التهديدُ الإرهابيُّ نتيجةُ الإهمالِ واللامبالاة

الكاتب: كولين بـ. كلارك - ترجمة: محمود حرح

ما زال "داعش" بعد أشهر من انهيار "الخلافة" الإقليميّة، يشكّل تهديداً حقيقيّاً للولايات المتحدة والمجتمع الدوليّ. إنَّ زعيم التنظيم، أبا بكر البغدادي، هو على قيد الحياة ومطارد، بينما يعيد التنظيم في معاقله السابقة بناء شبكاته، ويشنُّ حملة من الاغتيالات السياسية والكمائن والهجمات على مستوى منخفض مُعتمداً أسلوبَ حربِ العصابات. سيتمكّن "داعش" من الاستمرار بجني الأموال، حتى دون التشبّث بالأراضي، ولا يزال يمتلك مئات الملايين من الدولارات التي ستساعد جهوده في إعادة البناء.

ورغم تخصيص موارد كبيرة للحرب ضد "داعش"، يبدو أن الدول الغربية قد غسلت أيديها بخصوص التعامل مع تداعيات "داعش".ويوضح معسكر الهول شمال شرق سورية هذا الواقع، إذ يحتجز حالياً نحو 70 ألف معتقل، رغم أنَّ الغرض من تشييده في البداية كان احتجاز عدد أقل من ذلك بكثير. هناك أكثر من 90% من المعتقلين من النساء والأطفال، ونحو 10 آلاف معتقل من دول أخرى غير العراق وسورية.

في تموز/يوليو، توفي نحو 240 طفلاً، إما داخل المعسكر الذي يعاني من نقص في الغذاء والماء والدواء، أو في طريقهم إليه.أدت الظروف في المخيمات إلى تأجيج التطرف، وإلى قيام المُحتَجَزين الأكثر تطرفاً، بما في ذلك مُنتسبات متشددات في تنظيم "داعش"، بدوريات في المخيمات في محاولة لتكرار النسخة الصارمة من قانون "الشريعة" الذي كان سائداً في "الخلافة".

رغم استعادة فرنسا وهولندا لعدد قليل من الأيتام، إلا أن الدول الأوروبية رفضت إلى حدٍّ كبير إعادة مواطنيها. ومن جانبها، أعادت الولايات المتحدة بالفعل العديد من المواطنين الأمريكيين الذين قاتلوا بجانب "داعش"، بما فيهم الرجال والنساء والأطفال. ينتظر العديد من هؤلاء الأفراد المحاكمة على جرائمهم، بينما لايزال مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) يبحث عن مقاتلين أمريكيين أجانب آخرين ما يزالون في العراق أو سورية.

من السهل أن نفهم نفور السياسيين الذين يترددون في التعبير عن تأييدهم لإعادة مواطنيهم إلى بلدانهم الأصلية –ففي النهاية، من الضروري الحفاظ على التيقّظ حيال التهديد الأمني المحتمل الذي قد يشكّله بعض هؤلاء الأفراد، وخصوصاً إن لم تكن حكوماتهم قادرة على إدانتهم في المحكمة. وفي هذا السياق، ستُفرَض ضغوط أكبر على أجهزة إنفاذ القانون –وهي مُنهكة أساساً– وعلى الخدمات الأمنية للحصول على موارد لرصدها ودراستها. إن إعادة المواطنين إلى الولايات المتحدة أسهل بكثير مما هي عليه في كثير من البلدان الأوروبية، حيث الجغرافيا والتوزع البشري وشبكات "الجهاديين" الموجودة مسبقاً في أوروبا تجعل التهديدَ أكثرَ فاعلية.

هذا، وعلى أساس إعادة المواطنين إلى بلدانهم الأصلية ومحاسبتهم على جرائمهم، يمكن لدول أوروبية ودول أخرى إظهار القيم التي تفصل الدول التي تحترم حقوق الإنسان وسيادة القانون عن الجماعات الإرهابية مثل "داعش". إن الدول الأوروبية معرضة بالفعل للتهديد الذي يشكّله المتطرفون العنيفون المحليون المُندفعون بأيديولوجية متطرفة.وإذا نسيت الدّول الأوروبية مواطنيها وتخلت عنهم وهم في معسكرات الاعتقال، فهذا من شأنه أن يعزز رسالة مُفادها أنَّ الغرب في حالة حربٍ مع الإسلام، ما سيضفي الشرعية، بنظر "الجهاديين" المحتملين على الأقل، على الروايات التي طرحها "داعش". وسيكون هذا مصحوباً بالصور اليومية القادمة من معسكرات الاعتقال مثل الهول.

