نساء الإعلام غير مرغوب بهن للزواج

ليس التهديد بالقتل والمتابعة في المحاكم ومختلف الضغوط النفسية والمادية لأصحاب القرار وذوي النفوذ والمال، هي كل ما يؤرق الصحافيات في الجزائر أثناء ممارستهن المهنة، ذلك أن «نساء الإعلام» أو بتعبير أصح «آنسات الإعلام» اللائي سقط العشرات منهن في سبيل الكلمة في زمن الإرهاب، لا يزلن يواجهن كابوساً يقض مضاجع الكثيرات منهن ويرهن سعادتهن في حياتهن الشخصية، فيرغمن أحياناً على تطليق مهنة الإعلام مكرهات، مستسلمات لعدو «وهمي» من صنع التقاليد والأحكام الاجتماعية المسبقة إسمه: «الصحافية يمكن مصادقتها، لكن الارتباط بها صعب لأنها متحررة».

في الجزائر قاعدة اجتماعية قـــد يكــــون لهــــا صدى في دول أخرى تقول: «اثنان لا يسأل عنهما: عمر المرأة وراتــب الرجل». يضاف إليهما في هذه الحال سبب تأخــــر الــــزواج، أو انعدامه. فرد فعل الكثير من الصحافيات، بمجرد سؤالهن عما يعانينه من نظرة المجتـــمع الجزائري اليهــــن وتفــادي الارتباط بهن، متشابهة إلى حد بعيد. هناك أولاً اصـــرار على عدم الكشف عن الاسمــــــاء، ثـــم سرد للمعاناة والنقمة على «القيم البالية، وأنانية الرجال ونزعتهم الجامحة الى فرض سلطتهم الأبوية حتــــى الصحافيين منهم الذين يتغنون بالانفتاح».

نينا (30 عاماً) مراسلة في إحدى الصحف الخاصة ونائبة مسؤول مكتب المراسلين، بدت متحمسة جداً لفكرة تناول الموضوع لتنتقم لنفسها، فقالت: «إذا استثنينا العوامل الإجتماعية التي أدت إلى تأخر المعدل العام لسن الزواج في الجزائر بالنسبة الى الجنسين، فإن الإقبال على المرأة الصحافية صعب لأنه إقبال على «رجل ميدان». فالصحافية امرأة تسافر وتتأخر في العودة إلى البيت، وأحياناً لا تعود إلا ليلاً، وتتعرض لكل المخاطر، وتتقاطع مع الرجال يومياً، يعرفها الناس في الشارع، كل ذلك لا يشجع الرجل الشرقي على الإقبال عليها. هذا إضافة إلى موقف عائلة الرجل من «الكنة الصحافية»، فالعائلات لا تتقبل الخروج والتنقل المتكرر ولا تفهم أكثر سكوت «إبنها» على ذلك». وتضيف نينا ساخرة: «لا يزال المجتمع الجزائري ينظر إلى الصحافية كامرأة تدخن وتختلط بالرجال وتتورط معهم في علاقات عاطفية، هذه صفة تلازمها في ذهن بعض الجزائريين».

ونينا أحرص على مهنتها من فكرة الـــــزواج، ومن أجل ذلك رفضت عروضاً كثيـــرة للارتباط على حساب الاستمرار في المهنة بكل ما تتطلبه من تضحيات، وتبرر ذلك بقولها: «بالنسبة الى الصحافية، فإن هذه الحرية، مكسب لا يمكن التخلي عنه، كما أن الصحافة «باب رزق» و «الزوج الأكثر أمانا»، في وقت تضرب البطالة معدلاتها القياسية في الجزائر، وهي أيضاً «البطاقة البيضاء» التي تمنحها مهنة المتاعب للمرأة للتحرر من السلطـــة غير المبررة للرجل، وتفتح أمامها أبواب التطور والتعرف الى العالم والتثقف والإحتكاك بمجتمعات وأفكار مختلفة. كل تلك المكاسب تجعلني أكثر تمسكاً بالمهنة».

