الأميركيون في سوريا: باقون مؤقتاً لحماية النفط

عادت علاقة الأكراد مع الأميركيين في شرقي الفرات إلى سابق عهدها لناحية التفاهم الكامل وتنسيق الخطوات والتوجّهات، بعد أن ساد «توتر» خلال الأيام الثلاثة الماضية، بسبب الانسحاب الأميركي المتسارع، والهجمات التركية على مناطق سيطرة «قسد» شمال وشرق سوريا، في ظل تصاعد الدور الروسي الذي يعمل على إنجاز تفاهمات كردية مزدوجة مع الحكومة السورية والأتراك، لإعلان إيقاف العملية التركية نهائياً.

بعد تصريحات كرديّة اتهمت روسيا بالعمل لمصلحة تركيا، وتأكيد أن الوجود الأميركي في المناطق الكردية سيخلق توازناً يؤدي حتماً إلى الحفاظ على بعض المكاسب السياسية والعسكرية، جاء تصريح وزير الدفاع الأميركي، مارك إسبر، أمس، بأن قواتهم الموجودة بالقرب من حقول النفط «ستبقى للحيلولة دون وصول داعش، أو أي قوى أخرى»، ليكون محاولة «إنعاش» للأكراد، بعد سلسلة من الخيبات. ورغم أن إسبر لم يحدد سقفاً زمنياً لبقاء القوات، فإن تصريحه يؤشّر على بقائها في قواعدها ونقاطها في حقول كونيكو والعمر ورميلان النفطية في ريفي دير الزور والحسكة، ما تعدّه «قسد» كافياً لخلق توازن يحميها من أي هجوم عسكري تركي، أو سوري حكومي. لكن الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، أعلن أمس أن القوات الأميركية في سوريا ستنتقل إلى مناطق أخرى في المرحلة الأولى، «لكنها ستعود إلى الولايات المتحدة في نهاية المطاف»، ثم أكد أن «واشنطن ستبقي على عدد صغير من الجنود الأميركيين»، ما يشي بإعادة مراجعة قرار الانسحاب الكامل من الشمال السوري، الذي تحدث عنه ترامب سابقاً.



وبناءً على هذه المعطيات المستجدة، أطلق القائد العام لـ«قسد»، مظلوم كوباني، تصريحات متناقضة مع تصريحاتهم السابقة عن تفاهمات مع روسيا والحكومة السورية، وذلك بتوجيهه اتهاماً لموسكو بأنها «تساند تركيا وتحمي مصالحها»، واصفاً الدور الروسي بـ«السلبي». واعتبر كوباني أن «أي انتشار جديد للجيش السوري على الحدود سيحتاج إلى اتفاق شامل»، مستدركاً بتأكيد أن «الاتصالات مستمرة مع الجانب الروسي». كما حدد القائد الكردي الدور الروسي الذي يعوّل عليه الأكراد بـ«حماية وحدة الأراضي السورية، وحماية الشعب السوري، ومصالح الشعب الكردي». ويمكن تفسير تصريحاته بتوجّه قديم ــــ جديد لدى الأكراد للتعويل كثيراً على واشنطن، وإدخال التفاهم مع الروس والجانب الحكومي في مرحلة «تجميد».


رغم التصريحات ضد موسكو، التقى قائد «قسد» نفسه، عصر أمس، بوفد عسكري روسي وصل إلى مطار القامشلي لحمل سلة المطالب الكردية لدمشق، وتنشيط التفاهم العسكري مع الحكومة السورية وإمكانية تحويله إلى اتفاق شامل معهم. وبالتوازي، أكد مصدر كردي قال إن «الأكراد تلقّوا إشارات من أميركا تفيد بنية إبقاء جزء من قواتهم»، وهو ما اعتبروه «دعماً لهم يحصّنهم من تقديم تنازلات جديدة»، وأكد المصدر أن الكرد طلبوا من موسكو أن تضغط على دمشق لقبول الإدارة الذاتية كحل إداري للمنطقة، لافتاً إلى أنهم «يتمسّكون بالحفاظ على الهيكلية العسكرية والسياسية لقسد والأسايش، وإخضاعها لإشراف رمزي للحكومة السورية».

مع تسارع الأحداث، واقتراب مهلة «تعليق» العمليات العسكرية التركية مساء اليوم (الثلاثاء)، تتّجه الأنظار نحو لقاء الرئيسين التركي والروسي، الذي يتوقع أنه سيضع خطوطاً عريضة لمستقبل شمال وشرق سوريا. ومع التفاؤل الكردي بالموقف الأميركي الجديد، فإن الأكراد يتوقّعون أن تعلن أنقرة استئناف العملية وتهديد المناطق الممتدة من رأس العين حتى المالكية، وربما اختراق الحدود السورية ــــ العراقية عبر المالكية، للوصول إلى دير الزور والرقة. وفي حال استمرّ الضغط التركي، فقد تعلن واشنطن التراجع عن قرار البقاء بالقرب من حقول النفط، ما سيعيد الأكراد إلى مسار التفاهمات مع الحكومة السورية. مع ذلك، ترى مصادر كردية مطلعة على مسار اللقاءات بين الروس والكرد أن «الأمور لن تذهب باتجاه تصعيد خطير»، مؤكداً أن «جهوداً روسية تبذل لإنجاز تفاهمات تحمي الشريط الحدودي مع تركيا في الحسكة خلال وقت قريب».

في هذا السياق، يقول رئيس «مجلس سوريا الديموقراطية»، رياض درار، إن التطورات المتسارعة في الشمال والشرق «نتيجة تفاهمات روسية ـــــ أميركية، على حساب اقتطاع مزيد من الأراضي السورية لتركيا»، مضيفاً أن «أميركا أهدَت أراضي جديدة لتركيا، لتصحيح العلاقة المتوترة معها، ولإعادتها إلى حضن الناتو». وأضاف درار: «التفاهم الأميركي ـــ الروسي يقوم على أن الحل في سوريا سيكون على مراحل، وبعد إفقاد جميع الأطراف العناد في المواقف»، كاشفاً عن أنهم «سيناقشون مستقبل العلاقة مع دمشق في كل وقت، للوصول إلى شراكة حقيقية وتفاهم يحقق الاستقرار، ويعطي كل المكوّنات حقوقها». كما شدّد على أن «تجربة الإدارة الذاتية، التي أتت للتغطية على فراغ إداري عاشته المنطقة، قابلة للنقاش والتعديل، حتى الوصول إلى صيغة تفاهم مناسبة للطرفين». ويأمل درار أن تؤدي الوساطة الروسية إلى تفاهمات تتيح لهم المشاركة السياسية «عبر انتخابات صحيحة وجديرة بالاحترام... ما حدث من تفاهم على دخول الجيش السوري، يأتي في إطار الدور المطلوب للقوات المسلحة في حماية السيادة والحدود، وقسد في النهاية ستكون جزءاً من الجيش الوطني السوري».

 


الأخبار