إسقاط الأنظمة الاستبدادية أسهل من بناء الديموقراطية .. بقلم : لؤي حسين

حتى لو عجز التحقيق عن إثبات التهمة على أي من القادة السوريين في جريمة اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري، بل حتى لو أثبت براءة السلطة السورية من أي علاقة لها في هذه الجريمة فلن يكون هذا كفيلا بجعل (وليس بإعادة) العلاقات بين البلدين بحالة طبيعية. كذلك، ما كان يمكن لأي آلية أخرى لانسحاب الجيش السوري من لبنان أن تحول دون اتهام أي من السلطتين في كلا البلدين السلطة الأخرى بأنها سبب كل بلاويها، أو معظمها على أقل تقدير، وأن تتذرع كل منهما أن الأخرى تحوك لها المؤامرات. كما سيكون من الصعب على أي وساطة أو مساع عربية أو دولية، حتى لو تمكنت من تهدئة التصعيد بين البلدين، أن تقنع أياً من السلطتين أن علة عجزها وإخفاقها هي عندها وليست عند الأخرى.
فما كان يمكن لانفكاك الكيان السوري/اللبناني أن يمر على أي من البلدين وكأنه أمر عابر وعرضي، ليس على صعيد العلاقات بينهما فحسب، بل على صعيد بنية النظامين والدولتين كل على حدة. فعمر هذا الكيان القسري الهجين، الذي جمع البلدين والدولتين والذي امتد لثلاثة عقود، كفيل بجعل النظام السوري عاجزاً عن البقاء والاستمرار بدون هذا الكيان الثنائي، وأن يجعل القيادة اللبنانية تتخبط قبل أن تتعلم القيادة بدون السوريين.
وحتى لو كان تم هذا الانفكاك برضى السلطة السورية وحلفائها وأتباعها في لبنان، وهذا من الصعب تحققه إذ أن السلطة السورية ما كانت ستنسحب يوماً من لبنان بإرادتها، ما كان يمكن لأي من البلدين تجاوز حالة كيانهما المشترك والعودة عنه وكأنه كان مجرد انتشار للجيش السوري في أراض لبنانية، أو تمدد للمخابرات السورية إلى مؤسسات لبنانية، أو تسلط للقادة السوريين على قادة لبنانيين. أي كأنه كان مجرد احتلال عابر! فالاحتلال يبقى غريباً ولو قام به الشقيق أو <<الشقيقة>>، ظاهراً ولو تخفى، خائفاً ولو تغطرس، مغايراً ولو أظهر التماهي، مفارقاً في اللون وفي الكلمة؛ محكوماً بالزوال ولو رضي به الجميع. حتى أنه لم يكن استعماراً، وإن بدا أنه أقرب إليه. فبالرغم من أن المستعمِر والمستعمَر يصلان، في مرحلة ما، لأن تتطابق مصالحهما ويكون لهما نفس الأعداء ونفس الحلفاء، إلى درجة قد يصعب عليهما فك حالة الاستعمار بينهما؛ لكن إن وقعت، برضى الطرفين أو أحدهما، أو رغماً عن أحدهما أو عن كليهما، فغالباً ما يتمكن المستعمِر (بالكسر) من الاستمرار والتجدد، ونادراً ما يبقى عند المستعمَر (بالفتح) حلفاء للأول ينادون به ويفدونه ب<<الروح والدم>>.
فما كان بين سوريا ولبنان خلال العقود الثلاثة الماضية، وما تبدى على شكل كيان سياسي واحد جمع البلدين ضمن مصير واحد، أنهما كانا محكومين، كل على حدة، بنظام حكم واحد، هو نفسه نظام الحكم الذي ما زال قائماً في سوريا، وإن كان بآليات وشخصيات مختلفة. وبالتالي فإن الانفكاك الذي أصاب هذا الكيان كان عبارة عن إسقاط له بشكل انقلابي في شقه اللبناني. فلم يكن تحرراً من احتلال ولا استقلالاً من استعمار. فالنظام السوري ورغم أنه حكم لبنان خلال تلك الفترة من دون انتخابات أو استفتاء عليه، لكنه قام وبقي وتعنت برضى الغالبية الساحقة من اللبنانيين، كل منهم ارتضاه في فترة ما كان يحتاجه فيها للاستقواء به على خصوم مرحليين. والجميع في تلك الآونة ارتضاه كنظام حكم لا كقوات عسكرية فحسب لتفصل بين الخصوم. فقد كان فاتحاً في لبنان لا غاصباً، وكان له من المريدين أكثر من المؤيدين. فكل الفرقاء اللبنانيين ضحوا، في لحظة ما، بالديموقراطية اللبنانية لصالح الاستبداد السوري في سبيل بقائهم السياسي. كذلك لم يكونوا هم من وضع الحدود التي كان يتوقف عندها النظام السوري في تمدده في لبنان أو بتماديه عليه بل كانت رسمتها له قوى خارجية أقوى منه، أو غيرها ممن كانت تشاركه مصالحه الحيوية والإستراتيجية.
