الدروس التي ينبغي على "إسرائيل" تعلّمها من زلزال الشرق الأوسط الأخير

الكاتب: عايال تياسير كوهين  - ترجمة لينا جبور


لا يُعَدُّ مفاجئاً قرار سحب القوات الأمريكية من سورية، الذي مهد له الرئيس ترامب سابقاً في كانون الأول/ديسمبر 2019، ذلك حينما وصف الحرب في سورية «بالحرب الأبدية السخيفة».

ومع ذلك، لدى الأكراد السوريين الحق في الشعور بالخوف وعدم اليقين –إذ يمثل هذا القرار تهديداً وجودياً لهم. في الوقت الذي تتوق القوى الكردية في المنطقة للسيطرة على "روجافا" - كردستان الغربية، كما يسميها السكان المحليون، يأتي التهديد الأخطر من تركيا في الشمال، التي تتطلع إلى الاستيلاء على المنطقة، لإعادة توطين 3.5 ملايين من اللاجئين السوريين الذين فروا إلى تركيا.

قُتل ما لا يقل عن 23 مقاتلاً كردياً منذ بدء الهجوم العسكريّ التركيّ في وقت مبكر من يوم الخميس. وعلى ما يبدو ستكون التأثيرات الديمغرافية مدمرة. من الجنوب، ينظر التحالف المكوّن من الدولتين الروسية والسورية والقوات الإيرانية إلى الأراضي التي يسيطر عليها الأكراد بصفتها عقبة استراتيجية أمام تطلعاتهم الأمنية والاقتصادية. في حين تم استنكار قرار الولايات المتحدة من قِبَلِ جميع الأطياف السياسية، وكذلك من قبل مسؤولي البنتاغون، إلا أن حلفاء الولايات المتحدة يتصورون تداعياته المحتملة مستقبلاً. يأتي القرار في وقت غير مناسب بالنسبة لـ "إسرائيل"، بسبب تزايد الوجود الإيراني على حدودها، وخوفها من تنامي قدرة إيران على نقل الأسلحة عبر العراق وسورية إلى حزب الله في لبنان. تكشف التطورات في واشنطن وتركيا وسورية عن ثلاثة دروس أساسية ينبغي على "إسرائيل" تعلمها.

الدرس (الأول): "إسرائيل" تقاتل وحدها

ليس هناك شك في أن الأكراد السوريين والعراقيين، قد أسهموا بشكلٍ كبيرٍ في الحرب ضد "داعش" من عام 2014 إلى عام 2019. في حين كان الجيش السوري ملتفتاً بالكامل لقتال "المعارضة" الداخلية، كان الأكراد منهمكين في صد "داعش" ولم يتدخل الجيش السوري فعلياً حتى نهاية عام 2015 مصحوباً بالدعم الروسي في الحملة. اعتمدت الولايات المتحدة في السنوات العصيبة الخمس على الأكراد فتحالفوا معها، نظراً إلى ولائهم الثابت لها والقيم المشتركة. في الوقت نفسه، كان يدغدغ الأملُ تركيا بأن يسحق "داعش" الأكراد.  والآن، ينجز الجيش التركي ما فشل فيه الجهاديون هناك.

تتردّد أصداء القرار بين حلفاء الولايات المتحدة الآخرين الذين يراودهم الشك في نوايا "شرطي العالم". في عالم من المصالح المتضاربة، كان دائماً لدى "إسرائيل" توقعات معقولة بأن الولايات المتحدة لن تخوض حرب "إسرائيل"، لكنها ستحمي تكنولوجيتها العسكرية، وتدعم ميزانيتها، وتعمل على ردع خصومها المحتملين. كان الافتراض غير المعلن أن الولايات المتحدة هي الملاك الحارس لـ "إسرائيل" وخط دفاعها الأخير في مواجهة أي تهديد وجودي لها. وبعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الإيراني، تمثيلاً لا حصراً، طمأن الإسرائيليون أنفسهم أن الولايات المتحدة ستكون إلى جانبهم إذا واجهوا تهديداً وجودياً وشيكاً.

يجب أن يعيد صانعو القرار في "إسرائيل" النظر في هذا النموذج بعناية في ضوء تخلي الولايات المتحدة عن حليفها الكرديّ. صحيح أن هناك علاقة خاصة بين "إسرائيل" والولايات المتحدة، لكن لا يوجد في الوقت نفسه، في الشرق الأوسط، مهزلة أكبر من حدوث حدث يقلب القيم الحقيقية لمعنى الحليف.

الدرس الثاني: نهاية "الشرق الأوسط الجديد"؟

تتبنى رؤيةُ "شرق أوسط جديد" – حلاً يتم فيه إنهاء النزاع الإسرائيلي الفلسطينيّ، ثم تؤسس معظم الدول العربية علاقات دبلوماسية رسمية مع "إسرائيل"– تعتمدُ بشكل كبير على فرضية أن العالم العربي سوف يدعم عملية المصالحة بين "إسرائيل" والفلسطينيين، ويدفع الجانبين للاتفاق في الوقت المناسب. لقد قربت الحرب الباردة ضد إيران بين "إسرائيل" والعالم العربي. بوجود إيران كعدو مشترك، كان من السهل على المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة رؤية حسنات التواصل وحتى التعاون مع "إسرائيل". علاوة على ذلك، أكد العالم العربي أن الطريق إلى واشنطن يمر عبر "القدس"، ما يجعل العلاقات مع "إسرائيل" رصيداً دبلوماسياً قيّماً في بعض القضايا.

