آخر المواضيع المتعلقة

أرشيف البلدان
أرشيف الأيام
الأجندة

هل سيؤدي ردُّ فعلِ إيرانَ على اغتيالِ سليماني إلى الحرب؟

الكاتب: إيلان غولدنبيرغ ( Ilan Goldenberg) ترجمة :لينا جبور

كان قاسم سليماني، قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإسلامي، من أكثر الشخصيات نفوذاً وشعبيةً في الجمهورية الإسلامية وألدّ الأعداء في الولايات المتحدة، إذ قاد الحملة الإيرانية لتسليح وتدريب المجموعات المقاتلة المدعومة من إيران في العراق –المسؤولة عن مقتل ما يقدر بنحو 600 جندي أمريكي في الأمد الواقع بين 2003 و2011– وأصبح المتعهد الرئيس للنفوذ السياسي الإيراني في العراق بعد ذلك، على وجه الخصوص بواسطة جهوده لمحاربة "داعش". قاد سياسات إيران لدعم الرئيس السوري بشار الأسد، بما في ذلك عن طريق نشر ما يقدر بنحو 50.000 من المقاتلين في سورية. لقد كان القائد في علاقة إيران بحزب الله في لبنان، حيث ساعد في تزويد حزب الله بالصواريخ لتهديد "إسرائيل". قاد استراتيجية إيران لتسليح الحوثيين في اليمن. لكل هذه الأسباب وأكثر من ذلك، كان سليماني بطلاً غير عادي في إيران وفي جميع أنحاء المنطقة.

باختصار، اتخذت الولايات المتحدة خطوة تصعيدية للغاية في اغتيال أحد أهم وأقوى الرجال في الشرق الأوسط.

تجادل إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأن سليماني كان إرهابياً وأن اغتياله كان عملاً دفاعياً أوقف هجوماً وشيكاً. قد يكون هذان التأكيدان صحيحين أو غير صحيحين، لكن الولايات المتحدة لم تكن لتشعر أبداً بأنها مضطرة للعمل ضد الجنرال الإيراني لولا السياسة الطائشة التي اتبعتها الإدارة منذ توليها الحكم. انسحب ترامب في أيار/مايو 2018 من الاتفاق النووي الإيراني واعتمد سياسة "الضغط الأقصى" للعقوبات الاقتصادية على إيران. ردت إيران على مدى عام، بضبط النفس في محاولة لعزل الولايات المتحدة دبلوماسياً وكسب تنازلات اقتصادية من أطراف أخرى في الاتفاق النووي.

لكن فَشِلَ نهجُ تقيُّد إيران بالتزاماتها في تحقيق فوائد مادية. اختارت طهران بحلول أيار/مايو 2019، بدلاً من ذلك خرق الاتفاق وتصعيد التوترات في جميع أنحاء المنطقة. أولاً، جاءت هجمات الألغام الإيرانية ضد ناقلات وسُفن الشحن الدولي في أيار/مايو وحزيران/يونيو. ثم أسقطت إيران طائرة أمريكية بدون طيار، ما أدى إلى نشوء صراع مفتوح مع الولايات المتحدة. وفي أيلول/ سبتمبر، أصابت الصواريخ الإيرانية منشأة بقيق في المملكة العربية السعودية –التي يمكن القول إنها أهم جزء من البنية التحتية النفطية في العالم. بدأت مجموعات مسلحة تابعة لإيران بإطلاق الصواريخ على القواعد الأمريكية في العراق، ما أدى إلى مقتل مقاول أمريكي مؤخراً، ثم قادتنا ضربات الولايات المتحدة الانتقامية في النهاية إلى اغتيال سليماني.

كيف سترد إيران هو السؤال الأكثر أهمية الآن. يشير سلوك الجمهورية الإسلامية طيلة الأشهر القليلة الماضية وعلى مدار تاريخها الطويل إلى أنها قد لا تتسرع في الانتقام. ستختار بدلاً من ذلك، بعناية وبصبر مقاربة تراها فعّالة، وستحاول على الأرجح تجنّب حرب شاملة مع الولايات المتحدة. ومع ذلك، تثبت أحداث الأيام القليلة الماضية أن خطرَ سوء التقدير مرتفعٌ بشكل لا يصدق. من الواضح أنَّ سليماني لم يعتقد أنَّ الولايات المتحدة سوف تقوم بالتصعيد بشكل كبير ليترك نفسه مكشوفاً على مرمى حجر من القوات العسكرية الأمريكية في العراق. من جانبه، كان ترامب مصمماً على عدم اهتمامه ببدء حرب جديدة في الشرق الأوسط –ومع ذلك، نحن هنا على شفا الهاوية.

