عن ظاهرة مسلسلات البيئة الشامية

مع اتساع ظاهرة مسلسلات البيئة الشامية، وما حققته من جماهيرية شعبية، تعالت أصوات الصحافيين في كل مرة، مطالبةً بوضع أحداثها في سياق تاريخي محدّد وواقعي. لكن هذه الأعمال انطلقت أصلاً من مصدرين: الأول تمثّله مسلسلات دريد ونهاد القديمة، والثاني تكوّن بعد المسلسلات التراثية التي بدأت مع «أيام شامية» (1992).ناجي جبر في مشهد من «أهل الراية».
بالنسبة إلى أعمال دريد ونهاد، كانت طبيعتها الكوميدية الشعبية الممسرحة، تسمح لها بالقفز عن الزمان والمكان، فالحارة إطار مناسب لعمل كوميدي محدود يقوم على الأفكار والأنماط الشخصية. المكان هو بالتأكيد في دمشق القديمة، وليس مهماً أين. فالحارة متخيّلة، والزمان هو بين نهاية العهد العثماني والعقد الأول للاستقلال، فترة طويلة تخلّلها الانتداب الفرنسي. الاختراعات الحديثة حاضرة في «صح النوم» و«حمام الهنا»، ما يشير إلى أنها تنتمي إلى الحاضر. لكن لباس الناس هو اللباس التقليدي. لقد تعايش الزي الغربي الحديث والزي المحلي في فترة من الفترات، لكن الكوميديا التي تعتمد على الأنماط، يمثّل اللباس فيها جزءاً من هوية النمط أو الشخصية (الكراكتير).
أما بالنسبة إلى «أيام شامية»، فقد عرف نجاحاً كبيراً كونه وثّق تراثاً قريباً كان في طور الانقراض. عملٌ أنثروبولوجي له طابع درامي، فهو لم يوثّق المسكن والملبس والمأكل والمشرب فقط، بل وثّق أيضاً العادات والتقاليد. ولم يكن مفاجئاً أن نقابل في هذا العمل وجوهاً كناجي جبر (أبو عنتر) ورفيق سبيعي (أبو صيّاح) وحسام تحسين بك القادمين من عالم دريد لحام. الأعمال الدمشقية التي تلت وتتالت، قدّمت الفولكلور، كما قدّمت الأنماط الشخصية. وعلى رغم الانتقادات الواسعة بسبب لا زمنية ولا تاريخية هذه الحارات، ورفض القيم المحافظة التي تعكسها... قلّما جرى التأمل في الواقع الذي من المفترض أنها تعكسه بشكل أمين أو بشكل مشوّه. نعم، لقد توافرت الشام على حياة سياسية غنية في الفترات التي تصورها هذه الأعمال، وكانت مراحل تغلي بالأحداث التاريخية الكبيرة، لكنّ مشاركة الناس في صناعة هذه الأحداث كانت محدودة، فالاشتغال بالسياسة كان امتيازاً مقصوراً على قلّة، والبلد الذي عرف أول جامعة حكومية في العالم العربي مطلع القرن الماضي، لم تكن الأغلبية الساحقة من سكانه تجيد القراءة والكتابة.
الحارة الضيقة المغلقة كانت تؤمّن الحماية لسكانها ولو على حساب حريتهم، وكان يجري توارث القيم التقليدية من دون تغييرات حقيقية، العلاقات لم تكن على قدر كبير من التعقيد، والدراما الحياتية هي دراما التفاصيل. من هنا، تبدو الشخصية الدمشقية واقعية ومنسجمة مع نفسها لا تعاني تمزّقات نفسية وهموماً جليلة، أكثر من كونها سطحية. لقد أفرزت هذه المجتمعات نماذجها الرائدة والمغامرة، والخارجة عن الإجماع، لكن هؤلاء لا يمثّلون ظاهرة. أعمال دريد لحام الأولى، كانت الردّ الشعبي، أو ردّ الحواري، وردّ من جرى تجاهلهم طويلاً، بل ونسيانهم. واليوم نشهد شعبية الأعمال البيئية، على أن المنظومة القديمة ما زالت هي نفسها لدى السواد الأعظم، وأنه ينظر بعين الحنين إلى تلك الأزمنة السعيدة التي لا يستطيع أحد أن يقنع الناس بأنها لم تكن موجودة يوماً. الفرد لم يكن قد ولد بعد في تلك المجتمعات، وربما لم يولد حتى الآن، لكن الفرق أن الشعور بالأمان الاجتماعي والانتماء الثقافي كان موجوداً، ولم يكن الآخر يمثّل استفزازاً لنمط الحياة الرتيب القائم، فهذا الآخر هو إما الحكم العثماني الذي يُنظر إليه كخلافة إسلامية، وهو جزء من الأنا، أو المحتل الأوروبي الذي يُنظر إليه كعدو مرفوض لا كآخر يمكن الحوار معه.
في رمضان 2008، يشرف الزعيم أبو الحسن في مسلسل «أهل الراية» على تزيين الحارة لاستقبال الإمبراطور الألماني الحليف، لكن بأوامر سلطانية من حكم عثماني لا ينظر إليه كآخر. بينما الآخر الفرنسي في «باب الحارة» هو غريب وعدو بالضرورة، وفي «أولاد القيمرية» يبدو البطل عبد الله مشغولاً بهموم إصلاحية، لا مشككاً في شرعية الحاكم التركي. أما في «بيت جدي» التي تدور أحداثه في مرحلة الانتداب الفرنسي، فوجه السلطة فيه يتمثل بالمتعاون المحلي. الحياة الساكنة والمحدودة لهذه الحارات التي تظهر في هذه الأعمال لا تخلو من أسس واقعية، فالإنسان البسيط والخائف الذي عاش فيها لم يكن معنيّاً بالتاريخ، أو بتلقّي التأثيرات الخارجية، لكن السؤال هو لمَ الالتزام بهذا الخيار الدرامي الضيق الذي استُنفد، وكأن حياةً لم تقم في أمكنة أخرى أكثر اتساعاً، وكأن الموضوعات المعاصرة الشائكة قد انتهت.

«باب الحارة» 22:30 على mbc
«أهل الراية» 20:10 على «المنار»
«بيت جدي» 15:55 على «الراي»
«أولاد القيمرية» 21:30 على «س»

منار ديب

المصدر: الأخبار