ميغال دو أونامونو قارئًا ل"دون كيخوته"

حسّونة المصباحي: هناك كتب أقرأها غير أني لا أنتبه إلى قيمتها، وإلى أهميتها الحقيقية إلاّ بتأثير من حادثة شخصية، أو محلية، أو عالمية. وقد أعادتني كارثة وباء الكورونا إلى البعض من هذه الكتب. وكتاب “الإدراك التراجيدي للحياة” للإسباني ميغال دو أونامونو واحد من هذه الكتب.

في فجر أحد هذه الأيام، شرعت في قراءته بتأن لأجد فيه منذ فصوله الأولى ما يستجيب مع هواجسي، وشكوكي، وأفكاري، وخواطري في هذه الأيام العصيبة.

حذلقة الفلاسفة
كان ميغال دو أونامونو قد ساند في البداية الجنرال فرانكو، إلا أنه ارتدّ عن موقفه هذا بعد مقتل فريديركو غارسيا لوركا، ولم يتردد في توجيه نقد لاذع للجنرال ميان أستراي، قائد الكتيبة العسكرية قائلا له “أنْ تنتصر على عدوك لا يعني أنه اقتنع بفكرتك”. فرد عليه الجنرال بحدة “فليمت الذكاء وليحيا الموت”.

وفي حفل أقيم بجامعة سالامنكا التي كان عميدا لها، كاد أنصار الجنرال ميان أستراي أن يسحلوا ميغال دو أونامونو إلاّ أن زوجة فرانكو تمكّنت من انتشاله منهم لتعيده إلى بيته. إثر تلك الحادثة، أقيل من منصبه ليموت معزولا أواخر عام 1936 عن سن تناهز 72 عاما.

في الفصل الأول من “الإدراك التراجيدي للحياة”، يشير ميغال دو أونامونو إلى أن الفيلسوف الحقيقي هو ذلك الذي يكون إنسانا قبل كل شيء. لذا هو يرى أن ديكارت كان مخطئا عندما قال “أنا أفكر إذن أنا موجود”، لأنه كان يتوجب عليه أن يقول “أنا موجود لأني أفكر” لأن الإنسان من لحم ودم، ولا يمكن أن يكون مجموعة من الأفكار المجردة.

ويضيف ميغال دو أونامونو قائلا “إذا لم يكن الفيلسوف إنسانا، فإنه يمكن أن يكون كل ما نحن نبتغي ونريد إلا أن يكون فيلسوفا. ومعنى هذا أنه مُتحذلق، ومدّعي معرفة، أي أنه نسخة وليس الأصل”.

وماضيا في نفس السياق، يقول ميغال دو أونامونو بأن الفلسفة إنتاج إنساني لكل فيلسوف من الفلاسفة، كل فيلسوف هو إنسان من لحم ودم يعتمد العقل والإرادة ويخاطب أناسا آخرين من لحم ودم أيضا. وهو يتفلسف ليس اعتمادا على العقل وحده، بل اعتمادا أيضا على الإرادة، وعلى الشعور، وعلى اللحم والدم، وعلى الروح وعلى الجسد كله، “إنه الإنسان الذي يتفلسف”.

لذلك يعتقد ميغال دو أونامونو أن العيب الكبير في “خطاب الطريقة” ليس الشك الأوّلي والمنهجي، وليس لأن ديكارت أراد منذ البداية أن يشكك في كل شيء من خلال حيلة، بل لأنه يرغب في أن يكفّ أن يكون نفسه، أي ديكارت الرجل الواقعي، من لحم ودم، والذي لا يريد أن يموت، لكي يكون “مفكرا خالصا، ومفهوما تجريديا”.

وبحسب دو أونامونو فإن ديكارت لا يصبح فيلسوفا حقيقيا إلاّ عندما يقول في “خطاب الطريقة” بأن أفضل ما يتقاسمه البشر جميعا هي رجاحة العقل”، ثم يواصل بعد ذلك الحديث عن نفسه كإنسان من لحم ودم قائلا إن “الفصاحة تفتنه”، وإنه “يعشق الشعر”، وإنه “يميل إلى الرياضيات، ويمارسها”. ويرى ميغال دو أونامونو أن الفلسفة الحقيقية هي تلك التي تعلّم الإنسان كيف يعيش، وكيف يُدبّرُ شؤون حياته. من ذلك مثلا أن سقراط كان على علاقة وطيدة بغانية مشهورة في أثينا. وكان يمر على بيتها بين وقت وآخر ليعطيها نصائح ودروسا في فن العشق. ويوما ما طلبت منه أن يصبح مساعدا لها لـ”صيد” المزيد من العشاق.

دون كيخوته

رادا على الذين يسخرون من إسبانيا لأنها لم تنجب فلاسفة كبارا مثل فرنسا وبريطانيا وألمانيا، ختم ميغال دو أونامونو كتابه “الإدراك التراجيدي للحياة” بفصل يمجد فيه دون كيخوته، بطل رواية سارفانتس الشهيرة قائلا إنه-أي دون كيخوته “أفضل من كل الفلاسفة المتحذلقين، الذين يطلقون الأفكار والمقولات الغامضة والمبهمة لكي يُشعروا الناس بأنهم من جنس خاص”، وأنهم كاشفون لعوالم وأسرار ليس بمقدور الآخرين معرفتها والاطلاع عليها.

وقد يكون دون كيخوته غبيا وساذجا، لكنّ غباءه وسذاجته أفضل وأرحم من ذكاء واحد مثل الايطالي ماكيافيلي الذي ترتكز فلسفته السياسية على العنف، والمؤامرة، ومن عبقرية علماء يزعمون أنهم يعملون من أجل تحقيق التقدّم للإنسانية جمعاء، لكن قد تفضي بحوثهم وأعمالهم إلى كوارث مدمّرة وقاتلة مثلما حدث مع القنبلة الذرية التي ضربت هيروشيما وناغازاكي في نهاية الحرب الكونية الثانية، أو مثل بقية أسلحة الدمار الشامل التي تتنافس الدول الكبيرة والصغيرة لامتلاكها من أجل المزيد من الحروب والنزعات الضارّة بالإنسان وبالطبيعة.

وقد يكون دون كيخوته “غبيا وساذجا” حقا، لكن حياته، وأوهامه، وأحلامه وهو يجوب سهول إسبانيا على ظهر حصان عجوز تعكس بحسب ميغال دو أونامونو “الإدراك التراجيدي للحياة في مفهومه العميق”. لذلك هو “أهمّ وأفضل من مئات النظريات الفلسفية والعلمية”. ولأنه لم يطلب من العلماء “أصحاب العقول الكبيرة” كما يسميهم البعض، فإن دون كيخوته كان “يتقبّلُ الحياة والحقيقة كما هما”. كما أنه كان “يثق في المشاعر والأحاسيس أكثر ممّا يثق في العقل التجريدي”. ولكن أي مهمة لدون كيخوته في عالم اليوم؟

عن هذا السؤال يجيب ميغال دو أونامونو قائلا إن مهمته هي أن يصرخ، ويصرخ حتى ولو تردد صدى صرخاته في صحراء مترامية الأطراف… نعم… عليه أن يواصل الصراخ لأن “الصحراء قد تسمع، أما البشر فهم مصابون بصمم لا يشفون منه”. لكن ربما يأتي يوم تتحوّل فيها صرخات دون كيخوته إلى غابة من الصرخات تولد في قلب الصحراء شجرة هائلة من أغصانها تنبعث آلاف اللغات لـ”تغني نشيد الحياة والموت”.