إحتقان أميركي: أسبابٌ “تخدمُ” بايدن و”تُسقط” ترمب

يلقي فيروس كورنا (كوفيد-19) بظلاله الثقيلة على الولايات المتحدة، فقد قاربت نسب المسرّحين من العمل لسببٍ أو لآخر تحت تأثير مخلفات الوباء وأثاره المباشرة: 10% من نسبِ القوّة العاملة في الولايات المتحدة كافةً، حسب تقدير مختصين، ومن المتوقّع أن تصل إلى 20%  خلال الأسابيع القادمة. ما يشيّ بوضعٍ داخلي صعبٍ متسارع واحتقانٍ أهلي متوقّع.

ما عمّق جراح الأزمة السياسيّة/ الاقتصاديّة الأميركية أكثر، هو أنّ دونالد ترمب ماطلَ 70 يوماً من تاريخ تلقيه بيانات وتقارير تفيد بخطورة الوضع وبين الشروع في خطة عاجلة لتقليص الخسائر الناجمة عن انتشار جائحة كورونا، فمنذُ “العهد الجديد” الذي بشّر بهِ روزفلت سنة 1936 لم يحدث هذا النوع الحادّ من التخبّط العام في كل الولايات الأميركيّة، ولم يشهد “العالم الجديد” الذي يضمن تحقّق الأحلام الكبيرة لكل الوافدين إليه، هذا التذبذب في تضارب التصاريح وتباين السياسات بين حكّام الولايات ورأس الدولة.. فضمانات الوحدة النفسيّة والشعور المشترك بخطر الطارئ الجديد، نادرُ الوقوع في بلادٍ تُسمّى بـ”أمّة المهاجرين”.

وبرغم أنّ الإدارة الحالية خصّصت ما يناهز 2.2 ترليون دولار كغلاف مالي إنقاذي مؤهلٌ للمواجهة، لا يزال الوضع يبارحُ مكانهُ والغضب يراكمُ نفسهُ رويداً رويداً في انتظار “الكتلة الحرجة” التي يعتملُ تحتها: إمّا عقاب انتخابيّ أو فوضى أهليّة.. والأرجح أنّ هذا “العقاب الانتخابي” سيكون في مصلحة المرشّح الديمقراطي جون بايدن، الذي حصد دعماً ثميناً تلقّاهُ من قبل المرشح المنسحب بيرني ساندرز.
***
لقد استفاد بايدن كثيراً من انشغال الرأي العام الأميركي بالكارثة التي ألحقتها كورونا بالأميركيين، فقد طوى التجاهل ادّعاء السيدة تارا ريد، ومفادهُ: أنّ بايدن قد تحرّش بها في ممرّ مجلس الشيوخ قبل ثلاثين عاماً. وأغرقت هذه السيدة وفق ما جاء في مجلة “نيوزويك” الأميركيّة ثمّ “نيويورك تايمز” و”واشنطن بوست”، بهذا الصدّد، في وصف الواقعة، إذّ إنّ بايدن – حسبها – قد ضغطها إلى الجدار وأدخل يده تحت تنورتها وشرع في العبث بأصابعه، فيما كان ادّعاؤها مماثلاً في العام الفارط، غير أنّ روايتها كانت مختلفة إلى حدّ ما، إذّ قالت بأنّه داعب رقبتها وكتفيّها فحسب.. ممّا قد يُفيد حملة بايدن التي نفت ما اعتبرتهُ اتّهاماً عارياً عن الصحة، فضلاً عن تهلّهل رواية الواقعة بالدقّة التي يطلبها القضاء عادةً في مثل هذا النوع من التهم، بينما بدت الصحافة متجاهلةً للقصة إلى حدّ ما ومنسحبة إلى مفاعيل كورونا أكثر، ومكتفيةٌ بملاحقة القضيّة بالاعتماد على الرواية التي سردتها تارا ريد، والتي بدورها بدت منقوصة من شهادة الشهود، أولئك الذين لا تمتلك الصحافة الحقّ في “إجبارهم” على الإدلاء بشهادتهم، كما لا يسعها التأكد من مقرّرات الشرطة في الجانب الموازي.

يستمدّ بايدن قوّتهُ داخلياً من الآتي:

أولاً: الضعف الذي يعاني منهُ ترمب جرّاء مضاعفات تفشي وباء كورونا ومعاناة الولايات المتحدة من تفاقم عدد الإصابات ونسب الوفيات (الإصابات إلى غاية كتابة هذه السطور: 855250. الوفيات: 47974).

ثانياً: عدم امتلاك ترمب أيّ  تصوّر أو خطة مواجهة أو طوارئ، في حين تمكّن بايدن من التخطيط لكل ما ينجمُ عن هذا الوباء مستقبلاً.

