(وثائق سورية): نص التصريح الفرنسي المتضمن إعلان استقلال سورية

   قام المفوض السامي الفرنسي الجنرال كاترو في الثاني عشر من أيلول 1941 بتعيين الشيخ تاج الدين الحسني رئيساً للجمهورية السورية، وقام الشيخ تاج الدين بتكليف حسن الحكيم بتشكيل الوزارة. وفي عهد هذه الوزارة أعلن الجنرال كاترو في السابع والعشرين من أيلول 1941 في سراي الحكومة باحتفال رسمي، إستقلال سورية، وذلك في خطاب ألقاه الجنرال كاترو المفوض السامي الفرنسي في مهرجان أقيم في دار الحكومة بحضور رئيس الجمهورية الشيخ تاج الدين الحسني ورئيس الوزارة حسن الحكيم. وفيما يلي نص التصريح:
(أيها السوريون:
     في اليوم الثامن من شهر حزيران الماضي عند دخول جيوش الحلفاء بلاد المشرق أذعت عليكم باسم فرنسا الحرة ورئيسها الجنرال " ديغول" بياناً اعترفت فيه لسورية بصفة الدولة المستقلة ذات السيادة تضمنها معاهدة تحدد فيها علائقنا المتبادلة.
     وفي الوقت ذاته أذاعت الحكومة البريطانية حليفة فرنسا الحرة بالاتفاق معها بياناً اشتركت فيه بهذا العمل السياسي الخطير.
     وفي السادس عشر من الشهر الحالي حققت مضمون8 حزيران 1941 وحولته من مصاف المبادئ المكتسبة إلى حيز المؤسسات والحقائق الراهنة.
     وهكذا فقد أتيح لسورية المستقلة ذات السيادة العهد الذي تتولى فيه مقدرتها.
     لقد قبل فخامة الشيخ تاج الدين أفندي الحسني أن ينظم عهد الاستقلال الجديد. وقد عينته لهذه المهمة السامية لما تحلى به من خبرة في الأعمال ومعرفة صميمية للضرورات العامة.
     وإني أؤكد له وللأمة السورية النبيلة مؤازرتي ومعاونتي المخلصة. وسأقوم بهذه المعاونة مستوحياً المبادئ التالية:
تتمتع الدولة السورية بالحقوق والميزات التي تتمتع بها الدول المستقلة ذات السيادة. ولا تخضع هذه الحقوق والميزات إلا للقيود التي تفرضها حالة الحرب الحاضرة وأمن البلاد سلامة الجيوش المتحالفة.
ومن جهة أخرى فإن موقع سورية في الواقع كحليفة لفرنسا الحرة وبريطانيا العظمى يستدعي انطباق سياستها انطباقاً وثيقاً على سياسة الحلفاء. وحيث إن سورية قد دخلت في الحياة الدولية فإنها تنقل إليها طبعاً الحقوق والواجبات المعقودة باسمها. ويحق لسورية أن تعين ممثلين سياسيين لها في البلدان التي ترى أن مصالحها تقضي بهذا التمثيل. أما في سائر البلدان الأخرى فإن سلطات فرنسا الحرة تقدم المساعدة لتأمين الدفاع عن حقوق سورية ومصلحتها العامة وحماية التبعية السورية فيها. ويحق للدولة السورية أن تشكل قواتها العسكرية الوطنية، وتقدم لها فرنسا الحرة مؤازرتها التامة لذلك.
     لقد تعهدت بريطانيا مراراً بأن تعترف باستقلال سورية وستتدخل فرنسا الحرة دون إبطاء لدى سائر الدول الحليفة أو الصديقة لتعترف أيضاً باستقلال الدول السورية.