شربما المسألة هنا لا تتعلق بالنيات بل بالإرادة، فقد تكون مهمة البناء الآن أكثر صعوبة، وتحتاج إلى همم أكبر وإلى قوى جديدة. وكما قال غسان سلامة فإن إسقاط الأنظمة أسهل من بناء بدائلها. ويمكنني أن أضيف أن إسقاط الأنظمة الاستبدادية أهون بما لا يقاس من بناء أنظمة ديموقراطية على أنقاضها. وهذا ما لا تستوعبه القوى السورية، وغير السورية، التي تعمل، أو تأمل، على إسقاط النظام السوري بعد ضعفه وعجزه وحالة الهوان التي آل إليها جراء انسحابه من لبنان، أو بالأحرى، واتساقاً مع رؤية هذا المقال، جراء سقوط حكمه في لبنان. ومن حسن حظ اللبنانيين أن مؤسسات دولتهم وهيئات مجتمعهم المدني ومؤسساتهم التعليمية بلغت حداً من النضوج والأصالة قبل أن يغزوها الاستبداد، بخلاف الحال عند السوريين الذين تمكن الاستبداد من دولتهم ومؤسساتهم قبل أن تنضج أو تتأصل، فأحالها أجهزة تسلط، من المقدر أن تسقط بسقوطه، كحال الدولة العراقية التي لم يبق منها أثر فور سقوط نظام صدام حسين.
وهذا ما يجعل أثر انفكاك ذاك الكيان الهجين على سوريا أكبر وأكثر جسامة. فصحيح أن النظام السوري لم يسقط في سوريا، لكن انسحاب جيشه ومخابراته من لبنان أوهنه وخلخل كل أعمدته وأسسه، فصار عاجزاً عن قيادة البلاد وإدارة شؤونها، بل حتى انه أصبح عاجزاً عن إدارة شؤونه السلطوية وحماية بقائه واستمرار تسلطه. وبات معروفاً، مع وجود بعض المعترضين، أن بقاء السلطة السورية مرهون بوجود بديل لها من داخل النظام أو من خارجه. ومع ذلك فإن استمرار النظام لن يعني، بأية لحظة قادمة، استعادته قواه ومتانته، وهذا بحد ذاته يشكل خطراً حقيقياً على سوريا، فهذه الحال تشكل تعطيلاً لأي تقدم أو تنمية في البلاد. فالسلطة باتت تعتبر أن غاية وجودها هو نجاتها من عواقب اغتيال الرئيس الحريري، وما يرتبط بذلك من التصدي للمؤامرات التي تدّعي أنها تأتيها من لبنان، فقد أسقطت من حسبانها أية استحقاقات داخلية تنموية.
إذاً، لا يمكن العودة إلى العام 1975 لا بالنسبة إلى سوريا ولا إلى لبنان، واعتبار ما جرى مجرد خطأ في العلاقة بين الأشقاء، حتى لو قُدمت الاعتذارات وطويت الصفحات وعمّ تبويس اللحى والشوارب بين الطرفين. فلبنان الآن، بعد أن باتت تسيطر فيه قوى سياسية جديدة، كتيار المستقبل وحزب الله والتيار الوطني الحر، ما عاد يمكنه العودة إلى شكل الدولة التي كان عليها سابقاً، صار يتطلب دولة تراعي طموحات هذه القوى ومصالحها. وسوريا التي قبلت بنظام حافظ الأسد على أن يحرر أراضيها و<<الأراضي العربية>> من الاحتلال والامبريالية في مقابل استمرار أفراد شعبها بجهلهم وافتقادهم حرياتهم وحقوقهم، فاستبد النظام بقوة جيشه <<الوطني التحريري>>، ما عاد يمكنها ولا يمكن لنظامها العودة إلى ذلك الحال بعد تخليه عن <<التحرير>> من سوريا والاستعاضة عنه ب<<التحرير>> من لبنان؛ فلا يمكن العودة إلى دولة المواجهة بعد أن سقطت المواجهة وانقلب ممولوها.
فسوريا الآن، تحتاج، لكي تبقى، إلى نظام حكم تكون غايته تحرير حقوق الأفراد بما فيها حقهم باستعادة أراضيهم المحتلة، والتفكير بكيفية إقامة دولة حديثة على أسس ديموقراطية تقوم على مواطنين أفراد، رجال ونساء، وليس على أقوام أو أديان لها رسالات خالدة أو أبدية تفرض زعاماتها على كل أفراد الأمة الخضوع لهذه الرسالة وحملها، شاؤوا ذلك أم أبوا. وبين الواقع الراهن وحلم الدولة هذا تختبئ مخاطر مدمرة وشرور قاتلة، لا ينجينا منها انتظار مخلّص أو مستبد عادل، أو الاستخفاف فيها، أو الاستهتار بما ينجم عن عجز النظام أو عن سقوطه.