الحياة وجبة لذيذة

22-04-2008

الحياة وجبة لذيذة

تتعامل برامج الطبخ في القنوات العامة مع المطبخ بصفته مختبراً يحتله طاه أو طاهية بمريول، وحيث الوصفات شديدة الجدية والانضباط لضمان الشفاء!

تلك البرامج المنذورة لربات البيوت، في الأوقات الأقل مشاهدة، جعلت من فكرة وجود قناة تلفزيونية تخصص كل ساعات بثها للمطبخ مغامرة مدهشة، فليس متصوراً أن يعيش الإنسان لمدة أربع وعشرين ساعة في مطبخ، بين النيئ والمطبوخ ومهرجانات التوابل.

قناة «فتافيت» الفضائية استطاعت أن تفعل ذلك من خلال توسيع علاقة برنامج الطبخ بفعل الحياة، حيث الطعام جزء من حفاوة الإنسان بحواسه، وحيث لا ينفصل تاريخ المطبخ عن التاريخ العام والتاريخ الثقافي في بلد ما.

الاختلاف الأساس بين برامج الطبخ في هذه القناة، ومثيلاتها في القنوات العامة، يكمن في كونها تجعل من فعل الطبخ ثقافة، ما يذكرنا أيضاً بالفارق بين كتاب إيزابيل الليندي «أفروديت» وكتب الطبخ العادية؛ فرق المعرفة والخيال بين روائية تحاول اكتشاف علاقة الأكل الطيب بالحواس، وبين «شيف» يقدم وصفته المطبخية.

وقد وجدت «فتافيت» الحلول التقنية والمعرفية لتوسيع صلة المشاهد بالعالم من حوله.

من تقنيات المعرفة التي اعتمدتها القناة، فن الرحلة لتقديم المطبخ في مختلف بلدان العالم. لا تتوقف سفينة البرنامج في بلد وتدخل إلى المطبخ مباشرة، لكنها تقدم جغرافيا البلد وتاريخه، لتنفذ منه إلى تاريخ الطبخة، وربما دعمت ذلك بالتذكير برواية شهيرة مرتبطة بها؛ فيجد المشاهد نفسه أمام هليون مارسيل بروست أو نقانق ألفريدا يلينيك.

هكذا تتضافر أفعال الاستكشاف من المكان إلى الكتاب وانتهاء بالطبق، لتخلق عبر جماليات الصورة وحركة الكاميرا تنويعاً في المشاهد يحقق متعة المشاهدة ويرضي فضول الاكتشاف.

ومن بين البرامج المميزة «إمريل على الهواء» الذي يقدمه رئيس الطهاة الأميركي الشهير اميريل لاغاس الذي يبدو ساحراً أكثر منه طاهياً. حركاته السريعة بين الطناجر والأطباق تجعلنا نترقب اللحظة التي سينفض فيها منشفته لتطير منها حمامة!

يداعب إميريل جمهوره دائماً، حول حماقة التقيد بالكميات وبأنواع البهارات مما يبدو تندراً على مقدمي برامج الطبخ التقليدية. الطبخة عنده لعب، وخيال وقليل من الشعوذة وخفة اليد، تلك أيضاً التي قدمتها الليندي في كتابها الممتع مستفيدة من كتب الإيروتيكية العربية القديمة التي تحفل بالغامض والمستحيل من الوصفات المنشطة للحواس، لتنتهي إلى حكمتها الخاصة التي تقول إن أكثر الأطباق شهية هو ذلك الذي تتناوله مع من تحب.

إميريل يفعل الشيء ذاته، عندما يداوم على تذكير جمهور القناة بأن مذاق الطعام ينبع من الرفقة بمقدار ما ينتمي إلى الخيال المفتوح للطاهي.

وهكذا صار المطبخ مسرحاً للكوميديا، وشباكاً على العالم يقدم متعة الاكتشاف من خلال أحد أكثر النشاطات الإنسانية حميمية، ولم يعد جمهور برامج الطبخ مقتصراً على ربات البيوت.

لقد وضعت قناة «فتافيت» برامج الطبخ القديمة في مأزق، وربما ستقضي على صناعة النشر في مجال هذا النوع من الكتب الرائجة.

سمر يزبك

المصدر: الحياة

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...