مَصر مِـحْـتـجـالـك يا رَأفتْ

الجمل – حسان عمر القالش: تذكرنا هذه الجملة المحكيّة باللهجة العاميّة المصرية، بالمسلسل المصري الشهير "رأفت الهجان"، الذي روى قصة رفعت الجمّال، رجل المخابرات الذي زرعته مصر داخل الكيان الاسرائيلي. والدراما المشوقة التي رسمها عن هذا الرجل، الذي أدى دوره ببراعة محمود عبد العزيز، الذي تحول من شخصية الأفّاق الذي عانى ظلما اجتماعيا وظروف قهر رمت به الى احتراف لغة الشارع وامتهان النصب والاحتيال، ليصبح بطلا قوميا بامتياز، حيث حقق لوطنه الحقيقي مكاسب سياسية وعسكرية واستخباراتية قلّ نظيرها.
ونتذكر أن تلك المفردات والايحاءات النفسية لهذه الدراما قد تمكنت من التغلغل في وعي الشارع العربي بشكل أو بآخر، خصوصا، ذاك العنفوان الذي يولده سماع الضابط "محسن ممتاز" وهو يخاطب "رأفت" بصوت امتزجت فيه القوة والوقار الأبويّ والحس البطولي، قائلا له : مصر مِحتَجالك يا رأفت. وقد تأثرت بهذه المشهد الدرامي خاصة، وبالمسلسل بشكل عام، شريحة واسعة من الجمهور العربي الذي تابعه بشغف في أواخر ثمانينيات القرن الماضي. وهو ما جعل فضيلة "الايثار" تنمو عند الناس بشكل أكبر. فالوطن أهم من النفس ومن الزوج ومن متاع الدنيا بأسرها، وهذا صحيح. فهو كذلك اذا ما رأى أحدنا شرور أعداء الوطن تحيق به. أعداء من فصيلة اسرائيل والاستعمار والاحتلال وحروب الدول العظمى وغيرها.
فهذا الأمر، اذن، مدعاة للفخر والاعتزاز بالنسبة لمجتمعات استطاعت أن تربيّ أولادها على هذه الأخلاق الوطنيّة.
حسنا، لنفسح في المجال لخيالنا، ونتصور أن هذا الطلب :" وطنك يحتاج لك يا.." يطرح على كل فرد من أفراد مجتمعنا، وبنفس نبرة السيد محسن ممتاز، بعد مرور أكثر من ربع قرن على سماعها لأول مرة.
سنشرد للحظات قليلة، ثم نصطدم بأمور وحقائق من واقع الوطن لا يستطيع معها الخيال أن ينساب ويرسم صورة لأي فعل وطني بطولي قادرين على القيام به!
طيّب..لنترك مصر للمصريين فهم لهم صحافتهم، ولنتحدث بخصوصية أكثر، ونتخيّل معا شخصا غريبا بملامح ملائكيّة يقول للمواطن السوري العادي :( سوريا محتاجتك يا فلان).
فاذا تمكن هذا المواطن من أن يلغي ذاته والتفكير بهمومه الصغيرة، التافهة تجاه وطنه، سيفكّر: هو لم يسمع بوجود جواسيس وأعداء أجانب داخل البلاد، واذا كان هناك أحدهم فهو لا يعرف مكانه، فهذا اذا واجب أجهزة الدولة التي "يحتاجها" الوطن. وهو يسمع ويعرف أسماء أشخاص نافذين ومفسدين يؤذون البلد، لكنه لا يعرف عناوينهم، ولو عرف، لذهب اليهم واحدا تلو الآخر، وطلب منهم التوقف عن ايذاء الوطن والمجتمع، ولو رفضوا لضحّى بنفسه وارتكب جريمة بهم ليخلّص البلاد من شرورهم.
وهو يسمع عن طبقة الأثرياء الجدد، التي امتصت كرامة الناس وقللت من حظوظهم في الكسب الحلال الكريم، لكنه متأكد أنهم مدعومين وأصحاب سطوة ونفوذ في داخل البلاد وخارجها، والا لكان تقدم برفع دعاوى قضائية بحقهم.
 وهو يعرف كثيرا من الخبريات والاشاعات التي يؤكدها له أصدقاؤه مُقسمين بأغلظ الأيمان، لكنه لا يثق بأن موظفي الجرائد الرسمية سيستمعون اليه ويكتبون ما يعرفه. وهو يصادف يوميا، بظروف لم تعد تنفع معها كلمة صدفة، موظفين حكوميين من كافة الفئات، هم على استعداد لبيع مصلحة البلد بقرشين من عيار 500 ليرة وما فوق، لكنه يعود ويتذكر بأن جرائد الحكومة تكتب عنهم بشكل موسميّ وبعد أن تفوح رائحتهم زيادة عن لزوم الطمع والفساد. وهو تزعجه وتحزنه روائح البول المخمـّر والبراز المقدّد المنتشرة في منطقة محطة انطلاق حافلات البولمان عندما يسافر الى قريته، لكنه يخفف من حماسته اذ يتخيل زوجته تنهره وتقول له: هذا ليس من مستواك. ويعود الى المستوى الأعلى، ويفطن الى ما يشعر به بقرب زوال الطبقة الوسطى في البلاد، لكنه لا يملك أي احصائية موثّقة ولا يثق باحصائيات الحكومة، فكيف يحاجج ويدافع عن شعوره الأكيد؟! وهو يعرف أن هناك أشخاصا في البلد، معدودين على أصابع اليد الواحدة، قادرون على مساعدته وتشجيعه، لكنه لا يستطيع زيارتهم، فمرافقوهم وحرسهم الشخصي سيضحكون عليه اذا طلب مقابلتهم، هذا اذا لم يطردوه ! وهو يثق بمهاراته وتحصيله العلمي ومستواه العمليّ الجيد رغم أدائه  الوظيفيّ المتواضع، لكنه اذا حاول أن يعمل كما يجب للعمل أن يكون، وهو ما يحتاجه الوطن أيضا، سيلقى الصدّ واللؤم من زملائه ورؤسائه في العمل، ما يجعله عرضة لمؤامراتهم  وللزحلقة من عمله وقطع رزقه قبل أن يلبي حاجة وطنه !
في النهاية، وبعد أن يعجز هذا المواطن عن التفكير بمساعدة وطنه، سيكتفي بصمت من نوع نعرفه جميعنا.
ثم يتحول ذاك الشخص الغريب، ذو الملامح الملائكية، غير يائس، الى مواطن غيره، ويقول له : سوريا محتاجتك.