فوضى أخرى: سورية بعد الخروج الأمريكي

ترجمة: لينا جبور

أصبح من المحتمل أن تعيد الحكومة السورية الآن السيطرة على جزءٍ كبيرٍ من شمال شرق سورية، بعد أن وصل الحال إلى التوغل التركي والانسحاب الأمريكي المتسارع والنداء الكردي للاحتماء بالدولة السورية. إنها مأساة للأكراد، كارثة للأمريكيين، ومشروع محفوف بالمخاطر للأتراك. لكنهم تمكنوا معاً من خلق فوضى لن تعود بالخير على أيّ منهم.

أوضح دونالد ترامب منذ مدّة طويلة أنه يريد الخروج، واختبر إعلان الانسحاب في كانون الأول/ديسمبر الماضي. لطالما أصر أردوغان على أن تركيا لن تقبل الوجود الكردي على طول حدودها. تشير الدلالات منذ عدة أشهر إلى أنَّ هناك عملية عسكرية تركية وشيكة. وفي الوقت نفسه، اختار الأكراد تجاهل لامبالاة ترامب في محنتهم وتلميحات المسؤولين الأميركيين إلى أن أمريكا ستقف إلى جانب تركيا –فلم يعد أمام الأكراد أي خيار الآن سوى اللجوء إلى "النظام" السوري.

وقف الأوروبيون موقف المتفرج في كلِّ هذا تقريباً، لكن حان الوقت كي يتصرفوا الآن بعد أن فرض الانسحاب الأمريكي تحدياتٍ جديدةً عليهم.

التوغل التركي

تنظر الحكومة التركية إلى هذا التوغل كخطوة أولى إقليمية لوضع موطئ قدم لها في المنطقة بشكل أكبر. إنها تسيطر على قطاع بطول 160 كيلومتراً يشمل بلدات تل أبيض ورأس العين ذات الأغلبية العربية. ولكن في نهاية المطاف، يمكن أن يوسع الجيش التركي عملياته على طول المنطقة الحدودية البالغ طولها 444 كيلومتراً وعمقها (32 كيلومتراً)، مخترقاً منطقة كانت خاضعة للسيطرة الكردية على مدار السنوات القليلة الماضية.


ينظر أردوغان إلى القتال ضد القوات الكردية السورية على الجهة الجنوبية لتركيا بصفته امتداداً لمعركة بلاده الطويلة مع حزب العمال الكردستاني. وتعد هذه ضرورة وجودية لمنع انقسام تركيا مستقبلاً. شارك أردوغان في محادثات سلام مع حزب العمال الكردستاني في الماضي غير أنه لا يبدي أي اهتمام بها الآن.

بدلاً من ذلك، يهدف أردوغان حالياً لدفع الجماعات المرتبطة بحزب العمال الكردستاني بعيداً عن الحدود التركية، ومواصلة استهداف معاقله في العراق، ومواصلة الضغط السياسي على حزب الشعوب الديمقراطي الموالي للأكراد، داخل تركيا.

تُعَدُّ المسارح الثلاثة –سورية والعراق وتركيا– بالنسبة لأردوغان جزءاً لا يتجزأ من المعركة نفسها ضد الإرهاب. يبدو الهدف العسكريّ هو دفع القوات الكرديّة بعيداً عن الحدود التركية. لكن الهدف السياسي الأكبر هو تدمير التجربة الكردية السورية في إقامة الحكم الذاتي.

انسحاب الولايات المتحدة

أبدى الكثير من المسؤولين الأمريكيين الرغبة في البقاء في سورية. لقد اعتقدوا أنَّ الوجودَ الأمريكيَّ هناك ضروري لإغلاق الطرق في وجه تنظيم "داعش"، وأنه يمكن أن يدعم الطموحات الأوسع الرامية لمحاربة النفوذ الإقليميّ لإيران ومواصلة الضغط على الحكومة السورية. لذلك، استمروا في تطوير استراتيجية قائمة على وجود أمريكيٍّ طويل الأمد رغم توجيهات ترامب للانسحاب. لكن لا يمكن أن تحافظ السياسة الخارجية للولايات المتحدة على نفسها ما لم يدعمها الرئيس الأمريكيّ. لذلك لم تسفر الجهود التي بذلها المسؤولون الأمريكيون والكونغرس إلا في كبح سرعة الانسحاب.

فرض ترامب عقوبات على تركيا، تحت ضغط من الكونغرس والرأي العام المتعلق بقراره: ففرض حظراً على السَّفر وجمّد أصول ثلاثة مسؤولين أتراك، بمن فيهم وزير الدفاع، ورفع ضريبة الحديد الصلب. لكن تظلّ هذه العقوبات خفيفة –فهي لا تشمل كبار أعضاء نظام أردوغان ولا تشمل البنوك. تُقر الأسواق المالية: بأن قيمة الليرة التركية تزحزحت بصعوبة بعد إعلان الولايات المتحدة. لا يزال يُعدُ ترامب محاوراً رئيساً بالنسبة لأردوغان في واشنطن ومتفهماً للمخاوف التركية.

