الحرب في سورية: هل تنسحب الولايات المتحدة من سورية لصالح روسيا؟

ترجمة د. محمد عبده إبراهيم


قد يؤدي انسحاب القوات الأمريكية من سورية إلى تحول روسيا إلى القوة العسكرية والسياسية المهيمنة في الشرق الأوسط. وهذا ما يقلق الآن العديد من المحللين الغربيين، الذين يعتقدون أن موسكو قد تجاوزت الولايات المتحدة في "الصّراع" من أجل شرق المتوسط.

القواعد العسكرية في سورية

أحد أهم أسباب زيادة اهتمام موسكو بالأحداث في سورية هو وجود قواعد عسكريّة روسية على الأراضي السورية، وهي ذات أهمية استراتيجية تسمح لها بالتحكم في الوضع في شرق البحر المتوسط.

تُعَدُّ قاعدة طرطوس البحرية منشأة مهمة، تم افتتاحها في عام 1971. في مرحلة ما بعد الحقبة السوفياتيّة، انخفض الاهتمام بالقاعدة، ولكن بعد ذلك زاد مرة أخرى، بالنظر إلى الوضع السياسيّ المتغير في الشرق الأوسط والعالم ككل.

في عام 2015، تم تحديث القاعدة بناءً على احتياجات توفير أسطول البحر المتوسط للبحرية الروسية، بما في ذلك ما يصل إلى 10 سفن حربية. تم تأجير أراضي القاعدة لمدة 49 عاماً، ويتم تمديد عقد الإيجار تلقائياً لمدة 25 عاماً أخرى. وقد تم الآن تصميم قاعدة للوجود الدائم لـ 11 سفينة حربية، بما في ذلك السفن الحربية مع محطة للطاقة النووية.

في عام 2016، تم اتخاذ قرار لإعادة تحويل نقطة الخدمات اللوجستية إلى قاعدة بحرية دائمة، يتماشى إنشاؤها مع المصالح الروسية في هذه المنطقة، حيث يسمح وجودها بالنشر الدائم لسفن أسطول البحر المتوسط في شرق المتوسط. وتستخدم الآن قاعدة طرطوس بنشاط أيضاً من قبل غواصات من البحرية الروسية.

كما تشكل قاعدة حميميم الجوية أهمية خاصة، حيث يتم الآن استخدام هذه القاعدة الجوية السورية من قبل القوات الجوية الروسية. في 26 آب/أغسطس 2015، تم تسليم القاعدة الجوية إلى القوات المسلحة الروسية، وهي تضم الآن وحدات الطيران التابعة للقوات الجوية الروسية ومقر القوات المسلحة للاتحاد الروسي في سورية، ومركز المصالحة وضبط حركة اللاجئين.

تعدّ قاعدة حميميم الجوية وقاعدة طرطوس البحرية من النقاط الرئيسة للمصالح الروسية في سورية. بفضل هذه القواعد، تتاح للقوات المسلحة الروسية الفرصة للعمل ليس فقط في سورية نفسها، ولكن، إذا لزم الأمر، في البلقان وشرق البحر المتوسط. إن خسارة القواعد ستكون بمثابة ضربة خطيرة لمكانة روسيا في الشرق الأوسط.

إضافة إلى القوات المسلحة الروسية، في سورية، وفقاً لمصادر عديدة، هناك أيضاً بنية لشركات عسكرية خاصة تقوم بمهام متنوعة.

تتجه جميع البلدان المشاركة في الحرب السورية تقريباً إلى "الوسطاء".  يدعم الأمريكيون قوات "قسد" الكردية وقوات المعارضة، تساعد تركيا الجماعات "السُّنية" والتركمانية في شمال سورية، وتمول السعودية عدداً من الجماعات "السُّنية"، وتعتمد إيران على حزب الله اللبناني والجماعات المسلحة "الشيعية" من أفغانستان وباكستان.

تتيح المشاركة في الصراع بين القوات التي تخرج عن سيطرة الحكومات الرسمية تجنب المسؤولية رسمياً عن أعمالها، ومن ناحية أخرى، تقلل الخسائر بين أفراد القوات المسلحة، ما يقلل من عامل الاستياء العام.

