غويدو تشيرونيتي: العالمُ منفى والجسدُ جحيمٌ

رغم أنّه كان كاتبًا مكثرًا جامعًا لاهتمامات متنوّعة، إلّا أنّ شهرة غويدو تشيرونيتي Guido Ceronetti (1927-2018) لم تكد تبرح إيطاليا، فهو الفيلسوف والشّاعر والرّوائي والصّحفي والمترجم والممثّل وكاتب المسرحيات ومحرّك الدّمى الّذي فاقت مصنّفاته التّسعين تأليفًا وترجمةً، كتب لعديد الصّحف الإيطاليّة وأسّس رفقة زوجته إيريكا تيديسكي مسرحَ دُمى سنة 1970.

يُعدُّ تشيرونيتي أحد أكثر فلاسفة إيطاليا المعاصرين تشاؤمًا، تأثّر بجاكومو ليوباردي واعتبره ملاكًا ساقطًا من السّماء أو بمثابة رسولٍ يبشّر ببطلان العالم، واضطلع بمواصلة مهمّة سلفه المتمثّلة في إنكار العالم والتّجديف على الحياة والكرازة بالفناء. قام سنة 1981 بتقديم الفيلسوف الرّوماني إميل سيوران إلى الجمهور الإيطاليّ، وقد عبّر عن إعجابه به واصفًا إيّاه بالـ”سّفّاح الرّحيم”، فما كان لسيوران إلّا أن يبادله الإجلال ويفرد له فصلًا من كتاب “تمارين في الإعجاب” الّذي عنونه بـ: “غويدو تشيرونيتي، صمت الجسد”، اِلتقى الفيلسوفان في باريس في بداية الثّمانينيات وتبادلا بعد ذلك بعض الرّسائل، جمعتهما  صداقةٌ مؤسّسة على تشابه كبير في مواقفهما الفلسفيّة وطباعهما الشّخصيّة، لقد رأى سيوران في تشيرونيتي صورةً متكاملةً لنزعاته الزّهديّة وشكوكيّته، تجسيدًا لكلّ ما أراد أن يكونه هو.

جديرٌ بالجسد اسم الجحيم وفق رؤية تشيرونيتي الّتي تكشف عن نزعة غنوصيّة محدثة، إنّ الإنسان في نظره “زبّالٌ”، “روحٌ تجرجر جثّةً”. إنّ الحياة في الجسد المتفكّك حالة جحيميّة لا تنتهي إلّا بالموت، إنّها بمثابة الدّراما الأسخيليوسيّة على حدّ تعبيره. يقول: “حتّى أفقر الحيوات وأكثرها بؤسًا تُعدُّ دراما أسخيليوسيّة إذا ما فكّرت في تراجيديا الوظائف الجسديّة، همسُ الإفرازات، صمتُ الأعضاء، إجهادات الذّاكرة، تخبّط الصّوت، دوران الدّماء، الحمّى القاتلة، مشاغبات الكائنات الدّقيقة، الحروب المنويّة، الانفجارات الخلويّة، آفات الأعصاب، الأقدار البيوكيميائيّة، المصير الّذي يُعرّضك ببطء ولكن بثبات إلى العدوى والتّقرّحات والدّمامل المنفجرة وأفاعي الجنون وعاهرات الجوع الغاضبة”.

تُعدُّ حياة تشيرونيتي مثالًا على حياة النّاسك العلماني، ذلك أنّه اتّخذ أسلوب حياة يتميّز بالبساطة الشّديدة، وزهد في أكل اللّحوم معتبرًا الأنواع الحيّة الأخرى رفقاءنا في الحياة، واعتمد نظامًا غذائيًا نباتيًا واستنكر الإسراف في الأكل قائلًا: “كلّ ما لا تأكله جيّدٌ لصحّتك”. كما امتنع عن الإنجاب واتّخذ موقفًا صارمًا تجاه التّناسل البشريّ قائلًا: “يجرؤ الإنسان على السّماح لنفسه بأن يكون قاسيًا، حين يرتكب-بكلّ هدوء وبشكل متكرّر- أفظع الأعمال على الإطلاق: أن يُحدث كائنات لم يكن لتُوجد أو لتعاني وأن يحكم عليها بأهوال الحياة”، وانتقد موقف الكنيسة السّلبي من تحديد النّسل، يقول: “تُظهر الكنيسة، من خلال رفضها تحديد النّسل، أنّ دعوتها البدائيّة للكارثة العظمى لم تنطفئ”، وعبّر عن دهشته من معاداة الإجهاض وتأثيمه، بدل اعتباره الاختيار الأكثر خيرًا وصلاحًا، يتساءل تشيرونيتي: “كيف لامرأة حبلى أن تقرأ صحيفة دون أن تجهض على الفور؟ أنّى لنا أن نحكم بالشّذوذ والمرض العقليّ على أولئك الّذين يرعبهم الوجه البشريّ”؟… لكن هل سيُوقف الإنسان الآلة التّكاثريّة؟ يبدو ذلك متعذّرًا:” لن يفقد النّاس شهوة الإنجاب ما استمرّت رغبتهم في القتل”. كما اتّخذ تشيرونيتي سنة 2008 موقفًا مساندًا للحقّ في الموت الرّحيم بسبب قضيّة الفتاة إلوانا إنجلارو الّتي دخلت الحالة الخضريّة الدّائمة إثر تعرّضها إلى حادث مرور، وكتب عنها قصيدةً بعنوان “أغنية الملاك الجريح” واصفًا سنوات غيبوبتها المستمرّة بـ”17 سنة من الاغتصاب”.

