركية أكملت دراسة حديثة حول هذه الاحتياطيات كانت قد بدأتها هيئة تعرف بـ«مكتبة سبكتروم» (The Spectrum Multi-Client) في العام 2000 وحدثتها في العام 2008. وتظهر تلك الدراسات أن الحوض المشرقي لشرق المتوسط يحوي كميات هائلة من الغاز.
وبحسب تقرير المعهد الجيولوجي الأميركي فإن التقديرات تشير إلى أن الحوض المشرقي يحوي أيضاً حوالى 1،7 بليون برميل من النفط الممكن استخراجه. وأشار منسق مشروع موارد الطاقة الأميركية برندا بيرس إلى أن «الحوض المشرقي يقارن ببعض أكبر أحواض الهيدروكربون في العالم، كما أن مخزونه من الغاز أكبر من أي شيء سبق وقدرناه في الولايات المتحدة».
وفيما أحال رئيس المجلس النيابي نبيه بري اقتراح القانون المتعلق بالتنقيب عن الموارد النفطية في المياه البحرية اللبنانية والمقدم من النائب علي حسن خليل على اللجان النيابية المختصة، قالت مصادر أن رئيس الجمهورية ميشال سليمان طلب من معاونيه إعداد دراسة شاملة حول موضوع التنقيب، فيما دعا وزير الطاقة جبران باسيل الحكومة اللبنانية إلى اعتبار موضوع التنقيب عن الغاز والنفط في البحر قبالة المياه الإقليمية اللبنانية جزءاً من خيار المقاومة والتحصين الاقتصادي، وصولاً إلى استعادة لبنان كل ثرواته، وبالتالي عدم البقاء دائماً في خانة رد الفعل على ما يقوم به أعداء لبنان، وقال: هذا يتطلب منا كحكومة كسر الروتين الإداري «ولازم نمشي على الغاز بدل المازوت!».
وقال رئيس المجلس الوطني للبحوث العلمية د. معين حمزة  إن الموضوع في عهدة وزارة الطاقة. وفي الوقت نفسه، على وزارة النقل بالتعاون مع الأمم المتحدة طلب تحديد الحدود الإقليمية (البحرية)، مشيراً إلى تجربة الوزير محمد الصفدي عندما كان وزيراً للنقل لتحديد الحدود مع القبارصة.

حلمي موسى

المصدر: السفير