“قلاية الموارنة”

“قلاية الموارنة”

في قلب حلب، وعند منتصف شارع التلل، ينعطف الماشي على قدميه باتجاه الشمال، ويقطع مئةَ خطوةٍ تقريباً ليجدَ نفسَه أمام تمثال المؤرخ واللغوي واللاهوتي الحلبي المطران جرمانوس فرحات (1670-1732).

هناك على اليمين ثمَّة زقاقٌ صغير يتَّجه صَوْب الجنوب، يقطعه الماشي خلال أقل من دقيقة، دون أن يستطيع تجاوزَ رائحة الياسمين، ولا عبَق أشجار النارنج التي تتدلى أغصانها من مطرانية الروم الكاثوليك الواقعة على طول الزقاق من جهة الشرق.

في منتصف الزقاق منعطف صغير، ستجد في بدايته باباً خشبياً، افتحِ البابَ وادخلْ؛ ها أنت الآن في عالم آخر، عالمٍ مختلف عن الدنيا التي يمثلها شارع التلل الصاخبِ بالأضواء والأصوات والحركة، الكثيفِ بالأشخاص والأشياء.

ستشعر أنك تركتَ الحاضرَ وراءك، ولكن ليس لتعودَ إلى الماضي، إنما لتعيش مع التاريخ بكل ما فيه من حياة وخبرات.

أنت الآن في قلب عالم من الهدوء والسكينة، حيث تكادُ تسمع همسَ الأحجار، التي تعشَّقت روائحَ الأرواح التي استوطنت هذا البيت على مدى ستة قرون تقريباً، وحيث تغرب الشمس على عبق الغاردينيا والياسمين الذي تسَّلق الحيطان، دون أن يغطي عطرها على شذى زهرة “الشفلّح”، أو “القبّار”، النابت من تلقاء نفسه بين مسامات الجدران.

أنت في بيت يسمّى “قلاية الموارنة”، والقلاية اسم انحدر إلى اللغة العربية من اليونانية القديمة مروراً بالسريانية، ويُطلق على المكان الذي هو خلوة النساك أو صومعة الرهبان وسكن الأسقف.


ترتفع جدران القلاية حولك حتى تكاد تصل إلى عشرة أمتار ارتفاعاً، وتنخفض درجاتُ أقبيتها والمغارةُ التي تحتها لما يقارب عشرة أمتارٍ أخرى تحت سطح الأرض، حتى تصلَ إلى “سرير النهر” حيث يمكنك أن تمدَّ يدك لتشرب من المياه الجوفية مباشرةً، في فِعلة قدسية لا تروي ظمأك إلى الماء فحسب، ولكنك ستشعر معها أنك تحررت من أكثر قيودك، ورجعتَ لتلتصق بالأرض والتراب، وكأنك قد خُلقتَ منها قبل لحظات، ولم يجفَّ طينُك بعد!


كنت أنزل من فسحة الدار إلى القبو الكبير الذي يحمل فوق قناطره العجيبة طابقين من البناء، ومن القبو أتابع النزول باتجاه المغارة، التي تظهر على جدرانها الكلسية بوضوح آثار الإزميل الذي حفرها. لكنَّ أرضَ المغارة ليست نهاية المشوار، فهناك درجٌ منقور في الحجر، درجٌ لولبي ينخفض بضعة أمتار، وصولاً إلى البئر الممتلئ حتى الحافة دوماً، حيث بإمكانك أن تتناول بين أصابعك ذاك الماء الذي أخبرتك عنه.


كان هذا البئر مصدرَ المياه النقية الذي اعتمدنا عليه عند انقطاع المياه ما بين صيف 2012 وربيع 2015، وما أكثرَ ما كانت تنقطع المياه، وينقطعُ معها الخبز والخضار وكثيرٌ من مقومات الحياة في تلك السنوات الحالكة.


عندما خرجتُ مع عائلتي من بيتنا في أول أيام رمضان، تموز 2012، لم نتوقع لحظةً أننا لن نرجع إليه، وأننا سنفقد معه كُتبَنا وأشياءنا وصُورنا والذكريات.


