وطن الهمبرغر

«لا يتعلّق الأمر بمعسكري الشرّ والخير. بل بآلة تستولي على البلد... ولا شيء على الاطلاق يستطيع إيقافها بعد اليوم». تلك الجملة التي جاءت على لسان بروس ويليس في مشهد عابر من «أمة الوجبات السريعة»، تختصر موضوع فيلم ريتشارد لينكلايتر الجديد الذي نزل أخيراً إلى الصالات اللبنانية.
«أمة الوجبات السريعة» (Fast food nation) ارتكز على كتاب بالعنوان نفسه نُشر عام 2001 ورصد فيه الصحافي الاستقصائي اريك شلوسر ولادة مطاعم الوجبات السريعة وتطوّرها في قلب الثقافة الأميركية. صناعة تحولّت تدريجاً إلى سلطة اقتصادية، وبالتالي سياسية، تزدهر على حساب استغلال عناصر المجتمع كلها. علماً أنّها تختصر أيضاً تاريخ أميركا بعد الحرب وحضارتها، فمعها ظهر التنميط العالمي للشركات، وتغيّر وجه الاقتصاد والتماثل الثقافي والحضاري وبالتالي العولمة.
فيلم الأميركي ريتشارد لينكلايتر استوحى مادته من كتاب شلوسّر للخروج بفيلم روائي، أثار الكثير من الجدل السياسي لدى عرضه في الولايات المتحدة عام 2006 حتى ذهب بعضهم إلى تشبيهه بالفيلم الوثائقي «9/11 فهرنهايت» للأميركي مايكل مور. تسلل صاحب «قبل الشروق» (Before Sunrise) إلى كواليس شبكات مطاعم الوجبات السريعة، ليكشف الجانب المظلم للرأسمالية والعولمة التي تؤلف الثقافة الأميركية نسيجها وقلبها النابض. هكذا نتابع من خلال ثلاث شخصيات محورية تتقاطع قصصهم، العوامل النفسية والخارجية التي تتحكّم بعمل الموظفين في شركات مطاعم الوجبات السريعة وفهم الآلية التي يتألف منها هذا النظام الرأسمالي: دون هندرسون (غريغ كاينر) المسؤول عن شبكة مطاعم «ميكي»، يعمل جاهداً للمحافظة على استقرار عائلته المادي، وأمبير (آشلي جونسون) الشابة النشيطة المسؤولة التي تعمل في أحد فروع مطاعم الوجبات السريعة لتكمل دراستها، وسيلفيا (كاتالينا مورينا) المهاجرة المكسيكية التي عبرت الحدود سيراً على الاقدام مع زوجها يجذبهما الحلم الأميركي ووهم الرخاء والسعادة والحياة اللائقة.
في أحد مطاعم «ميكي» للوجبات السريعة يبدأ المشهد الأول من الفيلم. تتقدّم نادلة إلى إحدى الطاولات، تضع وجبة «بيغ ماك» التي اخترعها بطلنا دون، ولقيت رواجاً كبيراً. تقترب الكاميرا من بقعة سوداء موجودة في اللحم لننتقل فوراً إلى مشهد كلب ينبح في الظلام. نحن الآن على الحدود المكسيكية ـــ الأميركية: مهاجرون سريون يعبرون الصحراء، في انتظارهم رجل يقلّهم إلى مسلخ سيتبيّن أنّه للشركة التي تملك شبكة المطاعم «ميكي». ثم ينتقل بنا المخرج إلى نيويورك المزهوّة باقتصادها، وتحديداً إلى اجتماع مجلس ادارة «ميكي» للوجبات السريعة. الشركة تعاني أزمة حالياً بعدما اكتشف باحثون في احدى الجامعات الأميركية أنّ اللحم يحتوي على براز الأبقار. هنا، ستبدأ رحلة دون إلى كولورادو، حيث مزارع الشركة ومسلخها، للتحقّق مما يجري. رحلة ستتفرّع منها قصص عدّة تتكامل في فسيفساء من شأنها أن تكشف حقيقة تلك الآلة المتوحشة التي تقتات من لحم الأضعف لتبني أمجاد إمبراطوريتها.
يجد بطل الفيلم نفسه في عالم تتحكّم به مافيات حقيقية، تتمتّع بتواطؤ فعلي من قبل السلطة السياسية والاعلامية. عالم سفلي تستند قوانينه إلى مختلف أنواع الاستغلال الجنسي والمادي والابتزاز المعنوي. يكتشف دون مثلاً أنّ اللحم يتلوّث بسبب اضطرار عمّال المسلخ إلى الاسراع في عملهم، فيما يُصدم بظروف عملهم غير الانسانية من إدمانهم المخدرات للتمكّن من الصمود وسط هذا الضغط، إلى المخاطر المباشرة التي تتهدّد سلامتهم، كأن تبتر أطراف هذا العامل أو ذاك في احدى آلات المسلخ... وهذا ما يحدث في الفيلم.