يعادي تشيرونيتي عقيدة التّقدّم، ويرتاب من التّقنية وتبعاتها إلى حدّ اعتبارها رزيّة عظيمة ألمّت بالإنسان المعاصر فزادت في فساد وضعه وجمّدت فيه الإحساس إلى درجة أنّه لم يعد يشعر بالسّقوط بسبب الشّلل الّذي أصابه في مداركه. يقول: “لا يحيا المرء في انتظار كارثة، فالكارثة حيّة داخل الإنسانيّة المعاصرة؛ وكلّ تقدّم تقني قاهر يُحدث اضطرابات فاجعة كانت لتُجمّد قلوبنا لو لم تفقد إحساسها. لقد تمّ تعطيل الإحساس بالسّقوط عبر إيقاف قلب الإنسان السّاقط”، لم يعد الإنسان يشعر بالكارثة من فرط تماهيه معها، ذلك أنّه “كلّما أوغلنا في المأساة، تضاءل شعورنا بها”.

يبغض تشيرونيتي النّوع الإنسانيّ ولا يرى فيه خيرًا، وينتقد الميزوجينيّة، ليس حبًّا في الجنس الأنثويّ، بل لأنّ الكراهية ينبغي أن تشمل الجنسيْن. يقول: “إذا كانت كراهية النّساء ابنة الغموض فإنّ كراهية البشر ابنة المعرفة. تزداد كراهيتنا تجاه البشر كلّما زادت معرفتنا بهم. بيد أنّ كاره البشر الحقيقي لا يفرّق بين الجنسيْن: إنّه لا يحبّ الإنسان في كلتا النّسّختين اللّتين اقترحهما الخالق”. ليست الكراهية في هذا السّياق من قبيل الموقف البسيكولوجي، بل تُعدُّ موقفًا معرفيًّا يقوم على تصوّر سلبي للطّبيعة الإنسانيّة، ذلك أنّه حيثما حلّ الإنسان حلّ الخراب، يقول: “إنّ الكارثة الأعمق ليست تدمير المدن الّتي يقطنها الملايين، بل وجودها”. يتّسم الإنسان في نظر تشيرونيتي بالنّشوز على الطّبيعة، فهو كائنٌ مفسدٌ يعبث بالأرض ويُلحق بها الويلات، إنّ “الإنسان والأرض زوجان كثيرا الشّجار يضايقُ صراخهما النّجوم القريبة”، الأرض بالنّسبة إلى الإنسان منفى، والإنسان بالنّسبة إلى الأرض سرطانٌ، و”بما أنّ الإنسان سرطانٌ، فإنّ احتمال انبثاثه في الكواكب الأخرى لا يبدو مستبعدًا”.

مثل معظم متشائمي أوربا، فضّل تشيرونيتي النّصوص الهندوسيّة والبوذيّة، والأدبيّات الوثنيّة الرّومانية، على التّراث اليهو-مسيحي، واستعاض عن الكتاب المقدّس بالبهاغافاد-غيتا والأوبانيشاد، يقول: “لسنوات عديدة، لم أغادر المنزل دون التّحقّق أوّلا ممّا إذا كانت جيوبي الدّاخليّة محتوية على طبعة مصغّرة من كتاب البهاغافاد-غيتا، مثل مفتاحٍ أو دواء طوارئ”. في مقابل ذلك، اعتبر الإله الإبراهيميّ حالة فصاميّة مستعصية، يقول:” إنّ أعظم مثال على الفصام هو إله موسى والأنبياء، إله العهدين القديم والجديد. وليس في وسع أي طبيب نفسي وصف علاج له”. ورغم ذلك جعل تشيرونيتي من بعض أسفار الحكمة والشّعر والنّبوّة الّتي تتميّز بنبرتها العدميّة وروحها الشّعريّة استثناءً، بل قام بترجمتها، فقد نقل إلى الإيطاليّة أسفار الجامعة ونشيد الأنشاد والمزامير وأيّوب وأشعيا، ذلك أنّه كان يتقن اللّغة العبريّة القديمة بالإضافة إلى إتقانه اللّاتينيّة الّتي ترجم منها لجوفينال وهوراس وكتولوس ومارتياليس.

