آخر المواضيع المتعلقة

عقائد

خاص الجمل

كتب

روما

القدس

العراق

أرشيف البلدان
أرشيف الأيام
الأجندة

الكنائس المسيحية وتاريخها في سورية (1 ـ 8)

الجمل - خاص : تهدف هذه الدراسة إلى إعطاء فكرة عامة عن الكنائس المسيحية المنتشرة اليوم في سوريا وعن تاريخها المشترك وتاريخ كل منها وعلاقاتها وعقائدها واختلافاتها عن بعضها.
إن هذا الموضوع شائك ومعقد ويتطلب أبحاثاً كثيرة ومجلدات عديدة للإحاطة به بشكل جيد، أما هذه الدراسة فهي مختصرة لا تكفي القارئ المتخصص، ولكنها تعطي لمحة عن الكنائس قد تثير فضول البعض فيتعمق في دراستها والبحث عنها.
لا يمكن فهم الكنائس في سوريا دون دراسة تسلسلية زمنية ودون التوسع في دراسة كنائس الشرق الأخرى بشكل خاص وكنائس العالم بشكل عام، ففي بلادنا توجد طوائف مسيحية مختلفة وعقائد عديدة أثرت وتؤثر على تشكيل وتطور مختلف كنائسنا.
أعود فأؤكد على أن هذه الدراسة لا تحمل من شروط الدراسة العلمية إلا الشيء القليل، فأنا أعددتها في فترة زمنية قصيرة، معتمداً فيها على المراجع الموجودة عندي فقط، علماً بأن المطلوب في دراسة كهذه العودة إلى مئات المراجع الأخرى وبلغات متعددة ولباحثين من انتماءات مختلفة، كذلك كان من الممكن عرضها والتعاون بها مع الكنائس نفسها (وان كان في ذلك خطر على حيادها)، ومع ذلك فإنني التزمت بها أسس الموضوعية الكاملة فاستعملت ما أمكنني من كتابات عائدة لمختلف الطوائف وأشرت أينما استطعت إلى آراء الكنائس المختلفة، ولا أعتبر نتيجة عملي في النهاية نتيجة كافية بل لا يزال ينقصها الكثير.


لمحة جغرافية وجغرافية بشرية للمنطقة زمن المسيح:

اقتسمت إمبراطوريتان العالم القديم في القرن الأول الميلادي، الإمبراطورية الرومانية حول المتوسط والإمبراطورية الفارسية (الفرثية) في العراق والشرق، وكان للإمبراطورية الرومانية التي احتلت شرق المتوسط وجنوبه ابتداء من عام 64 قبل الميلاد ثلاث مدن رئيسية تعتبر عواصم وهي روما العاصمة الرسمية، ثم إنطاكية والإسكندرية عاصمتي السلوقيين والبطالمة الذين حكموا سوريا ومصر حوالي 300 عام قبل الرومان، وكان يوجد العديد من المدن الأصغر كعواصم للأقاليم والمقاطعات المختلفة. أما الإمبراطورية الفارسية فقد كانت عاصمتها المدائن قرب بابل في العراق.
لم يستقر كافة اليهود في فلسطين بعد عودتهم من السبي البابلي عام 538 قبل الميلاد بل بقي قسم منهم في ما بين النهرين، واستوطنت أقسام أخرى في إنطاكية وسوريا والإسكندرية ومصر وحتى في روما، ووجدت مجامع يهودية في أغلب المدن، كذلك فإن اليهود في هذا الشتات مارسوا التبشير وكانت مجامعهم تستقبل "الذين يخافون الله" وهم المتعاطفون مع اليهود والمهتدون حديثاً إلى اليهودية وقد أتوا من محيط وثني، حيث نرى في أورشليم ليهود الشتات هؤلاء المدعوين هلينيين مجمع خاص بهم تقرأ فيه النصوص باللغة اليونانية .


بداية الكنيسة المسيحية:

تختلف الآراء في تاريخ ميلاد يسوع المسيح بين الأعوام من 8 إلى 3 قبل الميلاد، أما الصلب فهناك تقليد يوقعه حسب تاريخنا في يوم الجمعة 7 نيسان عام 30 ميلادية ، وتمت القيامة في يوم الأحد ثم انتظر الرسل والتلاميذ المجتمعون في أورشليم مدة 50 يوما حتى حل عليهم الروح القدس في يوم العنصرة حسب أعمال الرسل، ويعتبر يوم العنصرة بداية الكنيسة المسيحية.