لكن مع تراجع التزام الولايات المتحدة في المنطقة، قلّت الآن جاذبية الشراكات المحتملة وحتى المحدودة مع "إسرائيل". يدرك ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان وولي عهد أبو ظبي محمد ابن زايد الآن معنى سياسة الانعزال الأمريكية. ستبيع أمريكا الأسلحة وتضرب الصفقات، لكنها ستتجنب التدخل العسكري أو استخدام القوة قدر الإمكان لدرء المخاطر. يبين مثلاً رد الفعل الأمريكي الخفيف على الهجوم الإيراني المزعوم على البنية التحتية النفطية السعودية للمنطقة أن أمريكا لن تستخدم القوة لمساعدة حلفائها، حتى في الحالات التي تتعرض فيها مصالحها الخاصة للخطر.

لقد تعلمت المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والكويت درسها، وهناك تحول في السياسة قيد التنفيذ فعلياً، إذ ستسعى للتفاوض على صفقة مع إيران، وإيجاد تسوية، وتخفيف حدة التصعيد وخفض درجة الحرارة. أرسل محمد بن سلمان بالفعل رئيسي الوزراء العراقي والباكستاني للتوسط في تسوية مع إيران. لقد عبر وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف بالفعل عن حماسه لـ "المصالحة مع الجيران". ويبدو أن الصدمة الأكبر تتمثل في أن إيران ستبعد أيديها عن تصدير النفط والبنية التحتية السعودية، في مقابل إبقاء أيدي السعوديين بعيدة عن الأسلحة الأمريكية. تضرب إيران عصفورين بحجر واحد: الانتقام من العقوبات الاقتصادية من ناحية، بينما تقوِّض القدرات "السُّنية" من جهة أخرى. تمنح صدقيّة الولايات المتحدة المتآكلة إيران فرصة أكبر لممارسة الضغط باستخدام الإرهاب وتوسيع هيمنتها الإقليمية.

يلقي هذا بظلاله على الجهود الأخيرة للتوقيع على معاهدة الدفاع الأمريكية الإسرائيلية. إبرام صفقة شيء، لكن المشي في الطريق نفسه شيء آخر. وسيؤدي تآكل التحالف الأمريكي العربي إلى تقويض جهود "إسرائيل" في الحدّ من برنامج إيراني النووي وهذا بحد ذاته أمرٌ سيئٌ للغاية، يمكن أن يصبح التهديد الوجودي الأول لـ "إسرائيل" (أي طموحات إيران النووية) مسؤولية "إسرائيل" المباشرة وحدها. 

نظراً لأن تدخل العالم "السُّني" في القضية الفلسطينية محدودٌ جداً، يبدو احتمال حل النزاع الفلسطيني "من الخارج" (أي بدعم القادة العرب للقيادة الفلسطينية والضغط عليها) أبعد من أي وقت مضى. في ضوء التهديد الإيراني الذي يلوح في الأفق ونقص القيادة الأمريكية، فإن "صفقة القرن" التي طال انتظارها ستجد طريقها إلى أسفل قائمة الأولويات، ومرة أخرى، إيران آخذةٌ بشقِ طريقها. في الوقت الذي يمارس فيه الإيرانيون المزيد من الضغط في الشرق الأوسط ويحصدون النجاحات في الخليج الفارسي، تتطلع الدول العربية "السُّنية" المخيبة للآمال شرقاً –رغم دعمها [شروط وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو الاثني عشر [للوصول إلى اتفاق جديد مع إيران]، إلا أنّها تبحث الآن عن طرق للتراجع وربما للتعاون. أصبحت فرص تحقيق التطبيع عموماً، بين "إسرائيل" والعالم العربي ضئيلة جداً، وأصبح احتمال إمكانية حشد دعمهم للسلام مع الفلسطينيين أقل.

الدرس الثالث: شريف جديد في المدينة

وقعت القوات الكردية بين المطرقة والسندان، حكومة الأسد من جانب وتركيا من الجانب الآخر. هدد الجيش السوري منذ نحو عامين، بعبور نهر الفرات، وهو الحدود الطبيعية بين المناطق الخاضعة للسيطرة الأمريكية والروسية. لكنه تمهل، بدافع المخاوف الروسية من أن يشعل توغل كهذا فتيل الصراع مع الولايات المتحدة. في ضوء القرار الأمريكي بالانسحاب يبقى الملاذ الأخير المحتمل للأكراد هو السعي للاختباء تحت جناح الروس للاحتماء من التهديدات التي يواجهونها من الشمال ومن الجنوب. سيكون الثمن باهظاً، ستصر موسكو على إعادة السيطرة السورية على المنطقة، وسيتم تفكيك الحكم الذاتي الكردي. سوف تحصل موسكو على دعم الأكراد دون أي جهد، وستنتهي ملايين الدولارات التي أُنفقت في تسليح الأكراد، وبنيتهم التحتية وحقولهم النفطية بأيدي الروس مجاناً.


