آخر المواضيع المتعلقة

عربي

مجتمع

ثقافة

أخبار

سعاد جروس

كتب

دمشق

أرشيف البلدان
أرشيف الأيام
الأجندة

حداثة تطيح بهيبة الآباء

 

الجمل - دمشق :

بدا صعباً جداً على جومانة, الأم الشابة (30عاماً) تقبل سخرية أطفالها من جهلها بتشغيل لعبة كومبيوتر، وللهرب من مواجهتهم راحت تؤنبهم على إضاعة الوقت في اللعب، بدل الالتفات إلى الدراسة، وهددت بالتخلص من جهاز الكومبيوتر نهائياً إذا لم يغيروا سلوكهم.
ولداها زينة وعمر  (8 ـ10 ) سنوات لم يأخذا التهديد على محمل الجد ، فلم يعد بالإمكان استغناء والدهم عن الكومبيوتر، أما والدتهم فهي تكاد تكون بالنسبة لهم كائناً قادماً من الماضي.
التطور الهائل لوسائل الاتصال وتدفق المعلومات، واقتحام الكومبيوتر الحياة اليومية في البيوت بما يوفره من اتصال عبر الانترنيت،عزز الفجوة المزمنة بين الأجيال وأضاف إليها فجوة أخرى أشد اتساعاً وهي الفجوة المعرفية، فالأطفال والشباب بما  يملكونه من معارف تقنية استعمالية تخولهم التعاطي مع وسائل الاتصال الحديثة ، بدأوا يشعرون انهم يمتلكون من المعارف والخبرات أضعاف ما يملكه آبائهم ومعلميهم، ما خلق لدى الأبناء شعوراً بالتفوق على الآباء، الذين خسروا الكثير من هيبتهم المستمدة من خبراتهم ومعارفهم بالحياة، ليتحولوا بنظر أبنائهم إلى مخلوقات عف عليها الزمن.
دينا (17 عاماً)  تتذمر من والدتها الكاتبة والمثقفة، وتقول إنها لا تتفاهم معها أبدا ، فمازالت أمها تعيش في الماضي تسمع أغان  قديمة : "نجاة وعبد الحليم ووردة وأم كلثوم"، وتقرأ كتباً لا  أفهم منها حرفاً ، وهي لا تكتفي بأن تمارس ذلك لوحدها بل تريد فرض  أسلوب حياتها علي وعلى أخوتي، وترهقنا بمعارفها من المثقفين الثقلاء الظل، إنهم لا يدركون أن الزمن تغير، العنكبوت معشش في رؤوسهم ومن ثم يتهموننا بالجهل والطيش لأننا لا نقدر قيمتهم الثقافية. وتتابع دينا تمنيت ولو مرة واحدة أن أعثر بين معارف أمي على شخص طبيعي غالباً النساء والرجال يبدون لي وكأنهم خارجون للتو من فيلم عربي يعود للثمانينات ...
عامر وسوسو أبناء خالة كانا يجلسان معاً أمام شاشة التلفزيون ويتبادلان الكلمات الساخرة حول أغنية قديمة بالأبيض والأسود، حين سمعهما والد عامر الذي استنكر تصرفهما ووبخهما بالقول : كيف تسخران من فريد الأطرش يا جهلة ؟ فانفجرا بالضحك, وسألاه باستخفاف: ومن يكون فريد الأطرش ؟
هذا الحوار بمثابة نموذج يكشف اتساع الهوة بين الآباء والأبناء، فإذا كان الزمن قد توقف عند الآباء فهو لا شك يعصف بالأبناء، هذا ما قاله مدير مدرسة مبدياً أسفه الشديد لما يتعرض له يومياً في المدرسة، فالطلبة حسب زعمه يستغلون عدم قدرتنا على التعاطي مع الوسائل الجديدة وخاصة الموبايل ليضحكوا علينا، وذكر أن أحد التلاميذ سجل مقطع فيديو لمعلمه في الصف وهو يحرك كتفيه ويديه حركات اعتيادية, لكن الطلاب يعتبرونها كوميدية، ووزع المقطع على كافة موبايلات الطلبة بالبلوتوث ، وصار الأستاذ مسخرة ، وكلما بدرت منه تلك الحركات كان الجميع يضحك .. ولم نكن نحن بالإدارة نعرف سر هذا الضحك.. إلى أن علمنا من خلال طالب وشى بزملائه, لكننا لم نعرف من قام بتسجيل الفيديو، طبعاً في البداية لم أفهم كيف تم تصويره بالموبايل ولا كيف جرى تناقل المقطع بالبلوتوث، لأنني أولا , لازلت أرفض حمل الموبايل الذي لم  أحتجه بعد  وثانياً,لا أعرف ما هو البلوتوث ، وحين سألت ابنتي في البيت, شرحت لي كل شيء بالتفصيل، فقررت التفتيش دائماً في حقائب الطلاب لمنعهم من اصطحاب الموبايل بين كتبهم. ويرد المدير سوء استخدام الموبايل إلى الأهل الذين يتبارون في شراء أحدث الموديلات لأبنائهم, رغم عدم حاجتهم العملية له، ويرجع ذلك إلى عقدة نقص لديهم فهم يظنون إذا حمل أبنهم أحدث جهاز موبايل فقد أحرزوا التقدم والتطور، بينما نرى أن الاستخدام السيئ له ولأي وسيلة اتصال, تعبير عن التخلف والجهل. ويتابع المدير منبهاً: من الخطأ الظن أن المعرفة والتقدم ومواكبة العصر تقتصر فقط على تعلم استخدام التقنيات الحديثة وارتداء ملابس الصرعات، المعرفة ثقافة واطلاع وخبرة متمرسة بالحياة، أبي كان أمياً لا يعرف القراءة والكتابة لكن عقله كان متنوراً وحضارياً ومنفتحاً ، وقد حرص على تعليم أبنائه وبناته وتربيتهم تربية فاضلة.