الحرب في سورية وأحدث الأسلحة

أصبحت العمليات العسكرية في سورية إلى حد ما "تدريبات عسكرية" مكّنت لاختبار أنواع جديدة من الأسلحة في الممارسة العملية، لإيجاد تفاعل بين أنواع مختلفة من القوات المسلحة والفروع العسكرية.

أولت القيادة الروسية اهتماماً خاصاً لهجمات الصواريخ والقنابل على قواعد المتشددين السوريين. فتمثيلاً لا حصراً، تم شن هجمات صاروخية على مواقع معادية من السفن الحربية الروسية الموجودة في بحر قزوين، وكذلك من الغواصات في شرق البحر المتوسط. وكانت الغواصة التي شنت هجوماً صاروخياً على الرقة مثلاً في البحر المتوسط .

لقد أثبتت الحرب في سورية للعالم أجمع أنه لا يمكن لروسيا أن تتصرف فقط عن طريق القوات البرية على طول حدودها، ولكن أيضاً تستخدم الإمكانات الكبيرة لقواتها البحرية والفضائية. أظهرت الهجمات من القاعدة في بحر قزوين على سورية البعيدة أنه ليس من الضروري بالنسبة لروسيا أن ترسل سفناً إلى المنطقة المجاورة مباشرة لمنطقة الحرب –فهناك سلاح يسمح لها أن تقوم بتوجيه ضربات عسكريّة من مسافة آلاف الكيلومترات.تم إعطاء دور خاص لمعدات الحرب الإلكترونية التي اضطر الجنرالات الأمريكيون للاعتراف بها، وتحليل الوضع في سورية. لذلك، في ربيع عام 2018، اضطر رئيس أركان قيادة العمليات الخاصة للجيش الأمريكي إلى الاعتراف بأنه في الشرق الأوسط، كان ينبغي على الجيش الأمريكيّ العمل في أقسى ظروف الحرب الإلكترونية في العالم الحديث. أي أن الجيش الروسي قد اختبر في الممارسة العملية معدات حرب إلكترونية جديدة أثبتت فعاليتها العالية.

هذا، وبفضل استخدام القاعدة البحرية في طرطوس، فإنَّ روسيا لديها الفرصة، إذا لزم الأمر، للسيطرة على كابلات الاتصالات البحرية التي تربط الشرق الأوسط بأوروبا. في هذه الحالة، يمكن للغواصات الروسية تدمير البنية التحتية للاتصالات، وبالتالي إلحاق ضربة قوية بالدول الغربية. وقد تم الاهتمام بهذا الأمر منذ مدّة طويلة من قبل قيادة القوات المسلحة لبريطانيا، وهي إحدى الدول الأوروبية التي تشعر بالذعر من زيادة النفوذ العسكري - السياسي الروسي في منطقة البحر الأبيض المتوسط.

العلاقات الروسية-الإيرانية في سياق الحرب السورية

سمح القتال في سورية لروسيا بتوثيق التفاعل مع إيران. في السنوات الأخيرة، أصبحت طهران واحدة من أقرب حلفاء روسيا في الشرق الأوسط.

إيران ببساطة ليس لها منظور آخر، بالنظر إلى العلاقات الصعبة مع الولايات المتحدة وأوروبا الغربية، والتنافس مع المملكة العربية السعودية والعداء الطويل الأمد مع "إسرائيل". نظراً لأن طهران كانت مهتمة أيضاً بالحفاظ على "النظام" القائم في سورية، فقد عملت القوات المسلحة الإيرانية والروسية معاً، وتم وضع آليات التواصل بينهما.كما أنّه بالنسبة لإيران وسورية، أصبح الوجود العسكريّ الروسيّ ضماناً للأمن وللقوات العسكرية. ففي ظل وجود القوات الروسية على الأراضي السورية، تخشى "إسرائيل" ضرب المواقع الإيرانية في سورية. والقيادة الإسرائيلية غير مربحة للغاية إزاء قيام روسيا بنشر نظام دفاع جوي واسع في سورية، لأن هذا سيحرم الجيش الإسرائيلي تماماً من فرصة ضرب مواقع حزب الله وفيلق الحرس الثوري الإسلامي الإيراني في سورية.في الوقت نفسه، اكتسبت روسيا فرصاً واسعة للضغط على "إسرائيل" وتركيا والسعودية وكذلك على إيران وسورية. واستعادت موسكو موقع أحد أقوى اللاعبين السياسيين في الشرق الأوسط. تستمع الآن جميع أطراف الصراع في الشرق الأوسط إلى روسيا، حيث تحتفظ موسكو بعلاقات طبيعية مع أنقرة والرياض وطهران والقدس. ويضطر الإسرائيليون أيضاً إلى أخذ وجود القوات الروسية في سورية بالحسبان وعلى محمل الجد.