 

كنائس القرن الأول:

كنيسة أورشليم:
أسقفها الأول مار يعقوب الملقب بالبار أخو يسوع المسيح (ابن يوسف النجار(  وضمّت الرسل والتلاميذ والمؤمنين في فلسطين. استشهد مار يعقوب عام 61-62م وذلك عندما أصعده الكتبة والفريسيون فوق جناح الهيكل ورموه إلى أسفل ولكنه لم يمت فقاموا برجمه ثم أتى قصّار فضربه على رأسه بعصا فمات ودفن في الحال قرب الهيكل .

كنيسة إنطاكية:
بدأ التبشير في إنطاكية من قبل بعض القبارصة والقيروانيين الذين قدموا المدينة من أورشليم هرباً من الاضطهاد  الذي بدأ باستشهاد القديس اسطفانوس أحد الشمامسة السبع مرجوماً (شهيد المسيحية الأول) وتجدر الإشارة إلى أن أحد السبع هو أيضا نيقولاوس الإنطاكي الأصل والملقب بالإنطاكي الدخيل .
ازداد عدد المسيحيين في إنطاكية بين اليهود واليونانيين، هنا يجب التنبيه إلى أن تعبير يهود حسب كتاب العهد الجديد يعني المعتنقين للدين اليهودي سواء كان أصلهم عبراني أو غيره وسواء كانوا موجودين في فلسطين أو غيرها، أما تعبير يونانيين فيعني كافة الشعوب الأخرى التي كانت تسكن المنطقة من آراميين ويونان وعرب وغيرهم والتي كانت تدين بالوثنية. ازداد عدد المسيحيين في إنطاكية فأرسلت لهم كنيسة أورشليم القديس برنابا (أحد السبعين تلميذاً) ليعظهم ويثبتهم، ثم قام برنابا بالذهاب إلى طرسوس لملاقاة القديس بولس وإحضاره إلى إنطاكية وبقيا فيها سنة كاملة يعملان وينظمان جماعة الكنيسة وهنا دعي المؤمنون مسيحيين أولا .
ويعتبر التقليد الكنسي أن القديس بطرس هو الأسقف الأول المؤسس لكنيسة إنطاكية، فبطرس قد سافر كثيراً وبشر في أصقاع عديدة وبالرغم من أن أعمال الرسل لا تتحدث عن كامل أسفاره ولكن يمكننا الاستشفاف من رسالتيه ومن تقاليد كنائس روما وإنطاكية عن بعض أسفاره، حتى أن تقليد كنيسة الإسكندرية يعتبره قد زارها كما أن البعض يعتقد بأنه قد زار بابل وبشر بها.
يعتبر تقليد كنيسة إنطاكية أن القديس بطرس قد أسس أول كرسي أسقفي له فيها عام 34م وبقي فيها سبع سنوات حتى عام 41م ولكنه ظل رئيسها حتى تاريخ استشهاده في روما عام 67م .
يجدر بنا هنا التنويه إلى أعمال القديس توما وتبشيره في الشرق ثم في الهند واستشهاده بها، يؤكد التقليد الجاري بين كنائس ما بين النهرين أن الرسل الذين بشروا في هذه المنطقة هم أربعة توما الرسول ثم أدي وتلميذاه أجاي وماري . بشر مار توما في بلاد الفرثيين ومادي وفارس ثم في بلاد الهند الغربية وهدى إلى الدين المسيحي خلقاً كثيراً، ثم ختم حياته بالشهادة حيث سلخ جلده حياً نتيجة دسائس الكهان البراهمة حوالي عام 75م وبقي المسيحيون في الهند يدعون نصارى مار توما . وكانت جميع كنائس الشرق تتبع كرسي إنطاكية.

