«موضوعات تاريخية عن اللاذقية»: فرضية ثالثة في تفسير لغز نهاية أوغاريت |

في عشر مقالات، أو كما سمّاها «موضوعات» يُنجز الباحث خالد فتّاحي كتابه (موضوعات تاريخية عن اللاذقية) الصادر مؤخراً عن الهيئة العامة السورية للكتاب – وزارة الثقافة، وميزة هذه الموضوعات أنها تأتي منفصلة، بمعنى أنّ الباحث لا يأخذ تسلسل الأحداث التاريخية التي وقعت للمدينة الساحلية وما حولها بالتسلسل التاريخي، وإنما يصف أحداثاً يراها أنها كانت سبباً لما آلت إليه اللاذقية اليوم، فهو حيناً يصير في الزمن السوري البعيد إلى ما قبل الميلاد يُفسر أو يجمع تفسيرات لما قد حدث من وقائع، وحيناً يكون في الزمن الحاضر يتحدث عن دور السينما في اللاذقية، وأين كانت شوارع الفن السابع، أو ربما يذهب إلى الزمن القريب.


ويتحدث عن الصناعات اليدوية والحرفية في عروس الساحل السوري مُتبعاً المنهج الوصفي العلمي في البحث، ومحاولاً تطعيم تلك الأبحاث بإيراد الكثير من القصائد والأشعار، وحتى الأخبار الطريفة حتى لا تبدو القراءة التاريخية جافة ولاسيما أنّ الكثير من الوقائع كانت كوارث كما يأتي في سرده الطويل عن تاريخ الزلازل في اللاذقية.. موضوعات تمكن قراءتها أيضاً منفصلة، وليس بالضرورة قراءتها متسلسلة كما أوردها الباحث في الكتاب، ذلك أنّ كل موضوع منها، لو تمّ التوسع به أكثر يكاد يُشكّلُ كتاباً بمفرده، وفي النهاية هي موضوعات متنوعة عن هذه المدينة وما حولها، التي لاتزال تُخبئُ الكثير من حكايا عمرها الذي يتماهى في عمر سورية العتيقة..


من هذه الموضوعات نذكر: تاريخ قلعة اللاذقية، الأعمدة الرومانية في اللاذقية، المسرح الروماني في اللاذقية، دور السينما في اللاذقية.. كما يُخصصُ الدكتور فتّاحي فصلاً كاملاً عن الصور واللوحات التي بدورها وثقت الكثير من وقائع المدينة ومواقعها، التي الكثير منها اليوم إما تغير وإما أضيف إليه، أو اندثر تماماً..

وفي هذه القراءة الكتاب؛ أريد أن أتوسع أو أورد ما جمعه الباحث من نظريات لنهاية أوغاريت، التي كانت فيها، أي في ذلك الزمن البعيد – قبل الميلاد- راميتا، وهو الاسم القديم لمدينة اللاذقية؛ تابعة لأوغاريت، وليس كما اليوم إذا تتبع رأس شمرا أو أوغاريت إلى اللاذقية، تماماً كما كانت طرطوس أو أرادوس تتبع أتنرادوس أو مملكة أرواد على الساحل ذاته.

وذلك لما كان لـ «أوغاريت» من أهمية في تغير مسار التاريخ، ليس السوري وحسب، وإنما التاريخ العالمي، وعلى الصعد كلها الاقتصادية والاجتماعية والفكرية، ولو لم تُنجز أوغاريت غير «الأبجدية» منذ (3300) سنة؛ لكفاها أهميّة ومكانةً عالمية في هذا الكون..

وفي هذا المجال يربط د.فتّاحي مصير أوغاريت بمصير القارة الغارقة «أطلنطس» تلك القارة الغامضة التي كانت أولى الإشارات إليها في كتابات لفيلسوف الإغريق أفلاطون (430 – 347 ق.م) والذي عاش بعد هلاك هذه القارة بألف سنة.. وفي تلك الحوارات التي كان أفلاطون يُجريها ولاسيما حول رؤيته في خلق الكون ومفهوم المكان؛ فهو يذكر أنّ أطلنطس تقع في المحيط الأطلسي، وراء أعمدة هيركوليس، وهو الاسم القديم لجبل طارق، ويصفها بأنها ذات حضارة متقدمة من جميع النواحي.