ومن الطبيعي جداً أنه في رحلة البحث عن زوج تكون الصحافية أكثر انتقائية من غيرها لأنها تريد من يسبح معها ضد تيار الأفكار القديمة ويعيش معها على ايقاع المهنة، لكن الأمر، وإن بدا صعباً، يبقى «غير مستحيل» تقول نينا متفائلة.

أما آمنة (34 عاماً) فخرجت لتوها من تجربـــة قاسية، ومهنتها كانت سبباً في انفصال خطيبها عنهــــا بعدما كانا يستعدان للزواج. وبالكاد نجحت في مقاومة دموعهـــا وهي تقـــول: «كنت مخطوبة لرجل شرطة ودامت علاقتنا سنتين كاملتين، وفجأة توقف كل شيء وكنا نخطط لزواجنا بعد 3 أشهر من يوم انفصالنا! والسبب الوحيد أن خطيبي لم يتأقلم مع ظروف عملي على رغم محاولاتنا تجاوز المأزق».

وأضافت آمنة: «أنا أيضاً لم يكن سهلا علــــيّ تقبل الارتباط بشرطي يصعب التأكد مــــن أخلاقه وعلاقاته السابقة، وحاولت أن أسأل عنه طويلاً، أما هو فبفضـــل مهنتـــه كـــان سهلاً عليه أن يستخبر عني قبل أن يخطبني. ولم يحدث أبداً أن عاتبني على تصرف ما، كل ما في الأمر أنه كان ينزعج كثيــــــراً لعودتي متأخرة الى البيت، والحق أنني كنت أكذب عليه أحياناً لتفادي غضبه حينما يكلمني على الهاتف الخليوي، وأقول إنني في البيت حينما تضطرني إدارة الصحيفة لتغطية نشاط في ساعة متأخرة من الليل، لكنــــــه انتبه وصار يتعمد مهاتفتي الى البيت». صمتت آمنة للحظات، ثم اضافت بنبـــرة حزينة: «هل أخطأت؟ ربما كان عليّ التضحية بمهنتي للحفاظ على الرجل الذي أحببته».

لكن حتى الصحافيات اللائي كن محظوظــــات وارتبطــــن بأزواج وافقوا على بقائهن في المهنة لم تنته معاناتهن. ففي قاعات التحرير زميلات يشكين متاعبهن مع أزواجهن بسبب عودتهن المتأخرة إلى البيت واضطرارهن لشراء الأكل جاهزاً أو الاستعانة بشخص يتولى الطبخ مقابل أجر.

لكن في الجانب الآخر، صحافيون اختاروا الارتباط بزميلات عن قناعة وحب، وإن كانوا يعتبرون أن المجتمع ليس مخطئاً كثيراً في حكمه على الصحافية. حمدي (32 عاماً) يستعد للارتباط قريباً بشابة زميلة، قال بكل صراحة: «يصعب عليّ الارتباط بصحافية، لكنني أحببتها بصدق وأعجبتني شخصيتها». وتابع: «أعترف أننا عرفنا فترات خلاف وفترات توافق ككل اثنين يتحابان، لكن حينما فاتحتها بفكرة الزواج بقينا عاماً كاملاً ونحن نتفق ونختلف، فكل رجل يحب أن تتفرغ له زوجته ويصعب عليه أن يدخل البيت وزوجته تعمل أو يقبل بأن تسافر مع زملاء لها. لكن إن لم يصبر الصحافي على الصحافية، فلن يفعل أحد ذلك».

وفي زمن الإرهاب كـــان الجزائريون يـــــــرون فـــي الصحافية خطراً داهماً لأنها مطاردة مــــن الإرهابييــــن، فلا أحد يقبل الارتباط بها. أما اليوم فصارت محل همس ولمز. ومن لم يقتلهن الإرهاب، قتلتهن القيم الاجتماعية بعدما أفنين شبابهن في مهنة المتاعب دفاعاً عن مجتمع لم يجازيهن بالمعروف.

إسماعيل طلالي

المصدر: الحياة