أول شقاق في الكنيسة (قضية المعمودية والختان):
يخبرنا سفر أعمال الرسل قصة أول شقاق في تاريخ الكنيسة عندما كان الرسل في أورشليم وبولس وبرنابا في إنطاكية، ويمكننا فهم القصة على الشكل التالي:
بدأ الرسل يبشرون أولا بين اليهود ولم يكن اليهود يختلطون أو يتعاملون بأي شكل من الأشكال مع الأمم (الوثنيين)، ولكن بطرس رأى رؤيا ملخصها بأنه شاهد مائدة تهبط عليه من السماء وعليها كافة أنواع الحيوانات والدواب والطيور، والكثير منها كان محرماً أكله على اليهود بحسب الناموس، وسمع صوتاً يقول له بأن يذبح ويأكل، فأجاب بأنه لم يأكل قط نجساً أو دنساً، فعاد إليه الصوت وقال: " ما طهره الله لا تنجسه أنت".
 في هذه الفترة وجد في قيصرية قائد مئة اسمه كرنيليوس من الكتيبة الإيطالية وقد رأى ملاكاً طلب منه دعوة بطرس إلى بيته فأرسل يطلبه، وعندما وصل خبره إلى بطرس عرف معنى رؤياه وبأن عليه أن يبشر أيضاً الأمم، فذهب إلى منزل كرنيليوس وبشره وعمّده وأكل وشرب معه.
وسمع الرسل والأخوة في اليهودية بأن الوثنيين قد قبلوا أيضاً كلمة الله فلما صعد بطرس إلى أورشليم أخذ اليهود يلومونه فشرح لهم ما حدث معه .
كذلك احتج اليهود في إنطاكية أيضاً بأن الكثير من الوثنيين اعتنقوا المسيحية وتعمدوا ولكنهم لم يختنوا ولا يتمسكون بالناموس، ووقع بينهم وبين بولس وبرنابا خلاف وجدال فذهبا مع آخرين إلى أورشليم حيث الرسل والشيوخ، والتأم المجمع في أورشليم الذي يعتبر المجمع الأول (ولكنه مجمع مكاني) عام 51م ، وبعد جدال طويل وخطب هامة من قبل بطرس وبولس وبرنابا وأخيراً يعقوب، اتفق الجميع على أن لا يلقى على عاتق الوثنيين الذين تعمدوا من الأعباء سوى اجتناب ذبائح الأصنام والدم والميتة والزنى .
ولكن المسألة لم تنته هنا إذ تخبرنا رسالة القديس بولس إلى أهل غلاطية بأن الأزمة عادت بين الرسل أنفسهم، وأن المدافعين عن المعمودية في مجمع أورشليم بطرس ويعقوب وحتى برنابا عادوا فحاولوا أن لا يختلطوا بالمسيحيين من أصل وثني. يخبر القديس بولس أهل غلاطية بأن بطرس كان موجوداً في إنطاكية وكان يعاشر ويؤاكل الوثنيين، ثم أتى قوم من عند يعقوب فخاف منهم بطرس وتنحى وكذلك فعل برنابا وباقي اليهود، وقد عنفهم بولس .
ويبدو أن الشقاق قد تطور فحين تغيّب بطرس وبولس عن إنطاكية لدواعي التبشير أقاما عليها أسقفين هما أفوديوس أسقفاً على المسيحيين من أصل وثني وأغناطيوس أسقفاً على المسيحيين من أصل يهودي (وهما الأسقفان اللذان خلفا مار بطرس على كرسي إنطاكية على التوالي)، ثم اتحد الطرفان تحت رئاسة مار أغناطيوس النوراني بعد عام 68م الذي أطلق على كنيسة إنطاكية عبارة "الكنيسة الجامعة" حيث جمعت الختان والغرلة (عدم الختان) معاً، وهو أول من استعمل هذا الاصطلاح في الكنيسة (اصطلاح الكاثوليكية)  .
أخيراً يبدو أن هذا الخلاف انتهى في بدايات القرن الثاني عندما أصبح عدد الوثنيين المنتمين إلى المسيحية أكبر بكثير من عدد اليهود، ولكن من المؤكد أنه نشأ عنه وعن ظروف أخرى شيع وملل صغيرة انتهت على مر الزمان.

كنيسة روما:
حسب تقليد الكنيسة الكاثوليكية في روما فإن القديس بطر س قد أسس كرسيه الأسقفي فيها عام 42م وبقي يرأسه مدة 25 سنة حتى عام 67م عندما استشهد فيها مصلوباً ورأسه إلى الأسفل . ومع أن المعلومات الواردة في أعمال الرسل تشكك كثيرا في هذه التواريخ ولكنه من المؤكد أن القديس بطرس قد حضر إلى روما وأسس كنيسة وقد يكون ذلك قبل استشهاده مباشرة.

كنيسة الإسكندرية:
كان مرقس أحد تابعي بولس ثم رافق بطرس إلى روما ومن روما انطلق إلى مصر عام 55م حسب تقليد كنيسة الإسكندرية، وهناك كتب إنجيله عام 61م (تعتبر الكنيسة الكاثوليكية بأنه كتب إنجيله في روما قبل ذهابه إلى مصر). ويعتبر مرقس مؤسس كنيسة الإسكندرية وأول أساقفتها، واستشهد فيها عام 68م حين أخذه الوثنيون وجروه في الشوارع وفوق الصخور طيلة النهار فتمزق جسده وتهشمت عظامه ثم طرحوه ليلا في السجن ليعاودوا التمثيل به في الصباح حتى أسلم روحه  .