ثالثاً: استفادة بايدن من انسحاب غريمه بيرني ساندرز الذي استفاد كثيراً بدوره من المرشحة الراديكاليّة إليزابيت وارن بعد الهزيمة التي مُنيت بها في الانتخابات التمهيديّة للحزب الديمقراطي. وتبعا لذلك يكون بايدن قد استفاد من شغور مكان الاثنين (ساندرز ووارن).
رابعاً: تطمين جو بايدن للأثرياء في جلسات خاصة أثناء جمع التمويلات الماليّة للحملة الانتخابيّة؛ أنْ لا شيء سوف يتغيّر حالَ فوزه بالانتخابات الرئاسيّة المقبلة، المزمع إجراؤها يوم الثلاثاء في الثالث من تشرين الثاني/ نوفمبر 2020. في حين قدّم هجوماً حادّاً في إطار الاستهلاك المحلي ومغازلة الطبقتين المتوسطة والفقيرة في أميركا أثناء خطابٍ ألقاهُ سنة 2018 هاجم فيه محاولات خفض الضرائب على الأثرياء، وتقليص برنامج “ميديكير“، وهو البرنامج الفيدرالي الذي يوفر التأمين الصحي للأشخاص الذين يبلغون من العمر 65 عاماً أو أكثر، إضافة إلى بعض الأشخاص الأصغر سناً من ذويّ الاحتياجات الخاصة، والأشخاص الذين يعانون من فشل كلوي دائم، والذين يحتاجون إلى غسيل الكلى أو عملية زرع، تلك التي تُسمّى أحياناً بمرض الكلى في نهاية المرحلة (ESRD)، والتي تعتبر قانونيًا في الولايات المتحدة: إعاقة. والجدير بالذكر أنّ برنامج Medicare خدم في عام 2012 ما يقرب من 50 مليون مستفيد، معظمهم من كبار السن، وفي عام 2009 بلغ إجمالي الإنفاق على الرعاية الصحية الفيدرالية 471.2 مليار دولار.

خامساً: يمثل جو بايدن وإيمي كلوبوتشر؛ وسط الحزب الديمقراطي. فيما تمثل إليزابيث وارن يسار الحزب الديمقراطي، بينما يوجد بيرني ساندرز في يسار يسار الحزب الديمقراطي، وكان يصف نفسه بـ”الديمقراطي الاشتراكي”. وبهذا يحتل بايدن مظهر المعتدل في نظر كثيرين ممّن ينتمون إلى الحزب الديمقراطي ويتحفّظون على يسار وارن وساندرز، فضلاً عن جحافل الغاضبين من أداء الجمهوريين.

سادساً: استخلاص بادين للكثير من الآراء والأفكار والرؤى والتصوّرات بخصوص ما يُعرف ببرامج “الرعاية الاجتماعيّة”، لا سيما ولع ساندرز بـ”النموذج الدنماركي” برغم ما فيه من تزايد هامش الضريبة على حاسب وارتفاع الدخل.. غير أنّ بايدن أوّلى اهتماماً عاماً بكل تفاصيل “النموذج الشمالي”، وتحرّى مع ساندرز وإنْ لم يتفقا تماماً؛ ما كتبهُ كلٌّ من الدنماركيّة: ليني ريتشل أندرسن (Lene Rachel Andersen)  والسويدي: توماس بيُركمان (Tomas Björkman) في مؤلّف هامٍ للغاية أعتبرهُ الملهم الأساس لكليهما، لا سيما ساندرز، عنوانهُ: “The Nordic Secret: A European story of beauty and freedom“، صدر سنة 2017، ونفى فيه مؤلّفاهُ اشتراط الانسجام الأهلي والعرقي بالضرورة في تأمين نهضة اجتماعيّة قائمة على تساوي الفرص وسيادة القانون واحترام البرامج بحسب اختلاف الفئات المجتمعيّة، ثقافياً وعمرياً وصحياً كذلك. وهو كتاب ثمين للساسة الراغبين في التعامل المجدي مع الشعوب المتباينة، عرقياً وطائفياً مثل لبنان.

سابعاً: شهد العالم أوّل مكافأة انتخابيّة لطبقة سياسيّة؛ أحسنت التعامل مع وباء كورونا في كوريا الجنوبيّة، حيث فاز حزب الرئيس الكوري الجنوبي مون جاي (الحزب الديمقراطي ـــ يسار الوسط) وحليفه في الانتخابات التشريعيّة (16/04/2020) بالأغلبيّة المطلقة والمريحة في الجمعيّة العامة منذ 12 عاماً، بينما كسرت نسبة المشاركة رقمها القياسي أيضاً، إذ بلغت 66.2%، وهي النسبة التي لم تتحقّق في البلاد منذ 28 عاماً.

وبرغم أنّ مون جاي لم يقدّم ما عليه اقتصادياً، كما ينبغي، ولم ينجح في “انفتاحه” على بيونغ يانغ، لكنّ الأداء الذي قدّمهُ حيال وباء كورونا قد ساهم فعلاً في رأب تلك الصدوع الخفيفة، وكان الوباء على هذا الغرار؛ “فرصة” انتخابيّة، شئنا ذلك أم أبينا.

والحال الأميركي لن يختلف كثيراً إذا طبّقنا ما يُعرف في الرياضيّات بـ”البرهان بالعكس النقيض”، فالناخب الأميركي ينظر من فرجة الكفّ إلى ما يحدث في دولةٍ نموذجيّة لطالما تحدّث عنها الإعلام الأميركي وأثنى على طريقة تعاملها، بوصفها رائدةٌ و”ملهمة”، بدايةً بالكشوف المبكّرة لأعراض الإصابة في الخيم العشوائيّة في الشوارع، وانتهاءً بوسائل العناية الصحيّة في المشافي الحكوميّة والخاصة على حدّ سواء.

 

 

ضيف حمزة ضيف - 180