لم يكن لنا أي مكانٍ نلجئ إليه، فمعظم مَنْ حولنا منَ الأصدقاء والأقرباء كانوا في الوضع نفسه. كنَّا مشردين دون أن ندرك، وليس معنا إلا الثياب التي نلبسها! بعد ثلاثة أيام من التنقل حطَّ بنا الترحال في “قلاية الموارنة”، أو دار المطرانية القديمة، بدعوة مُلِحَّة من طيّب الذِّكر المطران يوسف أنيس أبي عاد رحمه الله، رئيس أساقفة حلب وتوابعها للموارنة.


كانت الفكرة تبدو غريبةً لكثير ممَّن علموا بها، بينما استنكرها آخرون؛ فكيف يسكن شيخٌ مسلم مع عائلته في بيت لعلَّه أكثر الأماكن خصوصيةً لدى المسيحيين الموارنة بحلب؟! كيف يعطي المطران مفاتيح هذا المكان المقدس – الذي سكن فيه البطريرك أسطفان الدويهي (1630-1704)، والمطران جرمانوس فرحات – لشيخ يؤذّن فيه ويُقيم صلاةً أخرى غير تلك الصلوات التي كانت تصدح بها حناجر الرهبان والمصلين لمئات السنين؟!


هذه المفارقةُ التي استغربها بعضُهم كانت تمثل بالنسبة إلى المطران والشيخ معاً الرسالة التي أحبّا أن يسمعها الناس، وأن تكون تعبيراً عن حقيقةٍ راسخة، وهي أنّ الشرّ لا يمكن أن يُقاوَم بالشرّ، وأن الحرب لا تُطفَئ بمثلها، وأنّ مواجهة الفتنة وبناء البلد لن يكون إلا بالتآلف والتعاون والمحبة والعطاء والإيثار.


ولعلَّ “قلاية الموارنة” نفسها، والحيّ الذي تقع فيه بأكمله، وهو حي الجدَيْدَة، يمثلان جزءاً من هذه الحقيقة، فهذا الحيّ الذي عاش فيه المسلمون والمسيحيون معاً على مدى قرون، وامتاز بغناه المعماري والإنساني الفريد، إنما بُنيَ بعد الزلزال الدموي المدمر الذي أحدثه غزو تيمورلنك لحلب سنة 1400م، فجاء الحيّ آيةً من الجمال والإبداع، وكان فوق ذلك لوحةً بديعة من الحياة الإنسانية المشتركة، بما فيها من عُسْر ويُسْر.


في هذا البيت “قلاية الموارنة” أمضيت مع عائلتي السنوات الأولى من عمر الحرب في سورية، دخلنا إليه في رمضان، نازحين من بيتنا الذي اغتاله الدمارُ فيما بعد ونحن بعيدون عنه، ثم خرجنا من “القلاية” يوم عيد الفصح، نازحين للمرة الثانية خلال الحرب، بينما كانت قذائف الهاون تتطاير من حولنا، ومدفع جهنم – هذا المدفع الذي تمّ اختراعه من أجل حلب خاصةً – يرمي أسطوانات الغاز المتفجرة في كل مكان، وكان نصيب “قلاية الموارنة” التي أصبحت “بيتي” عدَّة جرات منها، انفجرت إحداها فوق سقف غرفتي فأحدثت فيه ثقباً هائلاً.


وما بين رمضان 2012 وفصح 2015 كانت لنا في هذا البيت حياةٌ لا تنسى، حياةٌ مليئةٌ بالمعاني والذكريات الجميلة، رغم كلِّ الخطر الذي كان يهدّد الحيَّ كله، أكثر مما يهدد باقي المدينة، ويكفي للدلالة عليه أنَّنا تعرضنا فيه للقصف ثماني مرات، تلقَّينا فيها كلَّ أشكال المتفجرات، ما بين الرصاص بكافة أنواعه، إلى قذيفة المدفعية والعبوات الناسفة وقذائف الهاون من مختلف القياسات؛ انفجرت كلُّها داخل البيت، وذلك غير القصف الهائل الذي حصل يوم عيد الفصح 2015، والذي اضطرنا للنزوح الثاني، الذي كان أشدّ ألماً، وباعثاً على الشعور بالقهر أكثر من الأول، فقد كنّا – بحكم خبرة النزوح الأول – عارفين بما نحن مقبلون عليه.