هل يتخلى الأمريكيون عن الشرق الأوسط لصالح روسيا؟

بالنسبة للولايات المتحدة، لم يعد الشرق الأوسط هو "النقطة الأولى" على خريطة العالم الحديث مع مرور الوقت. على الرغم من أن الجيش الأمريكي لا يزال موجوداً في سورية، إلا أن واشنطن تبدي اهتماماً أقل بالشؤون السورية. إذا كان الشرق الأوسط خلال الحرب الباردة واحداً من المناطق الرئيسة في العالم التي تكشفت فيها مواجهة النظامين، أصبحت الآن منطقة آسيا والمحيط الهادئ نفسها ذات أهمية أكبر للقيادة الأمريكية.لا تخفي إدارة دونالد ترامب الرغبة الآن في سحب أكبر عدد ممكن من الجنود الأمريكيين من سورية وكذلك من أفغانستان. ولهذا السبب، ظهرت تناقضات خطيرة في القيادة العسكرية والسياسية للولايات المتحدة. لم يرغب الكثير من القادة العسكريين الأمريكيين في الانسحاب من سورية، خوفاً من أن يؤدي ذلك إلى تقويض المواقع الأمريكية والسماح للحكومة السورية بإنهاء المعارضة نهائياً.

إضافة إلى ذلك، لفت معارضو انسحاب القوات الانتباه إلى وضع خطير للغاية مع إيران و"إسرائيل". إن وجود الجيش الإيراني في سورية، وتفعيل حزب الله –يخلق العديد من المخاطر لـ "إسرائيل"، الحليف التقليديّ للولايات المتحدة في الشرق الأوسط. لكن ترامب، رغم موقفه الداعم تجاه "إسرائيل"، لم يتخل بعد عن فكرة التقليل من الوجود العسكري الأمريكي في سورية.

ومن المثير للاهتمام أنَّ الأمريكيين، الذين ينتقدون بشدّة علاقات روسيا مع أوكرانيا، لا يطالبون موسكو بسحب القوات الروسيّة من سورية، بل إنهم يتفاعلون ببرود مع الدعم الروسي للحكومة السورية. لكن هل هذا يعني أن واشنطن تخلت تماماً عن فكرة السيطرة على الشرق الأوسط وقررت "التخلي عنها" لروسيا؟

على الأرجح، نحن لا نتحدث عن هذا، فالأميركيون مرتبكون بشكل خطير للغاية في الشرق الأوسط، ولديهم الكثير من المشاكل، وليس فقط المشاكل المالية (لا يزالون ينفقون مليارات الدولارات للحفاظ على جيشهم، وعلى الجماعات المسلحة المعارضة للحكومة السورية).

وهكذا، فقد أدى دعم الميليشيا الكردية ضد الحكومة السورية إلى تدهور حادّ في العلاقات بين أنقرة وواشنطن –بالنسبة لأردوغان، فإن الأكراد هم أسوأ المعارضين وأي دعم من الأمريكيين تتلقاه الميليشيات الكردية يعدّه الرئيس التركي خيانة. لكن تركيا كانت تُعَدّ ذات يوم الحليف العسكري والسياسي الرئيس للولايات المتحدة في شرق البحر المتوسط!وتدرك الولايات المتحدة جيداً أن روسيا ليست مهتمة بتقوية إيران بشكل كبير. في هذه الحالة ستوقف موسكو بنفسها طهران. يتجلى ذلك أيضاً في حقيقة أن فلاديمير بوتين وبنيامين نتنياهو يتواصلان عن كثب، ويظهران الطبيعة الخاصة للعلاقات الروسية الإسرائيلية. لذلك، من السابق لأوانه القول: إن الولايات المتحدة تتخلى ببساطة عن الشرق الأوسط لصالح روسيا.

 



الناشر: مركز شؤون بلغاريا العسكرية للأنباء وللتحليل والدراسات

 
الجمل بالتعاون مع مركز دمشق للدراسات