مذاق الموت .. هل يَبكي علينا العالم مثلما نَبكي عليه؟

“هل يَبكي علينا العالم مثلما نَبكي عليه؟” يتبادر إلى ذهني في الأشهر الأخيرة هذا السؤال بشكلٍ شبه مستمر. منذُ الإعلان عن وباءِ كورونا، واشتدت حدة السؤال نفسه عند آخرين غيري واتسعت بنا جميعًا حلقة التساؤل؛ وذلك لأن الأمر قد تحوّل خلال أيام من مُجرّدِ وباءٍ محلّي إلى وباءٍ جائح، مما أدى إلى بث الذعر، والتساؤلات عن المستقبل في عقولِ الكثيرين، وكيف سيكون الشكل الجديد للعالم بعد حل هذه الأزمة؟ نجلب اليوم بعض صور الموت (ثقافته ومفهومه) بدايةً من الحضارةِ المصريةِ القديمة وانتهاءً برؤية الأديب نجيب محفوظ عنه. وفي إطار هذا التساؤل استطعت أن أتوصّل إلى أنَّ: العالم لا يبكي على أحدٍ أبدًا، وأن الأقوال الميتافيزيقية التي تدّعي عكس ذلك ما هي إلّا محض ترهات.

 إن الميتافيزيقا رغم ضرورة وجودها في حياة الإنسان لتقوم بتأصيل فكره الدنيوي داخل إطار تعامُلي (تقليدي) مُعين، إلّا وأنها في الغالب تكون عامل السخرية الأول على أفكارنا وثقافتنا في مثل هذه المواقف التي يوحدها الخوف.

“الموت كدافع للخلود.”

“المصريون لم يتقبلوا الموت فعلًا، ولكنهم أيضًا لم يقصوه. فالموت وجد أمام أعينهم بالفعل في شكلٍ متعدد، وعلى عكسِ ما يبدو لنا في شكلٍ لا نقبله أيضًا. وفي الحضارة المصرية يمكن للمرء أن يلاحظ بشكلٍ لا يوجد في أي حضارةٍ أخرى، ما يُسمّى، عدم تقبل الموت، وفي الوقت نفسه وضعه في مركز كل الحواس والسعي، والتفكير والتصرف، وجعله موضوعًا للتكوين الحضاري بطريقة متعددة. لقد كره المصريون الموت وأحبوا الحياة.”– جان أسمان، الموت والعالم الآخر في مصر القديمة، ترجمة: محمود محمد قاسم.
يبدو بديهيًّا أن أسمان قد فهم الطبيعة المصرية عن طريق النظر إلى كل ذلك الإرث الذي تركه الفراعنة، والتي هي (رغبة الخلود) صفة مشتركة أيضًا في الإنسان المصري الحديث, فإنه شد ما يخاف الموت، ويكره العدمية التي هي من شأنها أن تسخر من التمسُك بالحياة التي تخلو من أي معنى.
دائمًا ما كان الموت هو المُحرّك الأول للبناء، والتشييد لدى الإنسان المصري القديم رغم أن الحديث عنه لم يكن مرغوبًا في الحضاراتِ القديمة، ولكنه كان في عقولِ المصريين يعدّون أنفسهم لاستقباله يومًا بعد يوم؛ ولذلك حاولوا بكل الطرق أن يُخلّدوا أنفسهم وحضارتهم عن طريق شواهد القبور التي نراها اليوم والآثار الكثيرة التي يفتخر بها الإنسان المصري الحديث رغم أن سبب إنشائها في الأصل كان: الخوف من فكرة الموت قبل الإبداع أو أي شيء آخر.

“الموت وفناء السيرة.”

