بانت سعاد: القصيدة التي أنقذت رأس صاحبها

مُخفيًا وجهه في عمامة، اندسَّ وسط المسلمين المقبلين على مسجد الرسول لأداء صلاة الصبح، يرتعد من شدة الخوف، فالرجل مقبل على امتحان عظيم لن تُنجيه منه إلا موهبته الشعرية، التي لطالما أنصفته وأعلت من قيمته بين قومه، فهل ستنقذ رقبته الآن؟


انتظر حتى فرغ الرسول من الصلاة، وأخذ نفسًا عميقًا لعله يكون الأخير له، واقترب منه، ثم حسر العمامة عن وجهه، وكان النبي لا يعرف شكله، جلس بين يديه وقال له متضرعًا: «هذا مقام العائذ بك يا رسول الله، أنا كعب بن زهير». وما أن نطق بِاسمه حتى رفع أحد الأنصار سيفه طالبًا الإذن من النبي: «دعني أضرب عنقه». إلا أن الشاعر المخضرم كان بجعبته ما يمكن تقديمه للرسول أكثر من تلمس العفو بجملة قصيرة، فانتصب من فوره واقفًا وسط القوم ينشد:


بانَت سُعادُ فَقَلبي اليَومَ مَتبولُ *** مُتَيَّمٌ إِثرَها لَم يُفدَ مَكبولُ

غير عالمٍ بأنه لن ينال بقصيدته عفو النبي وحسب، بل مكانًا خالدًا في الشعر العربي إلى يوم الدين.


سليل الشعراء

 

لَقَد أَقومُ مَقامًا لَو يَقومُ بِهِ *** أَرى وَأَسمَعُ ما لَو يَسمَعُ الفيلُ


لَظَلَّ يُرعَدُ إِلَّا أَن يَكونَ لَهُ *** مِنَ الرَسولِ بِإِذنِ اللَهِ تَنويلُ

هو «كعب بن زهير بن أبي سلمى»، وأبو سلمى هو ربيعة بن رباح المزني (نسبة إلى مزينة إحدى قبائل مضر)، أما أمه فهي كبشة بنت عامر بن عدي بن سحيم، تزوجها زهير ثم نزل فيهم هو وأهل بيته، وكانت منازلهم في نجد.


ويحكي الدكتور عبد الغفور الأسود، في دراسته التحليلية في جوانب شعر كعب بن زهير، أن العرب كانوا يقولون إن الشعر لم يتصل في ولد أحد فحول شعراء الجاهلية قدر اتصاله في ولد زهير، فكعب وأبوه زهير وجده أبو سلمى، وعمتاه سلمى والخنساء (غير الخنساء تماضر أخت صخر)، وخال أبيه بشامة بن الغدير، وابنة عمته الخنساء (تماضر) وأخوها صخر، وأخوه بجير، هؤلاء كلهم شعراء، وفي هذه البيئة التي تفيض إلهامًا ترعرع كعب، فسمع الشعر طفلًا ورواه ناشئًا وقاله شابًّا.

طِر إليه، إنه لا يقتل تائبًا

أُنبِئتُ أَنَّ رَسولَ اللَهِ أَوعَدَني *** وَالعَفُو عِندَ رَسولِ اللَهِ مَأمولُ

مَهلًا هَداكَ الَّذي أَعطاكَ نافِلَةَ ال *** قُرآنِ فيها مَواعيظ وَتَفصيلُ

في العام 8 هجريًّا، سبق جبير بن زهير أخاه إلى الإسلام، تاركًا الأخير على وثنيته، فشقَّ عليه ما فعله وانتقد تصرفه على طريقته، فبعث إلى أخيه أبياتًا يلومه فيها على الإسلام، ويتعرض فيها للنبي ولنساء المسلمين بهجاء مقذع، ولما علم الرسول بأمر هذه الأبيات أهدر دمه، قائلًا لأصحابه: «من لقي منكم كعبًا فليقتله»، خاف جبير على أخيه، فبعث له رسالة يُطالبه فيها بالقدوم على النبي، وطلب الصفح منه، قائلًا له: «إن كانت لك في نفسك حاجة فطر إليه، فإنه لا يقتل أحدًا جاءه تائبًا».

لما انتشر وعيد الرسول له في أرجاء الجزيرة أبت قبيلة كعب أن تجيره، فضاقت عليه الأرض بما رحبت، وهي مرحلة خلَّدها كعب في شعره بنفسه قائلًا:

يَسعى الوُشاةُ بِجَنبَيها وَقَولُهُم *** إِنَّكَ يَا بنَ أَبي سُلمى لَمَقتولُ


وَقالَ كُلُّ خَليلٍ كُنتُ آمُلُهُ *** لا أُلفِيَنَّكَ إِنّي عَنكَ مَشغولُ

وفي ظل هذا الإحساس المضطرم الذي اختلطت فيه مخاوفه بتخلي الناس عنه برغبته في النجاة، تولدت قصيدته الخالدة في ذهنه، وتوجه بها إلى المدينة، حيث أنشدها في حضرة النبي بعد صلاة الصبح، وبلغ إعجاب النبي بها مليًّا أنه ظل يومئ بعلامات الإيجاب وهو ينظر لمن حوله داعيًا إياهم لتدبر معانيها، حتى بلغ بيتًا قال فيه:

إِنَّ الرَسولَ لَنورٌ يُستَضاءُ بِهِ *** مُهَنَّدٌ مِن سُيوفِ اللَهِ مَسلولُ

والمهند من سيوف الهند المطبوعة، وهو من أقوى السيوف، وبهذا قصد ابن زهير تشبيه الرسول بالسيف المجلي الحاد المصنوع في الهند، وقد سلَّه الله في وجه أعدائه، بينما يهدي أتباعه ويضيء الطريق أمامهم. وما أن ألقى زهير هذا البيت حتى ألقى عليه النبي بردته، تكريمًا له وصيانةً لدمه.

بانت سعاد

بانَت سُعادُ فَقَلبي اليَومَ مَتبولُ *** مُتَيَّمٌ إِثرَها لَم يُفدَ مَكبولُ


وَما سُعادُ غَداةَ البَينِ إِذ رَحَلوا *** إِلّا أَغَنُّ غَضيضُ الطَرفِ مَكحولُ


على الرغم من أن اسمها الأصلي هو «بانت سعاد»، فإنها اشتهرت بلقب آخر هو «البردة»؛ بسبب ارتباطها بمنح النبي بُردته له تقديرًا لكلماته المادحة التي أنقذت رقبته.

ويحكي سيد أحمد محمد، أستاذ الأدب بكلية اللغة العربية جامعة الأزهر، في كتابه «شرح قصيدة كعب بن زهير»، أن هذه القصيدة التي جاءت في بحر البسيط لقيت عناية لم تحظَ بمثلها أخرى في تاريخ التراث العربي، وعُدَّت من أنفس المدائح وأعلاها مقامًا، وتناولها عشرات العلماء بالشروح المختلفة التي غطت جوانبها النحوية والبلاغية والصرفية، فمثلًا شرحها الخطيب التبريزي، وأبو البركات بن الأنباري، وعبداللطيف البغدادي، وابن هشام الأنصاري، والحسيني الشنقيطي، والقاضي شهاب الدين بن شمس الدين، وأحمد بن محمد الأنصاري، وعبد الباقي بن علي، وغيرهم الكثيرون.

في شرحه للقصيدة يوضح سليمان العُجيلي أن «البردة» المشتملة على 57 بيتًا حافظت على عادة العرب إذا وضعوا قصيدة مدح افتتحوها بـ «تشبيب» (إشادة) معبِّر عن الغزل، يشمل ما في المحب من صفات دلت على المحبة كالشغف والنحول والأرق والحزن وغيرها، وهو ما اختار كعب أن يبدأ به عمله الاستثنائي. ومن بعد الافتتاحية الغزلية انطلقت أبياته لتوجه المدح للرسول، ومن بعده المهاجرين.

والطريقة الرائعة التي اختار كعب أن يختم بها عمله كانت على أروع ما يكون، حيث ختم ببيت مدح للرسول خصه فيه بالذِّكر، ثم أعقبه بمدح أصحابه بقوله «في عصبة …»، واستمر يمدح المهاجرين من قريش في باقي الأبيات حتى لما بلغ قوله:

لا يَقَعُ الطَعنُ إِلّا في نُحورِهِمُ *** ما إِن لَهُم عَن حِياضِ المَوتِ تَهليلُ

قرر ألا يترك الأنصار دون نفحة مدح، فمنحهم قصيدة أخرى بدأها:

من سرَّه كرم الحياة فلا يزل *** في مقنبٍ من صالح الأنصار

وتباينت آراء المؤرخين حول ما إذا كانت «سعاد» الوارد ذِكرها في البيت الأول شخصية حقيقية أم لا، فبعضهم اعتبرها رمزًا معنويًّا للمرأة، وآخرون كالقاضي أبي المحسن الروياني في كتابه «بحر المذهب» قال:

هي امرأته وبنت عمه، ذكرها في القصيدة لطول غيبته منها لهروبه من النبي.

فيما بعد حاول معاوية بن أبي سفيان شراء بردة النبي منه بعشرة آلاف درهم فرفض، فاشتراها عقب وفاته من أبنائه بـ 20 ألفًا، وظلت تتناقل في دور المُلك حتى وصلت إلى الخلفاء العباسيين، الذين كانوا يلبسونها في الأعياد، إلى أن انقطع خبرها بعد اجتياح التتار للمنطقة. أما كعب نفسه فقد حسن إسلامه وعاش طويلًا، وعاصر الاقتتال بين علي ومعاوية، وانحاز للأول، ولم يجد طريقة لنُصرته في معركته إلا بسلاحه الذي لا يخيب، فقرض له قصيدة مدح.

 

 


إضاءات