صيب البيت في ذلك اليوم الذي لا ينسى من سنة 2015 بما لا أستطيع إحصاءَه من القذائف، وتطايرت أشلاء أحجاره وتساقطت درجاته وتمزقت نواحيه كما يتمزق قلبُ الأمِّ الثكلى. وأنا أذكر أحجار البيت لأن من عايشها يدرك أنَّ لكل واحد منها حكايةٌ يمكن أن يرويها، لو أنصتَ له السامعون.


كانت هناك أحجار تحمل زخارف مختلفة، توزعت في مختلف أرجاء الدار، وأخرى تجدُ عليها نقوشاً تحوي تواريخ عديدة تشير إلى المراحل المختلفة التي مرّت بها عملية بناء قلاية الموارنة، التي بدأت حوالي 1468م، وربما قبل ذلك، إذ ينقل الأرشمندريت أغناطيوس ديك في دراسته عن الطوائف المسيحية في حلب، نصاً يذكر عملية ترميم لكنيسة النبي الياس “القديمة” للموارنة، جرت عام 1500م، وقلاية الموارنة هي جزءٌ من حرم هذه الكنيسة، مما يدلّ على أنها كانت قديمة عام 1500م حتى احتاجت لذلك الترميم.


من أجمل هذه التواريخ نقشٌ يعلو مدخلَ القاعة الكبيرة في الدار، وهو يوثق تاريخ تجديد هذه القاعة أو الردهة، عبر بيتين من الشعر، على طريقة “حساب الجُمَّل” المعروفة في الأدب العربي. كنت أتأمل في هذا النقش اللطيف، الذي حفره الحجَّار الحلبي في الحجر الأصفر الرشيق، وكم كانت تدهشني قدرةُ ذلك الفنان على تطويع الحجر الأصمّ ليكون ناطقاً بكل هذا الجمال. كنت أتخيّله جالساً بين حجارته ومزاميله، وقد انحنى على الحجر الفطري، يحفر الكلمات والنقوش الهندسية، ويزينها بتشكيل فائق الجمال للوردة البلدية “وردة الجوري”، في تناغم جميل مع النقوش التي تزيّن البابَ الذي تحتها، حيث ترى الوردة نفسَها منقوشة في الحجر والخشب معاً.


لقد تعرض هذا الباب للأذى نتيجة شظايا القذائف العديدة التي أصابتنا ونحن في البيت، كما تعرضتْ كثيرٌ من معالمِ حلبَ البهيّةِ والساحرة للتدمير المتعمَّد، الذي كان يخدم هدفاً واحداً، هو تقطيعُ الأواصر التي تربط الإنسان بتاريخه وحضارته، أو تجمع بينَه وبين أخيه الإنسان.


في هذا البيت تعلّم أولادي الكثير عن هذه الصِّلات التي توّحد الناس في مواجهة الخوف والحاجة، ومن أجل بناء حياة آمنة وسعيدة للجميع.


كان المطران أنيس أبي عاد يزورنا في البيت بشكل شبه يومي، يحلّ علينا ضيفاً في البيت الذي أهداه لنا، يجلس مع الأولاد، يلعب معهم بعض ألعاب الورق، أو يستمعون معاً إلى مسرحيات الرحابنة، يأتي إلينا صائماً مثلنا، ثم يجلس معنا إلى مائدة الإفطار، ليشاركَنا الطعام والدعاء!