يجب على الولايات المتحدة، على الأقل، أن تتوقع أن تجد نفسها في صراع مع المجموعات المقاتلة المدعومة من إيران في العراق والتي استهدفت القوات الأمريكية والدبلوماسيين والمدنيين. سيكون العراق، المسرح الذي وقعت فيه الضربة الأمريكية، هو المكان الأكثر منطقية للرد الإيراني الفوري. علاوة على ذلك، قامت هذه المجموعات بتصعيد أنشطتها بالفعل طيلة الأشهر الستة الماضية. إذ إنّها من بين وكلاء إيران الأكثر استجابة وسوف يكون لديها دافع كبير، نظراً إلى أنَّ أبا مهدي المهندس، أحد كبار قادتها، قد قُتل أيضاً في الغارة مع سليماني.  

إذا كان الوجود الأمريكي في العراق لا يزال قابلاً للحياة، فهذا أمرٌ يبقى بمثابة مسألة مفتوحة. كما أنَّ الوضع الأمني، الذي أصبح معقداً بالتأكيد، ليس هو المشكلة الوحيدة، إذ يمثل الاغتيال انتهاكاً شديداً للسيادة العراقية –يتم من جانب واحد دون موافقة الحكومة العراقية– بحيث يتعرض المسؤولون العراقيون لضغوط سياسية هائلة لإخراج القوات الأمريكية. ولئن كان عراقيون كثيرون لا يُكِنّون أي حبٍّ للولايات المتحدة ولا لإيران، غير أنّهم يريدون فقط استعادة بلادهم لأنفسهم ويخشون أن يقعوا في وسط المواجهة الأمريكية الإيرانية. لكن يمكن أن يتحول الوضع الحالي إلى سيناريو أسوأ حالاً بالنسبة لهؤلاء المواطنين.

يجب أن تتوقع الولايات المتحدة أن تجد نفسها في صراع مع المجموعات المسلحة المدعومة من إيران في العراق

لكن انسحاب الولايات المتحدة الفوضوي تحت النار يمكن أن يشكل مخاطر حقيقية، إذ لا تزال مهمة مواجهة "داعش" مصدرَ قلق دائم، وقد يتعرض هذا الجهد لضربة خطيرة إذا اضطرت الولايات المتحدة إلى مغادرة العراق؛ ذلك أنَّ "داعش" يحتفظ بوجود سري له ويمكنه الاستفادة من فوضى الانسحاب الأمريكي أو الصراع الأمريكي-الإيراني لتحسين وضعه في العراق.

ليس بالضرورة أن تقتصر تداعيات الاغتيال على العراق فقط. يمكن لحزب الله اللبناني، الذي يتمتع بعلاقة وثيقة مع إيران –ويُرجّح أن يستجيب للطلبات الإيرانية– مهاجمة أهداف أمريكية في لبنان. حتى إذا قررت إيران تجنب حدوث تصعيد كبير في لبنان، فإن عملاء حزب الله يتم توزيعهم في جميع أنحاء الشرق الأوسط ويمكن لهم مهاجمة الولايات المتحدة في أماكن أخرى من المنطقة. قد يختار حزب الله بدلاً من ذلك، شنَّ هجمات صاروخية على الأراضي [المحتلة] "الإسرائيلية"، رغم أن هذا الرد أقل احتمالاً. يريد حزب الله تجنب حرب شاملة مع "إسرائيل" من شأنها أن تدمر لبنان، وبفضل إدارة ترامب التي قتلت سليماني علناً، ازداد احتمال توجيه ضربة انتقامية إلى الولايات المتحدة مباشرة.