تنتقل بنا المَشاهد من مستوى إلى آخر في تلك الآلة الجهنميّة، ومن خلالها يحاول المخرج لينكلايتر أن يقيم مقارنة بين حياة الماشية وحياة هؤلاء العمّال والموظفين: كائنات مسحوقة تعيش في ظل حالة رعب دائمة... تحت وطأة ذلك الوحش النافذ الذي تتواطأ معه السلطة، لأنّه يشكّل عصب الاقتصاد الأميركي. هكذا يتخلّى الأفراد عن حريتهم واختلافهم، ويلتحقون في القطيع. شعب من الضحايا المنضوية تحت راية التماثل، منصاعةً بطوع ارادتها لجلادها. ولن يكون دون ــــ الشخصيّة الرئيسيّة في الفيلم ــــ مختلفاً: هو أيضاً سيتكتّم على كل الممارسات اللانسانيّة التي كان شاهداً عليها... حفاظاً على عمله ومنصبه وامتيازاته.
كان يمكن لـ «أمة الوجبات السريعة» أن يكون اشد إيلاماً في نقده للبنية الاقتصادية والثقافية الأميركية، لو عرف المخرج توظيف المادة التي بين يديه بطريقة بصرية ودرامية متماسكة. لكنّ العمل لم يأتِ على مستوى الأفكار التي يحتويها. بل جاء مفكّكاً، عبارة عن مسرح تتحرّك فيه الشخصيات من دون أن تتفاعل. وغاب النسيج الدرامي الذي يربط الأحداث ويستولدها، فيما استولت الخطابة المباشرة على السيناريو (وضعه المخرج نفسه مع اريك شلوسر) فقاربت السذاجة في بعض الأحيان.
ولعلّ نقطة القوّة الوحيدة في «أمة الوجبات السريعة» تكمن في خطابه النقدي والفكري. لكنّ المخرج ترجمها بطريقة سردية «مضجرة» على لسان أبطاله. يكشف لنا لينكلايتر الاستراتيجية الترويجية لتلك الشركات، سياسة تسويقية تركّز على المدارس والأطفال، تقصفهم بسيل من الابتكارات التي تطوّعهم وتجعلهم كالعبيد الأوفياء لمطاعمها. وفي الكثير من المشاهد، نتذكّر فيلم «بابل» خصوصاً في مقاربة المخرج لفكرة التنقّل في زمن معولم، فهذا التنقّل على الحدود سيصطدم حتماً بحاجز لا يمكن عبوره... هو الجدار الذي يفصل الجنوب الفقير فضاء الضحايا والمستغَلّين (بفتح العين)، عن الشمال الغني فضاء الجلاّدين والمستغِلّين (بكسر اللام).
مثل فيلم مايكل مور، يمرّر رسائل عابرة عن التغيّرات السلبيّة التي طاولت الولايات المتحدة في حقبة بوش الابن، كالتعدّي على الحريات الفردية باسم الأمن القومي. كما يدعو بطريقة مباشرة إلى محاربة هذا النظام الرأسمالي، من خلال شخصيّة أمبير التي تستقيل من عملها، وتنضم إلى مجموعة شابة تسعى إلى «تحرير» الأبقار ليلاً من المزرعة، احتجاجاً على الضرر البيئي التي تلحقه مصانع الشركة في البلدة. لكنّ الفيلم لا يقع في خطابيّة «نضاليّة» تروّج لأوهام التغيير، بل يترك مصير أبطاله وشخصياته معلّقاً، والنهاية مفتوحةً على كل الاحتمالات. نشاهد بعيني العاملة المكسيكية سيلفيا، وحشية تلك الآلة في مشهد يظهرها في المسلخ حيث رؤوس الأبقار تُقطع بعنف، والدم ينفر ملطّخاً المكان... هل ان أضحيات الأزمنة ما بعد الحديثة التي تقدّم على مذبح التطوّر والرخاء الكاذبين، صورة مجازيّة عن الأكثريّة الصامتة التي يسفك دمها على مذبح نظام اقتصادي هائل، لتستمرّ آلته في الدوران؟ ندرك بأية حال، أن محاولات تغيير في اتجاه عالم أكثر انسانيّة وأكثر عدالة، لن تكون سهلةً بتاتاً، إذ نحن في مواجهة نظام اقتصادي فظيع، أدرك حاجاتنا ومخاوفنا، فاخترع لنا عالماً من الأحلام يشبه الخدع في الأفلام الهوليووديّة!
لكنّ هذا الاكتشاف لن يثنِ أسراب المهاجرين السريين من مواصلة حلمهم، والمخاطرة في اجتياز الحدود ليلاً بين المكسيك والولايات المتحدة. يعود بنا المخرج إلى تلك الحدود، حيث أطفال يعبرون الصحراء متعثّرين بأحذية تحكي عن ضحايا سابقة حاولت عبثاً بلوغ الضفة الأخرى. الأطفال نجحوا في عبور الحدود، وها هو «زعيم» المافيا ينتظرهم لينقلهم إلى جلاّديهم، وفي يده وجبة من وجبات «ميكي ». الزعيم الذي يجسّد الحلم الأميركي، يبتسم لهؤلاء المساكين... أما أنيابه؟ فلم يكشّر عنها بعد.

لينا الأندري

المصدر: الأخبار