كان البيت بطبيعته يغري بالإقبال على الكتب، ويدعو إلى الصلاة؛ بالهدوء الذي يُشيعه في النفس رغم ضجيج القذائف ورائحة الموت التي تتسرَّب مع الهواء؛ ببساطة بنائه رغم الفخامة التقليدية لأسلوب العمارة الحلبية؛ وبما يوفره من أماكن عديدة يمكن أن تخلو فيها إلى نفسك وإلى الله. في ذلك المكان الفريد، وبالاستفادة من الفسحة التي كان يتيحها للقراءة والتأمل، كانت لي فرصة لكي أحاول فهم أسرار هذا الوطن الذي دخلت منذ 2011 في فصل جديد من فصول حياته، فصلٍ لا يمكن أن يخرج منه أحد الأبطال رابحاً لوحده، وهذا رأيٌ كنت أشترك فيه مع المطران أبي عاد، فإمّا أن يربح الجميع وإمّا أن يخسروا معاً، لأنَّ الإقصاء والاستئثار لن يصنعا إلا الدمار. وبما أننا أشرنا إلى عالم القراءة والكتب، فلا يمكن لنا أن نُغفل الحديث عن “المطبعة المارونية” التي افتتحت عهداً جديداً من تاريخ الطباعة في حلب، منذ تأسيسها على يد المطران يوسف مطر عام 1857، وكانت بالإضافة إلى نشاطها في نشر الكتب الدينية تتولى طباعة العديد من المجلات الصادرة في حلب، حتى بداية ستينات القرن الماضي، كما كان لها مسبك خاص، يقوم بتصدير حروف الطباعة إلى دمشق وبيروت.


لا تزال بقايا آلات هذه المطبعة، ومعظم صناديق حروفها موجودة حتى اليوم في القسم الجنوبي المهجور من “قلاية الموارنة”، وهو القسم الذي كان “كنيسة مار الياس للموارنة”، أقدم الكنائس الكاثوليكية في حلب، والتي هُجرت، وأصبحت مقراً للمطبعة، بعد افتتاح الكاتدرائية الكبرى للموارنة، في ساحة فرحات، أواخر القرن التاسع عشر.


لقد نُسِيَت الكنيسة العتيقة بسبب الحضور الطاغي للكنيسة الجديدة، التي كانت أول كنيسة تُبنى بواجهة مفتوحة على ما حولها منذ عدة قرون، واستخدم البيتون المسلح في بناء قبّتها للمرة الأولى في حلب، كما تمتاز بعدة أيقونات زجاجية وزيتية فريدة، إلا أنَّ ألطف ما فيها كان الساعة التي تتربع على البرج الشمالي للكنيسة، والتي كانت تعزف كلَّ ربع ساعة جزءاً من اللحن الجميل لترتيلة “سلامٌ لك يا مريم”، بحيث يكتملُ اللحن على رأس كل ساعة من ساعات الليل والنهار!

ما دمنا في سيرة الطاهرة الكاملة مريم، فلمَ لا نذكرُ أنَّ قدماء أهل حلب كانوا يؤمنون أنَّ السيدة مريم زارت حلب في الحقيقة، وأنَّها سكنت فيها لفترة من الزمن مع وليدها المبارك، في زمن هروبهم من هيرودس الظالم، وأنها دخلت به إلى إحدى حمامات حلب فاغتسلت معه هناك! والطريف أنَّ الحلبيين كانوا يحددون هذه الحمّام، والخلوة التي اغتسلت فيها، والجرن الذي استخدمته، وهو جُرن في حمام الواساني، الذي هدمته بلديةُ حلب عندما قامت بفتح الطريق الذي يصل ما بين الجامع الكبير وقلعة حلب، والذي يسميه الحلبيون الآن “طلعة خان الوزير”. لا أنصح أحداً بمناقشة هذه الرواية وفق روايات الكتاب المقدس أو أقوال المؤرخين، فللذاكرة الشفهية لدى الجماعات الكبيرة خصوصيةٌ وموازين أخرى، ولكني أوردتها كي تبقى حاضرةً في دراسات من يعتني بالموروث اللامادي لأهل حلب، الذين ابتدع بعضهم للسيدة مريم قصةً أخرى يذكرها الكثيرون، حتى سُمّيتْ بسببها إحدى هضاب حلب المعروفة باسم “جبل السيِّدة”. دعونا نعود حيثَ كنَّا، وقد كنّا في ساحة فرحات، نتأمل الساعة التي تعطلت وأصيب بُرجها عدة مرات بسبب قذائف الهاون التي كانت تتساقط على غير هُدى في حي الجدَيْدَة، مما جعل المنطقة شبه مهجورة لعدة سنوات، إلا من بضع عائلات كانت أسرتي واحدة منها، حتى أنّ كثيراً من الناس كانوا لا يصدّقون أنّ الجديدة لا تزال مأهولة.