يمكن لإيران أن تشنَّ ضربات صاروخية ضد القواعد الأمريكية في المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة أو ضد المنشآت النفطية في الخليج. لقد فاجأت دقة الضربات الصاروخية الإيرانية على منشأة بقيق النفطية في أيلول/سبتمبر الولايات المتحدة وبقية العالم، رغم أن إيران حاولت عن قصد إبقاء الهجوم محدوداً ورمزياً. يمكن لإيران في الوضع الحالي أن تختار أن تصبح أكثر عدوانية، إذ إنها في ميدان الضربات الصاروخية كانت ناجحة للغاية في صب الضربات مع تجنب الانتقام طيلة الأشهر الستة الماضية.

سوف تتخذ إيران بحد أدنى، خطوة مهمة نحو تخصيب اليورانيوم المستخدم في صنع الأسلحة

يجب أن نتوقع من إيران أيضاً تسريع برنامجها النووي بشكل كبير. منذ أن انسحبت إدارة ترامب من الاتفاق النووي الإيراني في أيار/مايو 2018، كانت إيران مقيدة تماماً في ردّها الذي يتعلّق بمشروعها النوويّ. لكن بدأت إيران بعد عام من التزامها بالصفقة، في أيار/مايو 2019، في انتهاك الاتفاقية تدريجياً عن طريق اتخاذ خطوات صغيرة كل 60 يوماً. تنتهي نافذة الـ 60 يوماً المقبلة الأسبوع المقبل، ويصعب تخيل ضبط النفس في أعقاب وفاة سليماني. ستستأنف إيران على الأقل، تخصيب اليورانيوم إلى نسبة 19.75%، وهي خطوة مهمة اتجاه اليورانيوم المستخدم في صنع الأسلحة. لقد هددت مؤخراً بالذهاب أبعد من ذلك عن طريق الانسحاب من معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية أو طرد المفتشين. ستكون هذه خطوات خطيرة للغاية، كان يعتقد معظم المحللين أنه من غير المرجح أن تقوم طهران بها بالفعل. ولكن قد يكونون الآن على طاولة الإجماع.

ربما يكون أكثر ما يمكن أن تفعله إيران استفزازاً هو شنُّ هجومٍ إرهابيٍّ على أرض أمريكية أو محاولة قتل مسؤول أمريكي رفيع من مكانة سليماني. يعد هذا أكثر تحدياً بالنسبة لإيران من الهجوم على المصالح الأمريكية أو الأفراد في الخارج، لكن قد تراها إيران أكثر الإجراءات المناسبة.  كانت آخر محاولة معروفة شنت فيها إيران هجوماً في الولايات المتحدة في عام 2011، عندما أحبطت أجهزة إنفاذ القانون والمخابرات الأمريكية مؤامرة لاغتيال السفير السعودي في واشنطن بتفجير مطعم. تم كشف مخطط هذه العملية في وقت مبكر وتم إحباطها بسهولة. تشير هذه القضية إلى أن إيران أقل قدرة خارج الشرق الأوسط من داخله، وهو تقييم تدعمه محاولات التفجيرات الإيرانية الفاشلة في الدنمارك وفرنسا هذا العام. لذلك، في حين قد تحاول إيران شنَّ هجومٍ داخل الولايات المتحدة، إلا أنها ستحتاج إلى الحظ حتى تنجح.

إذا كانت إدارة ترامب ذكية، فستبذل كل ما في وسعها لتشديد حماية المنشآت الأمريكية والأمريكيين مع استيعاب بعض الضربات الحتمية القادمة. كما يجب عليها التواصل مع إيران عن طريق شركاء الولايات المتحدة الذين تربطهم علاقات جيدة مع البلدين، مثل عُمان، لمحاولة خفض التصعيد، ووضع خطوط حمراء واضحة سراً لتجنب أيّ سوء تقدير إيراني. أخيراً، يجب أن يكون ترامب قد اكتفى، ويقوم بإعلان النصر والتباهي بأنه كان له اليد العليا على إيران بقتل سليماني –وليس القيام بمزيد من الأعمال العسكرية. لكن يبدو أن هذا النوع من ضبط النفس يتعارض مع طبيعة ترامب ذاتها. وحتى إذا أظهر ضبط النفس غير المعتاد في الأسابيع المقبلة، قد تجر الرغبة في الانتقام في إيران، والزخم السياسي الذي بدأت هذه الرغبة في توليده بالفعل، الولايات المتحدة وإيران إلى صراع كبير.

 

 


 الجمل بالتعاون مع مركز دمشق للدراسات