تطور الكنائس:
هكذا نرى بأن أربعة كنائس أسقفية قد تأسست في القرن الأول الميلادي وكان يتبع كل منها العديد من الكنائس في سائر المدن والمقاطعات:
1- كنيسة أورشليم التي تأسست عام 30م ورأسها مار يعقوب أخو يسوع المسيح حتى عام 61م عند استشهاده.
2- كنيسة إنطاكية التي أسسها عام 34م مار بطرس ورأسها حتى عام 67م عند استشهاده.
3- كنيسة روما التي أسسها عام 42م مار بطرس ورأسها حتى عام 67م عند استشهاده.
4- كنيسة الإسكندرية التي أسسها عام 55م مار مرقس ورأسها حتى عام 68م عند استشهاده.
وهي جميعها تتبادل الشركة بإيمان واحد.
ولكن كنيسة أورشليم الكنيسة الأولى والتي كانت تدعى أم الكنائس، ما لبثت أن انتهت، فقد خلف يعقوب في رئاستها عام 62م سمعان بن كلوبا وهو ابن عم المسيح حيث كان أباه كلوبا أخا ليوسف .
في عام 67م ابتدأ عصيان اليهود على الرومانيين فوجه الرومان جيوشهم إلى فلسطين بقيادة تيطس الذي حاصر أورشليم وأخذها عنوة في عام 70م وهدم الهيكل وشتت اليهود الذين مات الكثير منهم نتيجة الجوع والحرب الأهلية، بينما خرج المسيحيون قبل الحصار إلى مدينة بللا فسلموا .
وهكذا فقدت كنيسة أورشليم الكثير من أهميتها ولكنها استمرت حيث توالى على كرسيها ما مجموعه 15 أسقفا (الكثير منهم من أقرباء المسيح) وأغلبهم شغلها لمدد قصيرة، حتى عام 135م عندما ثار اليهود مجدداً في زمن الإمبراطور أدريان الذي أرسل قواته لتهدم أورشليم وتشتت كافة اليهود خارج فلسطين، ومنع دخولهم إلى المدينة المقدسة التي تمت إعادة بنائها ودعيت أليا إكراماً للإمبراطور أليوس أدريان . أما الكنيسة التي كانت بها فقد أصبحت تتبع أسقفية إنطاكية بشكل مباشر.
أصبح لدينا إذن في منتصف القرن الثاني ثلاث كنائس، إنطاكية وروما والإسكندرية، وكانت هذه الكنائس جميعها مشتركة في الإيمان ومتساوية في المركز ولكنها مستقلة كلا عن الأخرى من الناحية التنظيمية والرعوية.

الاضطهادات:
تعرض المسيحيون والكنيسة لاضطهاد شديد في القرن الأول من قبل اليهود أولا الذين تعرضوا للرسل والمؤمنين في أورشليم وفي كافة المدن التي انتشرت بها المسيحية، وأدى اضطهادهم إلى استشهاد الكثير من الرسل والتلاميذ ، ثم بدأ اضطهاد الدولة الرومانية الرسمي للمسيحيين في عام 64م على يد الإمبراطور نيرون وحتى عام وفاته 68م وعرف هذا الاضطهاد بالاضطهاد الأول ، أما الاضطهاد الثاني فقد تم بين عامي 95 – 96م زمن الإمبراطور دومطيانس ، كذلك أحدق بالكنيسة اضطهاد عنيف في المملكة الفارسية .
 
البدع والشيع:
استطاعت الكنائس الثلاث التغلب على كافة البدع والشيع التي نشأت في القرن الأول واعتبرتها هرطقات ما لبثت أن اضمحلت واندثرت.
وكان أشهرها شيع سيمون الساحر وستورنينوس وكورينثوس وكذلك مجموعة الحركات الغنوصية والنيقولاويين والأبيونيين والأنتينوميين وغيرهم، ومن الممتع القراءة عنها في كتب تواريخ الكنيسة المختلفة كتاريخ الكنيسة لأوسابيوس القيصري وتاريخ الكنيسة المسيحية لسميرنوف وكتاب كنيسة مدينة الله إنطاكية العظمى للدكتور أسد رستم وكتاب الدرر النفيسة في مختصر تاريخ الكنيسة لبطريرك السريان الأرثوذكس افرام الأول برصوم...الخ
وعلينا أن نعرف أن كلا منها قد كان له الآلاف من الأتباع والمؤمنين الذين يظن كل منهم بأنه يملك الحقيقة المطلقة، تماما كما يظن كل من أتباع الأديان والكنائس والمذاهب حالياً.