والحقيقة أنَّ استغرابهم هذا كان يبدو منطقياً للغاية، وأنَّ السكن في تلك المنطقة كان يظهر كنوع من الجنون، وأنا أعترف أني لا أستنكر هذا التشبيه.


فرغم أنَّ حلب كلَّها قد أصبحت وقتها – كما قيل عنها، ويالَ الأسف – أشدَّ المدن خطورةً في العالم، بحيث استوى شرقها وغربها، وشمالها وجنوبها، فلا تجدُّ منطقةً يمكن أن تقول عنها إنها آمنة. رغم ذلك كان للسكن في المدينة القديمة لونٌ آخر من ألوان المخاطرة، ولذلك يصحّ أن نَصِفَه بأنّه نوعٌ من الجنون؛ لكنه – في اعتقادي الراسخ – ليس جنونَ الخَبَل ولا الهَبل، ولكنه شيءٌ كجنون الشاعر والموسيقي، أو كجنون الشهيد الذي يُقْبِلُ على الموت من أجل أن يحيا أحبَّاؤه! إنَّه جنون الحبُّ، ممزوجاً بشيءٍ من دواعي الحاجة والضرورة؛ والحبُّ لا يخضع لمنطق الآخرين ولا لقواعدهم “العاقلة”، لأنه منطقٌ قائمٌ بذاته، فلا يفسَّره شيءٌ خارج عنه.


كنت من قديمٍ أحبُّ حلب كما أحبَّها وتولَّه فيها كثيرون، وقد ازداد حبّي لحلب وأصبح أكثر بصيرةً بسبب هذه الحرب التي فُرضتْ علينا، وكان لسكناي في هذه البقعة المميزة منها – أعني حي الجدَيْدة عموماً وقلاية الموارنة خاصةً – الفضلُ الأكبر عليَّ وعلى عائلتي في أن نحيا هذا الحبّ، وأن نختبره ونعيش في ألطافه التي أذهبتْ عنّا الكثير من العناء والشقاء.


فإن كانت مثلُ هذه الحياة، ومثل هذا الحبّ جنوناً، فليكنْ. بل إنني أعتقد أن إعادة بناء هذا الوطن لن تكون ممكنة بغير هذا الحبّ، فهو وحده الذي يمنح الإنسان السوريّ القدرة على تجاوز الجروح العميقة التي مزّقت أرواحنا وأجسامنا.


وهذا الحبّ، إنْ كان حقيقياً، يدفع كلَّ واحد منَّا ليتحمل نصيبَه من المسؤولية عمَّا حدَث، ويمنحه في الوقت نفسه القدرة على المغفرة، وبدون المسؤولية والمغفرة لا حياة ولا بناء. لقد أصيب “قلاية الموارنة” في ذلك اليوم من نيسان 2015 بالكثير من القذائف التي سببت لها أذى كبيراً، وعندما عدتُ إليها صباح اليوم التالي لأطمئن عليها، كان الشارع مقفراً، وآثار الخراب تملأ الحارات، وهناك… في الزقاق الذي يصل ما بين “خان الهوكيدون” و”قلاية الموارنة” انفتح باب أحد البيوت العربية القديمة، وخرجت منه طفلة تحمل على ظهرها حقيبة صغيرة، كانت في عمر الثامنة تقريباً، سلَّمتُ عليها وسألتها: “وين رايحة ؟”. أجابتني: “إلى المدرسة”. قلت لها مستغرباً: “في هذا اليوم تذهبين إلى المدرسة ؟”. قالت لي وهي تتابع خطواتها الصغيرة: “ماذا تريد أن أفعل إن لم أذهب للمدرسة ؟”.


كانت هذه العبارة إحدى الدروس المؤثرة التي تعلمتها بفضل تلك الفرصة التي أتيحت لي عندما سكنتُ في “قلاية الموارنة”، التي بدأت تستعيد هذه الأيام صورتها المبهجة، بعد أن انطلقت عملية ترميمها، وعادت إلى أجوائها ألحان السَّلام المريمي القادمة من برج الساعة في ساحة فرحات. 

 

 


الشيخ محمد أديب ياسرجي: ذكريات من حلب