     ترى فرنسا الحرة أن دولة سورية تشكل من الوجهة السياسية والجغرافية وحدة لا تتجزأ، وأنه من الضروري أن تضمن سلامة كيانها من أية تجزئة كانت، ولذلك فهي ستساعد على توثيق الروابط السياسية والثقافية والاقتصادية التي تجمع بين أجزاء الوطن السوري، وبلوغاً لهذه الغاية، سيعدل مندوب فرنسا الحرة المطلق الصلاحية النصوص التي تتضمن الأنظمة الخاصة الممنوحة سابقاً إلى بعض المناطق بطريقة تؤمن خضوع هذه المناطق سياسياً إلى السلطة المركزية، مع استبقاء الاستقلال الإداري والمالي التي تظهر تمسكها الوثيق به، وهكذا وفق مبدأ الوحدة السورية وأماني تلك المناطق الخاصة.
     ومن المفهوم أيضاً أن ضمانات الحقوق العامة المسجلة في النصوص الأساسية لمصلحة الأفراد والجماعات تبقى ويكون لها كامل مفعولها.
     تتعهد فرنسة الحرة بالتوسط لدى سورية ولبنان لإيجاد وضع أسس للتعاون في الوقت الحاضر وهذا الاتفاق الضروري بين بلدين أخوين وجارين يجب أن يضمن حقوق الطرفين المشروعة المتبادلة وأن يثبت العلائق بينهما على أساس الثقة المتبادلة.
     ومحافظة على استقلال سورية وسيادتها وقياماً بمهمة الكفاح المشترك قياماً موفقاً يتحمل الحلفاء في فترة الحرب أعباء الدفاع عن البلاد. ومن أجل ذلك تضع الحكومة السورية تحت تصرف قيادة الحلفاء لأجل المساهمة في الذود عن أراضي البلاد، القوى الوطنية السورية.
     كما أن قيادة الحلفاء تتصرف منذ الآن بتجهيزات سورية ومصالحها العمومية ولاسيما طرق المواصلات والمطارات وإنشاءات الشواطئ وذلك على قدر ما تقضي به الضرورات العسكرية.
     وتقضي مهمة الذود عن البلاد بأن يقوم تعاون وثيق في أي وقت كان بين الجنرال القائد الأعلى المندوب العام ودوائر الدرك والشرطة والأمن في الدولة السورية إذ أنه لمن الواجب الدفاع عن سورية في أيام الحرب ليس من أعدائها في الخارج فحسب بل من أعدائها في الداخل أيضاً.
    وبالنظر لاندماج سورية في منطقة الحرب وفي نظام الحلفاء الاقتصادي والمالي يقتضي أيضاً أن يقوم أوثق تعاون بين الحكومة السورية والحلفاء لكي تتأمن في فترة الحرب وفي سبيل المصلحة المشتركة موجبات واحترام جميع التدابير المتخذة لتسيير الحرب الاقتصادية، في طريق النجاح وبلوغه لهذه الغاية يمنح في فترة الحرب أكثر ما يمكن من التسهيلات لتأمين حرية التبادل بأوسع ما يمكن بين سورية والبلاد الداخلة في كتلة الإسترليني وسوريا التي انضمت إلى هذه الكتلة الإسترلينية تتخذ في الحقل الاقتصادي والمالي لاسيما في ما يتعلق بالقطع (الكمبيو) التدابير لتبقى متمشية مع سياسة الكتلة الإسترلينية.
     إن الأحكام الواردة أعلاه توفق بين احترام استقلال سورية وسياستها من جهة ومقتضيات الحرب من جهة ثانية وهي تستوحي فكرة واحدة هي فكرة ربح الحرب وتوفير مستقبل حر للشعب السوري عن هذه الطريق. وهي تحل المشكلة الفرنسية- السورية حلاً منبثقاً من عزم فرنسا الحرة  على عدم تأخير تحقيق الأماني القومية السورية وتنفيذ وعود الحلفاء على الرغم من الحرب على أنه من الضروري أن يقوم مقام هذا الحل حل نهائي بأسرع ما يمكن على شكل معاهدة فرنسية- سورية تفرض استقلال البلاد وتثبته نهائياً.
   لتحيا سورية المستقلة.
   ولتحيا فرنسا.

دمشق في 27 أيلول 1941

المصدر: حسن الحكيم، سوريا والانتداب الفرنسي، بيروت، 1983م، ص376.

الجمل- إعداد: د. سليمان عبد النبي