شذرات أخرى:

(جميع الشّذرات والاقتباسات الواردة في هذا النّصّ مأخوذة من الكتب التّالية: “صمت الجسد” و”حشرات بلا حدود” و”هشاشة الفكر”و”أفكار الشّاي”)

  • إذا ما استعصى عليك فهم كلمة فبدت لك غامضة، لِمَ تعيب كاتبها أو قائلها، لمَ تحاول -من دون داعٍ- فهمها وتغضب حين لا تُدركها؟ إنّ الرّسالة -بكلّ بساطة- موجّهة إلى غيرك. تصل الرّسالة إلى حيث ينبغي لها الوصول.
  • تطعن كلمات المتفائلين أعداد شهداء الأرض اللّامنتهية في أظهرهم.
  • إذا كان العالمُ من خلق الشّر، فعلى الخير أن يُفنيه.
  • إذا كنتَ صديقًا للكائنات الحيّة، فعليك أن تكون عدوًّا للتّناسل البشريّ. إذا كنت تحبُّ الكائنات البشريّة، فلا تصنع المزيد منهم.
  • من الجيّد التّفكير أنّ حياة الجميع ليست إلّا سلسلة من الأخطاء وأنّ تاريخ العالم مجرّد مظهر وجنون. من الجيّد التّفكير أنّ كلّ شيء كان يمكن أن يسير بطريقة مختلفة (…)، أنّ الثّورة الصّناعية كانت جريمة وأنّ سيادة التّقنية الحاليّة فقدانٌ لأصالة الإنسان وجوهره وخضوعٌ لسلطة متوحّشة. إنّ هذا التّفكير يعمل بشكل جيّد ويُنير، يجعل الحياة والموت أفضل قليلا.
  • الحبّ رحلة طيران متهرّبة من رادارات الإدراك.
  • إنّ الإنسان الّذي يفكّر لا يعِظُ ولا يملك مصادح، وهو في الحقيقة لا يميل إلى القيام بذلك.
  • الجمال هو الجسر الفريد الّذي يصلنا باللاّمتناهي. يبدو أنّه يحدُّ من الشّر البشريّ الّذي لا يُحتمل.
  • يستجيب الحريق العظيم القادر على إذابتنا إلى حلمٍ قديم.
  • إنّ الرّوح المتعفّنة أسوأ كثيرًا من اللّحم.
  • تُعلّمنا تجربتا الاجتماع والتّاريخ أنّ الإنسان كائن غير مفكّر بامتياز.
  • إنّ السّؤال الأكثر سخافة والأكثر وقاحة الّذي لا يُحتمل، والأكثر شيوعًا أيضًا والأكثر تعدّدًا في اللّغة والأكثر اضطهادًا، عبر الهاتف أو وجهًا لوجه، السّؤال الّذي يُعرّض أولئك الّذين يحبّون الحقيقة للتّعذيب، لأنّه مصوغ للحصول على إجابة، على كذبة بائسة، هو: كيف حالك؟
  • يُشبه التّفاؤل أوّل أكسيد الكربون؛ ذلك أنّه يقتُل تاركًا بصمة ورديّة على الجثث.
  • ماذا في وسعك أن تفعل وحيواتنا البائسة شاهدةٌ على النّهاية؟ إمّا الاستمرار في الصّمت أو الانتحار أو الخضوع.
  • من يتسامح مع الضّوضاء يُعدُّ جثّة بالفعل.
  • يُبارك البابوات الذّئاب والحملان معًا، مُفترِسين ومُفتَرَسين.
  • أكثر عبارة مُطَمئِنة يخبرنا بها الجرّاحون وأطبّاء السّرطان هي: لقد فات الأوان!
  • معظم مخاوفي، حول أسقام البدن، متعلّقة بالأطباء وعلاجاتهم، وليس بالمرض.
  • كلّ شيء عبارة عن تشتّت، تمزّق، انفصال، دحرجة عجلة بلا عربة، ويحمل هذا اسم المنفى، أو العالم حتّى.

 

ياسين عاشور: الأوان