هذه الإمبراطورية التي توصف بأنّ وسطها كان يحتله جبل بركاني؛ اختفت في يومٍ وليلة وغاصت تحت مياه البحر.. غير أن عالم الآثار اليوناني كلانوبولس، له رأي آخر في موقع أطلنطس، عندما عينها بجوار جزيرة«ثيرا» في بحر إيجة على بعد (215كم) جنوب شرق العاصمة اليونانية أثينا، وقد شوهدت المباني فوق بعضها تحت الماء ومنها قلعة بوسيدون، والبعض يقول إنه كان ثمة قارتان يطلق عليها «أطلنطس» وربما لقيا المصير نفسه.. ما يهم في الأمر؛ هو عثور الباحثين في جزيرة «أناتي» الواقعة على بعد (25كم) شرق جزيرة سانتورين في أعالي أحد الأودية على طبقةٍ من «التيغرا» سماكتها (5م) تكونت في البحر أثناء ثورة سانتورين ثم حملتها إلى اليابسة موجة تسونامي، وفي رأي هؤلاء الباحثين إنّ تسونامي بركان (ثيرا) سانتورين؛ كان واحداً من أعنف البراكين التي عرفتها البشرية حيث أخفى التسونامي الناتجة عنه حضارات إنسانية كبيرة برمشة عين قبل الميلاد بـ (140) سنة..

وقد ذكرت مختلف الرقم الطينية التي عُثر عليها في أوغاريت جميع الأمور الحياتية في المملكة، ولم يُعثر من بينها أي ذكر لهذه الكارثة الكونية الكبرى، وفي رأي فتاحي إن هذا يدل على أن أوغاريت كانت قد مُحيت من الوجود إثر هذا الانفجار، حيث تقع أوغاريت بالقرب من البحر، ولا تبعد عن ثيرا سوى (840كم) وهي مكشوفة وليس لها أي مقومات للصمود في وجه الطوفان البحري.. رغم أن الباحث يورد فرضيتين أخريين عن هلاكها:صالأولى: من خلال غزوات شعوب البحر من قبائل مختلفة كانت تأتي من مناطق أرخبيل بحر إيجة والبلقان كقراصنة ومهاجرين، حيث كثيراً ما دمروا مدناً فينيقية كثيرة على الساحل السوري، وهذه في رأيه فرضية ضعيفة، لأنه لو كان الأمر كذلك لأعيد بناؤها مرةً أخرى، وأما الفرضية الثانية، فهي ما يُشير إليها كلود شيفر؛ إنّ أوغاريت هلكت في أعقاب تعرضها لهزة أرضية، ولم تقم للمدينة قائمة بعدها..

وهذه في رأيه فرضية ضعيفة لتفسير لغز المدينة التي اختفت فجأةً نحو عام (1180 ق.م) وبقيت مختفية كل تلك السنين الطويلة حتى سنة (1928م) وبالمصادفة البحتة من خلال سكة محراث لفلاح ريفي كان يحرث حقله ذات صباحٍ بعيد عندما علقت إحدى الألواح بسكة الفلاحة التي يجرها ثوران، وإلى اليوم رغم أهمية اكتشاف ذلك الفلاح لهذا الكنز التاريخي الإنساني؛ لم يُذكر اسمه في أي سجلات، وإنما تمّ وباستفاضة ذكر الباحثين الفرنسيين الذين تولوا التنقيب.. حيث عاشت أوغاريت عصرها الذهبي الذي امتدّ بين (1440 ق.م) وانتهى عام (1360 ق.م) بفعل كارثة طبيعية، وليس بفعل تدخل بشري..

كما أنّ هناك من وضع أكثر من احتمال لنهاية المملكة وحضارتها؛ منها أنّ حريقاً هائلاً قضى عليها.. غير أنّ أقوى الفرضيات التي يتبناها الدكتور خالد فتّاحي هي تداعيات انفجار ثيرا بما يُمثله من أكبر كارثة طبيعية في تاريخ البشرية، الذي بلغت قوته (200000) قنبلة ذرية.. هذا الانفجار الذي تسبب في ظاهرة العصور المظلمة خلال القرن الثاني عشر قبل الميلاد.

 

 


تشرين -  علي الرّاعي