ففي الأسبوع الماضي، صاغت بعض أصوات الولايات المتحدة المسموعة جيداً في ما يتعلق بالأمن القومي خطاباً مفتوحاً بعنوان "إذا لم نتصرف الآن، فسينهض "داعش" من جديد". وحذّر الخطاب من مخاطر ترك المحتجزين يعانون في المعسكرات ويواجهون المستقبل كأشخاص مجردين من جنسيتهم الأصلية.

هناك 400 حارس فقط من أعضاء الميليشيات السورية الكردية، وهم المسؤولون عن معسكر الاعتقال بأكمله، حيث وُصفت جهودهم في إعادة تأهيل المحتجزين بأنها "مُطبَّقةٌ بشكلٍ متذبذبٍ، وتُطبَّقُ بقلّةِ خبرة، وفي ظلِّ نقصٍ حادٍّ في الموارد". لم يتم تدريب أعضاء هذه الميليشيات على كل الأشياء التي طُلب منهم القيام بها.


وإذا زادت حدة الموقف المتوتر بالفعل بين الكرد وتركيا، فمن المحتمل أن يتم استدعاء أفراد الميليشيات من معسكرات الاعتقال إلى الخطوط الأمامية، ما يجعل أماكن مثل الهول أكثر بؤساً.

في الماضي، قام "داعش" بتنظيم حملة لعمليات الهروب من السجون، والمعروفة باسم "عملية كسر الجدران"، حين ساعد المسلحون مئات "الجهاديين" على الهروب من السجون العراقية بين تموز/يوليو 2012 وتموز/يوليو 2013. وفي تسجيل صوتي صدر حديثاً، حثّ البغدادي أتباعه على تحرير المعتقلين في معسكرات الاعتقال.

أحرز الاتحاد الأوروبي مؤخراً تقدماً بخصوص إنشاء قاعدة بيانات مشتركة تتيح لجميع الدول الأعضاء البالغ عددها 28 دولة الولوج إلى البيانات الخاصة بالقضايا التي يتم البحث فيها، بما في ذلك التحقيقات والملاحقات القضائية لمسلحين مفترضين. لكن ما زال هناك الكثير للقيام به، ويمكن لدول الاتحاد الأوروبي أن تعجّل باتخاذ الآلية لإعادة مواطنيها وتقديمهم إلى العدالة في بلدانهم الأصلية.

تهدف قاعدة البيانات إلى مساعدة المسؤولين عن إنفاذ القانون والمسؤولين الحكوميين على القيام بمهامهم الملحّة اعتماداً على الأدلة اللازمة والموثقة لمحاكمة المقاتلين الأجانب وداعميهم.

وإضافة إلى محاكمة الأفراد الذين تثبت إدانتهم بارتكابهم للجرائم، يمكن أن تكون هناك مجموعة شاملة من مبادراتِ سياسةٍ متاحةٍ للتعامل مع مجموعة متنوّعة من السكان المحتمل عودتهم، بما فيهم النساء والأطفال، والذين من المرجح أنهم يعانون من اضطراب عصبي لما بعد الصدمة بعد أن شهدوا أو شاركوا في بعض الحالات في أعمال إرهابية وإجرامية شنيعة.

وإذا استمر تجاهلُ التهديد وتَرْكُ العراقيين والسوريين الكرد يتعاملون مع المواطنين الأوروبيين المحتجزين لديهم، فقد تساعد الدول الغربية أيديولوجيّةَ "داعش" على الاستمرار، والتي سيقوم الجيل القادم من مؤيّديها بتبنّيها.

إذا لم يُطبِّق المجتمع الدولي استراتيجيةً شاملةً للتعامل مع الهول ومعسكرات أخرى مشابهة، فإن أولئك الذين أصبحوا بلا جنسية لن يكون لديهم الكثير من البدائل سوى تحديد أنفسهم على أنهم مواطنون من "داعش"، ما يوفر له حشداً من المؤيّدين الموالين لمدّة طويلة بعد أن دُمّرت "الخلافة" الفعلية. 

 

 

الجمل بالتعاون مع مركز دمشق للدراسات