الكتابات المنحولة:
ما دمنا قد تحدثنا عن الشيع المختلفة عن الكنيسة الرسمية فلابد لنا من أن نلقي نظرة سريعة على ما يعرف بالكتابات المنحولة (الأبوكريفية)، وهي الكتابات التي تداولها المسيحيون بكافة شيعهم في القرون الأولى ولا تعترف الكنيسة لا بأصالتها ولا بقانونيتها، وقد تأخرت الكنيسة بالتمييز بين مختلف الكتب (لم تحدد الكتب القانونية رسمياً بالنسبة للكنيسة الكاثوليكية إلا في المجمع التريدانتيني عام 1546م).
كانت هذه الكتابات منتشرة في القرون الأولى واعتمد على كثير منها كبار الكتاب اللاهوتيين المعترف رسمياً بكتاباتهم، ومنها ما وصل إلينا كاملا ومنها ما وصل ناقصاً أو مشوهاً ومنها ما ضاع ولم يبق لنا منه سوى اسمه.
تقسم الكتابات المنحولة إلى:
- أناجيل منحولة: كإنجيل توما الإسرائيلي وإنجيل يعقوب التمهيدي وإنجيل الطفولة العربي وإنجيل مولد مريم وميلاد المخلص وإنجيل بطرس وإنجيل نيقوديمس وغيرها.
- أعمال منحولة: كأعمال بطرس وأعمال يوحنا وأعمال أندراوس وأعمال توما وأعمال بولس وأعمال برنابا.
- رسائل منحولة: كرسالة بولس الثالثة إلى الكورنثيين ورسالة بولس إلى اللاوديسين ومراسلات بولس وسينيك.
- الرؤى المنحولة: كرؤيا عزرا لنهاية العالم ورؤيا سدراك لنهاية العالم ورؤيا بطرس ورؤيا بولس وكتاب نياح مريم وقصة يوسف النجار وغيرها. 
إذن فإن الكنيسة الرسمية في القرون الأولى اختارت بين مجموعة الأناجيل والأعمال والرسائل والرؤى المتداولة ما اعتبرته قانونياً وموحى به، واعتبرت الباقي منحولا (أبوكريفيا)، ولكن حتى ضمن هذه النصوص القانونية هناك ما هو مختلف فيه بين الكنائس حتى اليوم. 
علينا أن نشير أخيراً إلى أن إنجيل برنابا المشهور لا يدخل ضمن مجموعة الأناجيل المنحولة وإنما يعتبر كتاباً مزوراً تم وضعه في أوائل القرن السابع عشر باللغة الإيطالية من قبل راهب يدعى مارينو اعتنق الإسلام، وحاول تبرير ارتداده بما ظنه توفيقاً بين المسيحية والإسلام واليهودية. 


كنائس القرنين الثاني والثالث:

الاضطهادات:
خلال القرنين الثاني والثالث تأصلت المسيحية بعمق في القسم الشرقي من الإمبراطورية، لا بل انتشرت إلى حدّ ما خارج تخومها . واستمرت الكنائس الثلاث إنطاكية وروما والإسكندرية في تطورها وتنظيمها ولكنها تعرضت في هذين القرنين إلى ما لا يقل عن ثمانية اضطهادات كبرى بحيث أخذ اضطهاد المسيحيين شكلاً مزمناً نظير حمّى بطيئة تخف تارة وتشتّد أخرى .

البدع والانشقاقات:
ظهرت في هذين القرنين الكثير من البدع الجديدة التي اعتبرتها الكنائس هرطقات فحرمت مؤسسيها وتابعيها، وأدّت هذه الهرطقات بالإضافة إلى اختلاف البعض على خلافة الأساقفة إلى الكثير من الانقسامات في كنائس عديدة في مختلف العالم المسيحي، وقامت الكنائس بمحاربة ما اعتبرته خروجاً على العقيدة المستقيمة (الأرثوذكسية) بعقد مجامع مكانية واتخاذ قرارات حرمان وفصل من الشركة، ثمّ انتهى أمر هذه الشيع بعودة تابعيها إلى الكنائس الأرثوذكسية الثلاث، وإن كانت هذه العودة نفسها قد سببت الكثير من الجدل والخلافات حول وجوب إعادة معمودية الهراطقة قبل قبولهم في الكنيسة مجدداً أم لا . أما أهم مؤسسي بدع القرنين الثاني والثالث فهم:

مرقيون: (140 – 160م)
مرقيون هو ابن أسقف سينوب في إقليم البنطس (على شاطئ البحر الأسود) تأثر بالأفكار الغنوصية بعد أن أصبح غنياً فحرمه والده من الكنيسة، فخرج من سينوب وطاف آسيا الصغرى حتى روما التي منح كنيستها هدية مادية قيمة، ونشر تعاليمه وتجمع حوله الكثير من الأتباع فكانت كنيسته الغنوصية أكثر عدداً من جميع الكنائس الغنوصية السورية.
بشّر مرقيون باستحالة التوفيق بين التوراة والإنجيل موجباً الاختيار بين محبة المسيح التي لا نهاية لها وصلاحه السامي وبين عدالة إله إسرائيل القاسية، فعند مرقيون ثلاثة آلهة، الإله الأعلى الصالح والإله العادل الخالق للعالم وللبشر والإله الفاسد (الشيطان)، أما إله إسرائيل فهو الإله الخالق الذي لم يستطع شيئاً أمام إله الشر فاضطر الإله الصالح إلى التدخل والنزول إلى الأرض ليعلن نفسه للبشر. لم يقبل مرقيون من النصوص سوى إنجيل لوقا ورسائل بولس وقال أن الرسل لم يفهموا الإنجيل واعتبروا المسيح رسول الإله الخالق فاصطفى يسوع بولس ليصحح التعاليم.
استمر وجود أتباع مرقيون حتى القرن الرابع وهناك من يقول حتى القرن السادس .
برديصان: (154 – 222م)
ويعني اسمه ابن ديصان وهو نهر فوق مدينة الرها حيث ولد، وكان عالماً درس الآداب واللغات السريانية واليونانية وانبرى ينتصر بكتاباته للدين المسيحي ويهاجم الهراطقة، ولكنه ما لبث أن ابتدع مذهباً ونشره ولمّ حوله الأتباع الذين انتشروا في أماكن عديدة.
اختلف المؤرخون في حقيقة آراء برديصان فبعضهم قال أنه اعتقد بكثرة الذوات الخالقة وحكى مار افرام الملفان بأنّه قال بسبعة كائنات ونقل مار ميخائيل الكبير وابن العبري بأنه قال بثلاث ذوات  أو طبائع كبار وأربعة كائنات صارت 366 عالماً وكائناً، وأن الله لم يكلم موسى والأنبياء وإنما فعل رئيس الملائكة، وأن مريم لم تلد جسداً قابلاً للموت ولكن نفساً نيرة اتخذت شكلاً جسدياً، وكذب بالقيامة وخلط في أمر تكوين العالم.
استمرت كنيسة برديصان وأتباعه حتى القرن الثامن حيث أتى آخر ذكر لهم.   
 
منطانس: (حوالي عام 160م)  
كان منطانس كاهناً وثنياً ثمّ تنصّر وانضمّت إليه امرأتان يقال لهما بريسكيلا ومكسيميليا، ادعتا النبوة وزعمتا أن منطانس هو الفارقليط (المعّزي) وكان هو يقول برجوع السيد المسيح إلى الأرض وظهور أورشليم السماوية، وتبعه العديد من المسيحيين في آسيا الصغرى الذين تخلوا عن شؤونهم الدنيوية واشتركوا في الممتلكات وانصرفوا إلى أشّد  أعمال النسك وأخشنها، وكان للمونطانيين مراسم وأساقفة وأئمة وقلدوا النسوة منهم قسوسيتهم وأسقفيتهم، ولم تدم بدعتهم وقتاً طويلا. 

بدع أخرى:
ما ذكرناه ليس إلا أمثلة قليلة من ضمن الكثير من البدع والشيع التي ولدت في القرنين الثاني والثالث واستمر الكثير منها قروناً عديدة، ومنها أيضاً شيعة بازليدوس وشيعة فالنتينوس وشيع البنيويين وغيرهم . ومن أشهر أصحاب البدع في القرن الثالث ثاودوطس وأرطيمون ونويطس وسابليوس ونيبوس ونوباطيان .
ويجب ألا ننسى ديانة ماني المتوفى عام 275م (وهي مزيج من المسيحية والبوذية والزردشتية) والتي تبعها الكثير من أبناء المنطقة وخاضوا صراعاً مريراً ضد المسيحية استمر قروناً عديدة.