في النهاية، ستبقى سورية بعيدة عن الاهتمامات الأمريكية، طالما هي بعيدة عن اهتمام الرئيس ومع تلاشي صور التوغل التركي من العناوين الرئيسة، فإن الضغط على ترامب سيتلاشى معها.

النداء الكردي للحماية

ربما تنجح أنقرة في تأمين السيطرة على المنطقة الشمالية، لكن الانسحاب الأمريكي المتسرع دفع الأكراد السوريين لطلب المساعدة من "النظام" السوري، ومن الروس. ستسمح الصفقة الناشئة بين الأكراد ودمشق لـ "لنظام" بالعودة إلى المنطقة لمنع المزيد من التقدم التركي.

دخلت الحكومة السورية والقوات الروسية بالفعل مدينة منبج الرئيسة. بعد استيلاء منسق عليها، يحتل الروس الآن قواعد أمريكية تم إخلاؤها بعد خروج الولايات منها.

سيقوم "النظامُ" السوريّ على الأرجح باستغلالِ حدوث توغل تركي إضافي، ليستعيد السيطرة على جزء كبير من شمال شرق سورية. قد يفضّل الأكراد السوريون هذا المصير على الهيمنة التركية، لكن يبقى هذا بمثابة اللعنة التي حلت على تجربتهم في الحكم الذاتيّ الحقيقي.

ماذا يمكن أن تفعله أوروبا الآن

لعب الأوروبيون دور المتفرج في معظم هذه العملية، ولكنهم سيحتاجون مع الانسحاب الأمريكي، إلى الالتفات لمصالحهم بشكلٍ مباشرٍ. من المهم ألا يقتصر ملء الفراغ الذي تركه الانسحاب الأمريكي على أردوغان والرئيس الأسد.

لا تقيم تركيا في الوقت الحالي أي وزن للرأي الأوروبي عند اتخاذ قراراتها. تعتقد تركيا أن صفقة الهجرة مع أوروبا ستؤدي في نهاية المطاف إلى خضوع أوروبا لمطلبها. لقد فرضت عدة دول من الاتحاد الأوروبي حظراً على صادرات الأسلحة، إلا أن تركيا أصبحت أكثر اعتماداً في الدِّفاع على نفسها في العقد الماضي. لقد تحدث أردوغان إلى أنجيلا ميركل وبوريس جونسون منذ بدء العملية التركية، وفي أثناء إحاطة الصحافيين في نهاية الأسبوع الماضي بمُفاد الحديث، قال أردوغان: «أوروبا فهمت الرسالة».

بالمجمل، يعني هذا أنَّ التأثير الأوروبي محدودٌ جداً على تركيا في هذه المرحلة وتبعا لذلك يجب على الأوروبيين أن يسعوا لوقف إطلاق النار في جميع أنحاء المنطقة. لذلك ينبغي على أوروبا اتخاذ ثلاثة إجراءات مباشرة ستدعم دعوتها لوقف إطلاق النار في المنطقة.أولاً، الضغط على تركيا للحدّ من تقدمها العسكري. يجب أن يشمل ذلك مطالبة أنقرة بضمان عدم تدخل وكلائها السوريين في الانتهاكات.

ثانياً، يحتاج الأوروبيون إلى التفكير في كيفية تمكنهم ترك بعض المساحة للأكراد والعرب السوريين الذين كانوا يعيشون تحت سيطرة "قوات سوريا الديمقراطية".

إضافة إلى وجود "النظام" السوري كعنصر "جديد" الآن في شمال شرق سورية. إذا أراد الأوروبيون مساعدة الأكراد في إنقاذ شكل من أشكال وجودهم السياسي، فسيتعين عليهم الاعتراف بوجود "النظام"، والسعي للحفاظ على وجود دور سياسي كردي دون سحقه على الأقل نهائياً، وسيتم هذا على الأرجح عبر موسكو.

ثالثاً، يجب على الأوروبيين إعادة مواطنيهم من مقاتلي "داعش" الذين لا يزال بالإمكان الوصول إليهم، إلى وطنهم، والاعتراف بالخطر المباشر الذي يمكن أن يشكلوه في حال تدهورت الظروف على الأرض بشكل كبير، وتمكنوا من الهرب في حال تم تركهم في سورية.

قد تبدو هذه الخطوات وكأنها قليلة جداً. ولكنها ربما تكون الطريق لإشراك الأوربيين قبل فوات الأوان، في صراع يؤثر فيهم بشدة، لكنهم قاموا بتوكيل ذلك إلى الولايات المتحدة وتركيا. الآن، لم يعد بإمكان الأوروبيين أن يقفوا متفرجين مكتوفي الأيدي بعد انسحاب الولايات المتحدة، والتهديد الموجّه من تركيا بفتح باب الهجرة القسرية لتدفق موجة جديدة من اللاجئين إلى أوروبا.

 

 


الجمل بالتعاون مع مركز دمشق للدراسات