مفهوم "الذات عينها كآخر" انطلاقاً من مسلسل Dark

جوي سليم: 

ماذا لو عدنا إلى الماضي والتقينا بأنفسنا آنذاك؟ مثل يوناس وكاتارينا وكلاوديا... ماذا لو التقى فلان الأربعيني بنفسه العشرينية وجهاً لوجه، وحاول تقديم نصيحة لها أو نهيها عن سلوك مسارٍ ما؟ سيبدو كمجنون حتماً. تماماً مثلما نعتت كل شخصية في الماضي نفسها الأكبر سنّاً أثناء المواجهة.

في الحقيقة إن مواجهتنا مع ذواتنا ليست حكراً على قصص الخيال العلمي. نحن نفعل ذلك باستمرار من دون أن ندري. الفيلسوف الفرنسي بول ريكور (Paul Ricœur) كان أحد الذين تناولوا هذا السؤال حين عالج مفهوم "الهوية السردية".

في إجابته على سؤال "من أي تأتي فكرة الـ(أنا)"، ميّز ريكور بين مفهومين: التشابه والذاتية (Mêmeté/ Ipséité). كل نفس تتألف من هوية ثابتة ومن هوية ذاتية. الأولى تتضمن ما هو مطابق في الإنسان، ما هو متشابه (Idem) بين الجميع. أما الثانية، الهوية الذاتية (Ipsé)، فهي المكوّن "الآخر" في الشخصية، هي ما تتركه الحياة في النفس، ما يطبعه العالم الخارجي في الإنسان.

الفكرة الكبرى لدى ريكور كانت "الذات عينها كآخر" (Soi-même comme un autre)، وهو عنوان أحد مؤلفاته. في التشابه، نجد الهوية المحافظة على نفسها بالرغم من كل التغيرات حولها. هي "الجوهر" أو الشيء المتجمّد. هي ما يقلّص الإنسان إلى شيء. أما الهوية الذاتية، فهي الجانب المتغيّر في النفس، البعد التفكّري (reflexif) فيها.

الهوية الثابتة هي "الأنا المباشرة". الأنا المباشرة تطابقية: الشيء نفسه الذي لا يتغير. تماماً مثل البصمة أو الكود الجيني. بينما الذاتية تتألف من الزمنية ومن الوعد المتجدد. الهوية الذاتية هي التي "تمرّ في معمودية الغير". هنا نجد في النفس ما علق عليها من الآخر. الذات تمرّ بالآخر كي تصل إلى "الأنا". وهي التي تتغيّر بمرور الزمن.

في الذاتية، أمرّ بالآخر كي أصل إلى نفسي: أشاهد أفلاماً، أقرأ، أسمع وأرى وأتواصل مع الآخرين. 
لذلك، إن فكرة لقاء النفس الحالية بتلك الأصغر سنّاً، تبقى فكرة مثيرة جداً لأنها ترمز إلى لقاء الثابت بالمتغيّر، لقاء الشبه بالاختلاف، لقاء الجوهر بالذات المتحوّلة، لقائي بالآخر الذي في داخلي.

في الشخصية هناك شيء يبدو أنه معطى سلفاً. هنا نكون في مستوى الهوية. أما اللحظة الأهم فهي اللحظة التي تتكوّن فيها الشخصية. لحظة المبادرة، لحظة الحرية، لحظة الجِدّة. هنا نكون في مستوى الذاتية. الذاتية هي أخذ المبادرة، اختراع شيء ما. الذات تمرّ عبر الآخر كي تصبح ذاتاً ويمكن القول إن الذات نفسها تصبح آخر.

لحظة مواجهة الذات إذاً ليست فكرة خرافية تماماً. هي تحدث غالباً. تحدث بعد التجارب التي نخرج منها "أشخاصاً آخرين"، تحدث عندما نكتشف الجديد في ذواتنا، في تصرف ما، في فكرة ما. عند هذا الحدّ، نشاهد أثر "الآخر" في النفس. ولا نقصد بالآخر، الشخص الآخر، بل كل ما هو "في الخارج"، كل ما هو ليس أنا.

الآخر هو المرجعية الدائمة للذات لدى ريكور. يقول: "الآخر ليس نقيض النفس أو المقابل لها، ولكنه ينتمي إلى التكوين الحميم جداً للذات". 
لذلك إن هيرمينوطيقا الذات (تأويلها) عند ريكور، هي فهمٌ للذات عبر فهم الآخرين.

يقف ريكور ضد الأنا التأسيسية التي نجدها لدى ديكارت وكانط. يرفض الأنا المباشرة، "الأنا أفكر" في كوجيتو ديكارت.يصيغ في المقابل "الأنا التوسطية". عنده تخلّت الأنا عن غرورها، عن حقيقتها المطلقة، نزلت إلى الأرض ومرّت في وساطة الغير، حتى أصبحت ذاتاً. 
الذات عينها كآخر، هي تجربة يومية لا تقل رهبةً وجمالاً عن تلك التي نشاهدها في "دارك".