رغم أنه لا يزال احتمال وقوع الأكراد السوريين تحت حماية روسيا نظرياً، إلا أنه ليس بعيد المنال. بوتين هو قائد المدرسة القديمة عندما يتعلق الأمر بالقيم والولاء والصداقة الحميمة –ويعرف الأسد ذلك جيداً. قد يكون التقاط الأكراد قبل سقوطهم خياراً جذاباً لموسكو، يسمح لروسيا إما بإنقاذ الأكراد من المخالب التركية أو على الأقل تقييدهم وإجبارهم على التفاوض من أجل تسوية.

يعد قرار الولايات المتحدة بسحب القوات بمثابة نكسة كبيرة لـ "إسرائيل"، وبخاصّة عندما تواجه تهديد الوجود العسكري الإيراني غير المسبوق في سورية وفي الشرق الأوسط تماماً. تنظر "إسرائيل" لهيمنة روسيا المتزايدة في المنطقة كسلاحٍ ذي حدّين. يزيد من ناحية، احتمال أن يتم قمع التطلعات الإيرانية في المنافسة على الموارد السورية والبنية التحتية والمزايا الاقتصادية، وقد تدفع روسيا تدريجياً إيران بعيداً عن الحدود الإسرائيلية ومن سورية تماماً. من ناحية أخرى، أدى الوجود الروسي في سورية إلى تعقيد قدرة "إسرائيل" على تنفيذ "حملتها بين الحروب" –التي تهدف إلى تقويض القدرات الإيرانية وحزب الله في لبنان وسورية واكتساب التفوق الاستخباراتي والاستراتيجي في المنطقة. في أيلول/ سبتمبر من العام الماضي، أسقطت النيران السورية المضادة للطائرات، رداً على غارة جوية إسرائيلية، بطريق الخطأ طائرة شحن روسية، ما أسفر عن مقتل 15 من أفراد الطاقم. اتهم وزير الدفاع الروسي بعد خمسة أيام من الحادث، "إسرائيل" بالفشل في تنسيق العملية. وفي اليوم الذي تلاه 24 أيلول/سبتمبر 2018، أعلنت روسيا أنها ستسلم صواريخ ) S-300أرض - جو) إلى سورية، ما يشكل ضربة كبيرة لهيمنة "إسرائيل" على الأجواء اللبنانية والسورية.

يقدم توطيد موطئ قدم روسي أقوى في سورية اعتبارات رئيسة لأي مبادرة عسكرية في المنطقة. تتطلب اهتمامات "إسرائيل" المتعلقة بالضرر الجانبي والمصالح المتضاربة وتخفيف التهديد، المزيد من ضبط النفس واعتماد أكبر على الوساطة الروسية. بوجود عدد أقل من الجنود الأمريكيين على الأرض وعلى ضوء التوسع الإيراني، يعوق وجود روسيا قدرة "إسرائيل" على الرد الفوري على التهديدات المتزايدة. بالإضافة إلى ذلك، يضع احتمال الاحتكاك مع روسيا، وإن كان عن غير قصد، "إسرائيل" في خطر من نوع آخر: للمضي قدماً، سيتعين على "إسرائيل" تكثيف جهودها التنسيقية مع روسيا في محاولة لخنق "العدوان" الإيراني. لن تكون واشنطن غافلةً عن هذا التعاون المتزايد. فبينما توسع "إسرائيل" اتصالاتها مع موسكو مضطرةً، ستكون العلاقات الثنائية بين الولايات المتحدة و"إسرائيل" أكثر هشاشةً وتعقيداً من أي وقت مضى.

يُعَدُّ يوم الغفران على نحوٍ دائم وقتاً للتفكير في "إسرائيل". يكون تأملاً دينياً روحياً دائماً، لكنه يبقى أيضاً يوماً للتذكير بحرب تشرين/أكتوبر 1973. لا تزال حرب يوم الغفران جرحاً حياً في النفس الإسرائيلية، وهي حرب مرتبطة بفشلٍ ألحق العار بالاستخبارات وكاد أن يكلف "إسرائيل" وجودها تقريباً. وهكذا، بينما يأخذ الشرق الأوسط تحولات ومنعطفات جديدة، يجب على صناع القرار الإسرائيليين أن يغرقوا في التفكير. قد لا يكون القرار الذي اتخذه الرئيس ترامب مؤخراً زلزالاً بمعنى الكلمة بالنسبة لـ "إسرائيل"، ولكنه يتطلب بالتأكيد ما يسمّيها الإسرائيليون "محاسبة الروح".

 


المصدر: معهد بروكنغز (Brookings)


الجمل بالتعاون مع مركز دمشق للدراسات