وعلّق في المرجة : (قصة كوهين)

الجمل ـ بشار بشير :

منذ أن أُعدم إيلي كوهين (الذي كان بنتحل أسم كمال ثابت ) في 18 آيار 1965 في ساحة المرجة في دمشق       والبروباغاندا الإسرائيلية حوله لا تهدأ , أخبار وقصص وكتب وأفلام ومسلسلات آخرها مسلسل الجاسوس (Spy) الذي أطلقته شبكة (نتفلكس) .

أذكر بصورة غائمة صور من محاكمة كوهين التي بُثت على التلفزيون وأنا صغير , وفيما بعد تابعت قصته وسمعت تفاصيل عنها من أشخاص ذوي علاقة مباشرة بها , وآن الأوان لسرد  قصة كوهين بشكل اقرب للحقيقة .

في كل لحظة في كل بلد هناك عشرات الجواسيس وكوهين ليس حالة إستثنائية بين هؤلاء الجواسيس . هو أستاذ رياضيات جنَّده الموساد و أٌرسله إلى الأرجنتين ليعيش هناك كسوري  , تقَرب كوهين من السفارة السورية بالأرجنتين وتعرف على أعضائها وقدم لها وللدولة السورية  تبرعات وخدمات ( جزء من عملية زرعه كجاسوس) أكتسب ثقة أعضاء السفارة وخاصة الملحق العسكري ,الذي ظل كوهين على تواصل معه , بعد أن عاد لسورية  وتمنى عليه أن يساعده للعودة إلى "وطنه" وهكذا كان ,

وأصبح كوهين في دمشق , رجل أعمال ناجح صاحب ثروة أعزب مُحب للحفلات وبدأ بنسج علاقات مع فنانين ومسؤولين وضباط  وتجار و حتى قوادين ومع إتساع علاقاته بدأ بتجميع المعلومات والأخبار وإرسالها لمشغليه . سكن كوهين في منطقة أبورمانه ( قرب فندق الداماروز حالياً) ربما ساعده موقع منزله قرب الثكنة العسكرية  الموجودة هناك بالإطلاع على بعض ما يجري بها و لكن الروايات التي تتحدث عن مساعدته أو إنقاذه لآمر الثكنه أثناء هجوم عليها ( أيام الإنقلابات والإضطرابات ) أو أن وزير الدفاع السوري أصطحبه معه أثناء تفقد خطوط الجبهة  مما أعطاه الفرصة ( نتيجة لذكائه كأستاذ رياضيات ) لحفظ كافة المواقع والمرابض والدشم على الجبهة وإرسالها إلى إسرائيل , فهي تفتقد إلى الموثوقية  وأغلبها هي بروباغاندا صهيونية , ولعل أكثر الروايات فجاجة هي التي رَوَّجت أنه كان مرشحاً لشغل منصب وزير في الحكومة السورية وهي رواية تلقفها بعض السوريين للأسف وبدؤا يتناقشوا هل كان سيشغل منصب وزير إعلام أم وزير دفاع !! (كذا) .

في تلك الأيام كان الجاسوس يُزود بجهاز لاسلكي يرٌسل المعلومات (مشفرة ) لمشغليه عبره وكانت عمليات مكافحة التجسس بمعظمها تقوم على تتبع وإكتشاف الإشارات اللاسلكية المجهولة , لكي يموّه كوهين على إشارة جهازه بحيث لا يتم  إكتشافها وكشفه  أستطاع أن يعرف توقيت بث إحدى السفارات القريبة من بيته ( كان يُسمح لكل سفارة بموجة محددة وبوقت محدد للبث ) وأخذ يبث بنفس التوقيت , والذي حصل أن بث كوهين شوَّش على بث السفارة فتقدمت بشكوى رسمية تطالب  بعدم التشويش على إشارتها ( خاصة أنها سفارة دولة صديقة ) أُحرجت السلطات السورية لأنها لا يمكن أن تشوش على بث سفارة وبدأت بمتابعة الموضوع لتكتشف وجود إشارة غريبة مصاحبة لبث السفارة , تسلم المهمة في ذلك الوقت ضابط شاب أسمه ( محمد ناصيف – أبو وائل رحمه الله ) و ما سيرد لاحقاً هو ما سمعته منه , أستعمل  "راشدة"  سيارة ستيشن كانت تحمل أحدث أجهزة كشف الإشارات وتابع بصبر إشارات اللاسلكي حتى أستطاع أن يحدد من أين تصدر الإشارة الغريبة حتى أنه أستحصل على مخطط البناء الذي تصدر منه الإشارة وتوصل أن يعرف من أي غرفة بالتحديد تصدر , ثم تم صنع مفتاح لقفل المنزل المقصود وأنتظر رجال الأمن السوريين موعد البث التالي ليفتحوا الباب بهدوء شديد ويدخل الضابط (على الأغلب هومحمد ناصيف) إلى الغرفة التي كان يجلس فيها كوهين منهمكاً بالإرسال على جهازه دون أن يحس بما يجري ورائه إلى أن لمح ظلاً فوق كتفه يراقب ما يفعله .الخبر التالي الذي سمعته إسرائيل من كوهين أو بالأصح عن كوهين كان خبر محاكمته وشنقه .

الأخبار المتداولة , عن أن الفضل في كشف كوهين يعود للمخابرات المصرية  وأحياناً يُزاد عليها بأن الجاسوس المصري "الشهير" رفعت الجمّال ( رأفت الهجان) هو الذي علم بوجوده في سورية وحذر الأجهزة المصرية التي حذرت بدورها السوريين , غير دقيقة وإعلانية أكثر ما هي حقيقية  وخاصة أنه في وقت تواجد كوهين في سورية كان هناك جاسوس إسرائيلي خطير تم زرعه في مصر بطريقه مشابهة لزراعة كوهين في سورية , لكن الجاسوس العامل بمصر أستطاع الفرار بعد إنتهاء مهمته يوم بدء حرب حزيران عام 1967 وذلك حسب الرواية الإسرائيلية المتدولة بشكل ضيق جداً عن هذا الجاسوس الذي لم يُكشف حتى الآن عن أسمه , بعكس التطبيل الحاصل للفاشل كوهين .

الغريب أنه جرت عدة محاولات في سورية  لإنتاج مسلسل عن كوهين بدل أن يتم السعي لإنتاج مسلسل أو مسلسلات تخلد الأبطال الذين أوقعوا بكوهين أوآلاف الأبطال السوريين  الذين يستحقون أن تُروى قصصهم.

 كوهين لم يكن أبداً (الجاسوس المستحيل) كما أسمته إسرائيل , هو في الحقيقة و بالطريقة التي سقط بها وبعد تعليقه بالمرجة لا يستحق أن يكون إلا (الجاسوس الهبيل) .