يتفق محمد(22عام)  مع هذا الطرح إلى حد ما لكنه يرفض التعميم ، متهماً الآباء بأنهم إما أن يكونوا متحجرين غير قابلين للتطور ويرفضون كل ما يطلبه أبنائهم خوفاً على أخلاقهم أو العكس تماماً يرضخون لمتطلبات أبنائهم دون تبصر، كي لا يتهموا بالتخلف، وفي الحالتين هنا خطأ جسيم يرتكب.
إذاً نحن هنا أمام فجوة معرفية، يرفض الآباء الاعتراف بها، بل أنهم لا يسعون كما فعل ذلك المدير إلى السؤال قبل اتخاذ أي إجراء. ولو عدنا إلى جومانة سنجدها وقد رفضت أن يعلمها أطفالها كيف تستخدم النت وكيف تشاركهم اللعبة، مع أنهم عرضوا عليها ذلك مراراً ، فهي لا تريد أن تظهر أمامهم بأنها لا تعرف ، وتفضل الالتحاق سراً بدورات تدريب على الكومبيوتر، لكن وقتها لا يسمح .
حنان مدرسة لغة عربية (38عام)على الضد تماماً فهي تعتقد أن التعلم لا يقف عند سن معينة ولا شهادة دراسية ، و إنما هو مستمر مدى الحياة، تحاول تطويره وهي تشارك ابنها (13عاماً ) التعلم ، بل تقول أنه اقدر مني على حفظ المعلومات وتجديدها وأحيانا كثيرة استعين به ليعلمني ما أجهله في الكومبيوتر أو لحل مشكلة مستعصية، وعدا أن المشاركة أتاحت لي مزيداً من المعارف فقد عمقت صلتي بولدي لتصبح أقرب إلى الصداقة أفهمه بشكل جيد و أستفيد منه، كما أن قيمة العلم لديه ارتقت كثيراً ، فعندما يرى أن والدته هي تلميذته تتعلم منه  ينمو لديه الإحساس بالمسؤولية والنضج، وبالتالي يصبح أكثر احتراماً لآرائي على مبدأ المعاملة بالمثل، أسمعه ـ يسمعني والعكس صحيح.
كلام حنان قد يشكك فيه كثيرون إذ من النادر أن نعثر على علاقة أسرية مثالية ولا شك أن حنان لا بد في بعض الأحيان وأن تفقد أعصابها أو ربما لم يصل  ابنها إلى السن الحرجة التي سينادي فيها باستقلاله عن أهله وبخصوصيته ، وحين ذاك لن يسمح لامه التي تصادقه أن تشاركه جهاز الكومبيوتر ،  الذي بات ساحة للقاء الأصدقاء والصديقات من مختلف أصقاع القرية الكونية، كما يحدث الآن مع محمود "24 عاماً, طالب  في كلية الطب" الذي يقضي سبع ساعات يومياً خلف جهاز الكومبيوتر، يراسل الجامعات الدولية، ومكاتب العمل ، ويبحث عن فرص أفضل للحياة مع صديقات افتراضيات يعيش معهن قصص حب رومانسية، ولا يخلو الأمر أحياناً من فتيات هوى يسلي نفسه معهن بتشات ساخن ، كل ذلك رتب على والده فاتورة انترنيت باهظة ، الأب يتذمر يومياً من ولده المستهتر الذي يهدر وقته على الكلام الفاضي، بينما يصر محمود على أنه لا يستخدم الانترنيت للتسلية دائماً ، إنه لا يفعل ذلك إلا بعد أن يداهمه الضجر من البحث عن مراجع ومعلومات تفيد اختصاصه. لكن من يقنع الأب بذلك إذا كان لا يعرف ما يدور في هذا الجهاز العجيب، ولو عرف فهل يمكن لهذا الجيل الاقتناع بأن ما نراه على الشاشة حقيقي، يعني من يقرأ في شاشة الكومبيوتر كمن يقرأ في الكتاب الجامعي؟؟
 قد يكون من سوء الحظ تسديد جيلنا ضريبة التطور التقني السريع من فاتورة العلاقة مع الآباء، إلا أنها فرصة للأجيال الجديدة كي يثبتوا أنفسهم في تشكيل وعي جديد يخولهم اجتياز امتحان الآباء، فإذا كانوا حقاً أجيالاً متطورة عليهم أن يبرهنوا على ذلك بالبناء على ما أسسه الآباء لا الهدم والتمرد وحسب ، وإلا فإن تجربتهم ستفشل فشلاً مرشحاً للتكرار مع الأجيال القادمة.