كان عقابًا شديدًا لمن يُعادي الملك في الحضارة المصرية القديمة: أن تنقطع سيرته بعد موته، ويُحرم من الخلود بهدم أعماله وطمس معالم حياته بالكامل, فلا يذكره أحد بعد ذلك نهائيًّا. من الممكن أن نُرجع الأفعال البشرية مِن: خير، نجاح، وبناء إلى فكرة البقاء (التخليد) المزعومة، كما حدث في الملحمةِ الأولى التي تمت كتابتها في التاريخ البشري عن طريق الكتابة المسمارية، وهي ملحمة الملك جلجامش، التي دوّنها شعب مدينة الوركاء الواقعة على ضفاف نهر الفرات، وواظبوا على ذكرها حتى وصلت لنا في جميع الحضارات.هل الموت فضيلة في النهاية إذا كُنّا أصحاب مكانة مرموقة في المجتمع أم رذيلة إذا كنا مجرد جماعة من الحرافيش؟ وإذا كان العالم عدمي كما يرى الكثيرون فلماذا نعمل؟ ولماذا نخاف الموت هكذا؟، وكما قال الرسام بيكاسو عندما سُئِل عن معنى أحد لوحاته الغير مفهوم: “تُريدون مني رسم لوحات ذات معنى في عالمٍ بلا معنى!”

“فلسفة موت الإله.”

“قفز المجنون إلى وسطهم واخترقهم بنظراتٍ من عينيه. أين الإله؟ صاح فيهم: أنا سأخبركم! لقد قتلناه – أنتم وأنا! نحن جميعًا قتلة. مات الإله! ويظل الإله ميتًا! ونحن من قتلناه! كيف يمكننا أن نعزي أنفسنا، نحن أكبر القتلة؟ إن أقدس وأعظم ما امتلكه العالم قد نزف دمه حتى الموت بطعنات مُدانًا: من سيمسح هذه الدماء عن أيدينا؟ أي ماء سيطهرنا؟ أية مراسمٍ تكفيرية، أية ألعابٍ مقدسةٍ يجب علينا أن نبتكر؟ أليس عِظَم هذه الفعلة شيئًا يفوق طاقتنا؟ ألا يجب علينا أن نصير نحن أنفسنا آلهة لمجرد أن نبدو جديرين بهذه الفعلة؟”– الرجل المجنون من كتاب العلم المرح لفريدريك نيتشة.
في كتابه، العلم المرح أشار الفيلسوف الألماني إلى موت الإله، وكان ذلك نتيجة لِما حدث بعد عصر الأنوار من تعزيز قدرة الإنسان على تفسير الكون بالعلم وقوانينه الفيزيائية دون الحاجة إلى نصوصٍ دينية أو ما شابه. فهل مات الإله فعلًا حسب النظرية النيتشويّة، أم تخلّى عنّا؛ لأننا لم نعُد نستحق عنايته؟ نجد الدينيّون بعد إغلاق دور العبادة يأولون ذلك على أنه غضب من الرب وأن الله لم يعُد يُريد البشر في صوامع العبادة، ونجد البعض يقول أنه غضب الطبيعة وأنها تثور على البشر لوقتٍ غير معلوم، ويرى أصحاب نظرية المؤامرة أن كل ما يحدث الآن ليس إلا سلاحًا بيولوجيًّا صُنِعَ ليفتك باقتصاد بعض الدول، فهل اختلفَ مذاق الموت الآن أم أنه باتَ مجهولًا لا يُعرف من أين يأتي؟نحنُ البشر، نحنُ من نخاف الموت حقًّا، وندافع عن الحياة بشدّة، فصدقًا لمن قالوا أنها حياة واحدة، وعلينا أن نحياها بأي شكلٍ من الأشكال. سنحارب الكورونا، كما حاربنا الطاعون وغيره من الأوبئة. سنُحارب الفكرة، أو حتى المُعتقد الذي يكون ضد طبيعتنا التي تتطلب الخلود وتقاتل شبح الموت بأداة لم ولن تصلح أبدًا لإزالته من الطرقات, وهذا هو مذاق الموت، أن نُحارب دون يأس ونحنُ نعلم النتيجة التي ستحدث عاجلًا .