مشكلة عيد الفصح:
قبل أن ننتقل إلى القرن الرابع سيكون من المفيد الإطلاع على ما حدث بين عامي 154و198م من خلاف بشأن تحديد عيد الفصح:
تذكرّ المسيحيون الأوائل صلب المسيح وموته وقيامته في صباح كل يوم أحد، فأمّوا الكنيسة باكراً في مثل الساعة نفسها التي قهر المسيح فيها الموت ليجتمعوا ويصلوا ويذكروا الرب. كذلك أفردوا ثلاثة أيام متتالية مرة كل سنة لذكر الآلام والقيامة فجعلوها تبدأ في الرابع عشر من نيسان القمري العبراني وذلك لورود الآية: "وبلغ يوم الفطير الذي كان ينبغي أن يذبح فيه الفصح".
وكانت كنائس آسيا الصغرى وكيليكيا وسوريا الشمالية وبين النهرين تقيم هذه الذكرى في أي يوم من الأسبوع وافق وقوعه الرابع عشر من نيسان أما كنائس اليونان وإيطاليا وإفريقيا ومصر وفلسطين فإنها خصّت يوم الجمعة وحده بالآلام ويوم الأحد بالقيامة فكانت تذكر الآلام في أول يوم جمعة بعد الرابع عشر من نيسان.
كذلك اعتبرت الفئة الأولى من الكنائس يوم الآلام يوم تحرير من العبودية وخلاص فكانت تفرح في يوم موت المسيح وتنهي صيامها فيه، أما الفئة الثانية فإنها كانت تعتبر يوم الصلب يوم حزن ولا تنهي صيامها قبل تذكار القيامة.
استمر هذا الخلاف طويلاً وكانت كنائس آسيا تعتمد في تبريرها لتقليدها على ما تعلمته من الرسول يوحنا الحبيب والرسول فيليبوس، أما الكنائس الأخرى فتعتمد على تقليد القديسين بطرس وبولس.
وتطور هذا الخلاف وعقدت من أجله المجامع المكانية وتمّ تبادل الرسائل والتهديد بالقطع دون الوصول إلى نتيجة، ولا نعلم بالضبط متى عدل الآسيويون عن تقليدهم الخاص. 

الكنائس الثلاث في نهاية القرن الثالث:
تتابع في الكنائس الثلاث منذ نشأتها وحتى عام 312م أساقفة عديدون على الشكل التالي:
1- كنيسة إنطاكية: 21 أسقفاً أشهرهم بعد القديس بطرس القديسون أفوديوس وأغناطيوس النوراني وثاوفيلس وسرافيون واسقلفياديس وبابولا وقورس.
2- كنيسة روما: 33 أسقفاً أشهرهم بعد القديس بطرس القديسون الشهداء الخمسة قليميس وتلسفورس وفابياس وقورنيليوس وسكستوس الثاني ثم ديونيسيوس.
3- كنيسة الإسكندرية: 18 أسقفاً أشهرهم بعد القديس مرقس انيانس وقردون ويوليانس وديميتريوس وهيراكلاس وديونيسيوس وبطرس الأول خاتم الشهداء.

_ _  _ _

منذر نزهة  

_ _ _  _ __ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _  _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _                              باحث سوري

 هوامش:

  المسيحية عبر تاريخها في الشرق –  مجلس كنائس الشرق الأوسط –  المسيحية في القرن الأول للميلاد – بيار كانفيه – ص 43
   كنيسة مدينة الله إنطاكية العظمى –  الدكتور أسد رستم –  ص 3
   تاريخ الكنيسة – يوسابيوس القيصري – ص 51  /  الدرر النفيسة في مختصر تاريخ الكنيسة – بطريرك السريان الأرثوذكس افرام الأول برصوم – المجلد الأول – ص 91
   تاريخ الكنيسة – يوسابيوس القيصري – ص 87  /  الدرر النفيسة في مختصر تاريخ الكنيسة –  بطريرك السريان الأرثوذكس افرام الأول برصوم –  المجلد الأول – ص 93
   أعمال الرسل – الكتاب المقدس – 11: 19-21
   أعمال الرسل – الكتاب المقدس – 6: 1-7
   أعمال الرسل – الكتاب المقدس – 11: 22-26
   كنيسة مدينة الله إنطاكية العظمى –  الدكتور أسد رستم – ص 19  /  بحوث تاريخية دينية أدبية – بطريرك السريان الأرثوذكس زكا الأول عيواص – الجزء الأول – ص 13  /  المجلة البطريركية التي تصدرها بطريركية إنطاكية وسائر المشرق للسريان الأرثوذكس – الأعداد 241و242و243 لعام 2005 – جدول بأسماء بطاركة الكرسي الرسولي الإنطاكي
   تاريخ الكنيسة السريانية الشرقية – الأب ألبير أبونا –  الجزء الأول  –  ص6   /  بحوث تاريخية دينية أدبية – بطريرك السريان الأرثوذكس زكا الأول عيواص – الجزء الأول – ص 20
   الدرر النفيسة في مختصر تاريخ الكنيسة – بطريرك السريان الأرثوذكس افرام الأول برصوم – المجلد الأول – ص 56 – ص 213  /  تاريخ الكنيسة المسيحية – سميرنوف –  ترجمة مطران الروم الأرثوذكس ألكسندروس جحا – ص 35
   أعمال الرسل – الكتاب المقدس – 10: 1-42 / 11: 1-4
   تاريخ الكنيسة المسيحية – سميرنوف –  ترجمة مطران الروم الأرثوذكس ألكسندروس جحا – ص 33
   أعمال الرسل – الكتاب المقدس – 15: 1-29 
   رسالة القديس بولس إلى أهل غلاطية – الكتاب المقدس – 2: 11-14
   بحوث تاريخية دينية أدبية – بطريرك السريان الأرثوذكس زكا الأول عيواص – الجزء الأول – ص 9
   تاريخ الكنيسة المسيحية – سميرنوف –  ترجمة مطران الروم الأرثوذكس ألكسندروس جحا – ص 34
   تاريخ الكنيسة القبطية – القس منسى يوحنا –  ص 11
   تاريخ الكنيسة – يوسابيوس القيصري – ص 115
   تاريخ الكنيسة المسيحية – سميرنوف –  ترجمة مطران الروم الأرثوذكس ألكسندروس جحا – ص 41
   تاريخ الكنيسة – يوسابيوس القيصري – ص 154
   الدرر النفيسة في مختصر تاريخ الكنيسة – بطريرك السريان الأرثوذكس افرام الأول برصوم – المجلد الأول –  ص 83
   الدرر النفيسة في مختصر تاريخ الكنيسة – بطريرك السريان الأرثوذكس افرام الأول برصوم – المجلد الأول –  ص 93 
   الدرر النفيسة في مختصر تاريخ الكنيسة – بطريرك السريان الأرثوذكس افرام الأول برصوم – المجلد الأول –  ص 147 
   الدرر النفيسة في مختصر تاريخ الكنيسة – بطريرك السريان الأرثوذكس افرام الأول برصوم – المجلد الأول –  ص 94 
   تاريخ الكنيسة – يوسابيوس القيصري / تاريخ الكنيسة المسيحية – سميرنوف –  ترجمة مطران الروم الأرثوذكس ألكسندروس جحا / كنيسة مدينة الله إنطاكية العظمى –  الدكتور أسد رستم / الدرر النفيسة في مختصر تاريخ الكنيسة – بطريرك السريان الأرثوذكس افرام الأول برصوم – صفحات مختلفة
   الأناجيل المنحولة – الأعمال والرسائل المنحولة – الرؤى المنحولة /   تاريخ الكنيسة – يوسابيوس القيصري – ص 127
   الأناجيل المنحولة – ص 14
   إنجيل برنابا – ترجمة الدكتور خليل سعادة – المقدمة   /   الأناجيل المنحولة – ص 17 
   المسيحية عبر تاريخها في الشرق – مجلس كنائس الشرق الأوسط – المسيحية في القرنين الثاني والثالث – بيار مارافال – ص 65
   الدرر النفيسة في مختصر تاريخ الكنيسة – بطريرك السريان الأرثوذكس افرام الأول برصوم – المجلد الأول –  ص 94 – ص 164
   تاريخ الكنيسة المسيحية – سميرنوف –  ترجمة مطران الروم الأرثوذكس ألكسندروس جحا – ص 167
   كنيسة مدينة الله إنطاكية العظمى – الدكتور أسد رستم – ص63  /   تاريخ الكنيسة المسيحية – سميرنوف –  ترجمة مطران الروم الأرثوذكس ألكسندروس جحا – ص94  /  الدرر النفيسة في مختصر تاريخ الكنيسة – بطريرك السريان الأرثوذكس افرام الأول برصوم – المجلد الأول – ص240  /  تاريخ الكنيسة – يوسابيوس القيصري – ص 163  
   الدرر النفيسة في مختصر تاريخ الكنيسة – بطريرك السريان الأرثوذكس افرام الأول برصوم – المجلد الأول – ص 248  /  كنيسة مدينة الله إنطاكية العظمى – الدكتور أسد رستم – ص65  /  تاريخ الكنيسة – يوسابيوس القيصري – ص191
   الدرر النفيسة في مختصر تاريخ الكنيسة – بطريرك السريان الأرثوذكس افرام الأول برصوم – المجلد الأول – ص 242
   تاريخ الفكر المسيحي –الدكتور القس حنا جرجس الخضري – الجزء الأول – ص 477
   الدرر النفيسة في مختصر تاريخ الكنيسة – بطريرك السريان الأرثوذكس افرام الأول برصوم – ص319
   كنيسة مدينة الله إنطاكية العظمى – الدكتور أسد رستم – ص 81
   الدرر النفيسة في مختصر تاريخ الكنيسة – بطريرك السريان الأرثوذكس افرام الأول برصوم –ص 410  /    تاريخ الكنيسة القبطية – القس منسى يوحنا

إرسال تعليق جديد

سيبقى محتوى هذا الحقل خاصا و لن ينشر للعموم.
  • لا يسمح بإشارات HTML
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.