صفقة (المنطقة الآمنة) والتفاهم التركي مع الأكراد

الكاتب:سونر كاغابتاي -إعداد: نور الشربجي

نتحدث في هذا المقال عن الاتفاق الذي جرى بين أنقرة وواشنطن في السابع من آب/أغسطس بشأن "إقامة مركز عمليات مشتركة في تركيا في أقرب وقت ممكن من أجل تنسيق إنشاء منطقة آمنة وإدارتها" في سورية. قد يساعد هذا التطوّر على إعادة تنظيم العلاقة بين حزب العمال الكردستاني في تركيا وفرعه السوري "وحدات حماية الشعب (YPG)" الذي يسيطر على مساحات شاسعة من الحدود الشمالية لسورية. وقد تساعد هذه الخطوة على حلّ مشكلة كبيرة في العلاقات الأمريكية-التركية.

اعتمدت واشنطن منذ عام 2014 على "وحدات حماية الشعب" لمحاربة تنظيم "داعش" في سورية، ما عزز بشكل كبير من قوة المجموعة الكردية وقبضتها الإقليمية. لكن هذه السياسة تتعارض مع أولوية أمريكية، وهي: استئناف محادثات السلام المنهارة بين تركيا وحزب العمال الكردستاني الذي تعدّه أنقرة التهديد المحلي الرئيسِ لها. غير أنه من المستبعد أن يوقف حزب العمال الكردستاني استفزازاته في تركيا أو أن يعود إلى طاولة المفاوضات طالما أن فرعه في سورية يحقق النجاح. إنّ ترتيبات المنطقة الآمنة المقترحة تنطوي حتى الآن على تقليص وجود "وحدات حماية الشعب" على طول الحدود –ما يشكّل نقطة انطلاق جيدة لكبح جماح حزب العمال الكردستاني، وتحسين العلاقات الأمريكية مع أنقرة، وتجنب التدخل التركي المدمر المحتمل في سورية.

تغيير العلاقة بين "وحدات حماية الشعب" وحزب العمال الكردستاني

تُعد "وحدات حماية الشعب" الجناح العسكري لحزب الاتحاد الديمقراطي الذي خرج عن حزب العمال الكردستاني عام 2003. وتصنف واشنطن وأنقرة هذا الأخير بالكيان الإرهابي نظراً لشنّه حرباً على الحكومة التركية. إلا أن أنقرة هي الوحيدة التي تعد "وحدات حماية الشعب" جماعة إرهابية، إذ تراها مرادفة لحزب العمال الكردستاني.

لعب حزب العمال الكردستاني لسنوات عديدة دور المنظمة الأم في علاقاته مع حزب الاتحاد الديمقراطي، حيث رسم معالم سياسات الأخير بشكل ملحوظ. وعلى نحو مماثل، حفّزت النجاحات العسكرية لـحزب العمال الكردستاني في تركيا القاعدة الكردية لحزب الاتحاد الديمقراطي في سورية.

لكن الحرب في سورية غيّرت هذه الديناميات. ففي عام 2012، قدّمت أنقرة دعمها للمعارضة السورية، ما دفع بالدولة السورية إلى سحب الجيش السوري من المناطق ذات الأغلبية الكردية في الشمال، الأمر الذي سمح لـ "وحدات حماية الشعب" بملء الفراغ.

لم تتخذ أنقرة موقفاً عدائياً إزاء تحركات "وحدات حماية الشعب" في البداية، ويعود السبب جزئياً إلى أن المسؤولين الأتراك كانوا في خضم دخول محادثات سلام مع حزب العمال الكردستاني في عام 2013. لكن بعد مرور عام، برزت "وحدات حماية الشعب" إلى الواجهة أثناء محاصرة عين العرب "كوباني"، إذ لم تقم بالتصدي لـ "داعش" فحسب، بل كسبت أيضاً الولايات المتحدة كحليف لها في الحملة الأوسع ضد المنظمة الجهادية. وبدعم أمريكي، استولت "وحدات حماية الشعب" على مساحات شاسعة من الأراضي في شمال سورية، من بينها نحو 50% من حقول النفط السورية والعديد من حقول الغاز الطبيعي، ثم أعلنت "الحكم الذاتي" في عين العرب "كوباني" وغيرها من المدن الشمالية الخاضعة لسيطرتها. هذه المكاسب، إلى جانب الدعم العسكري الأمريكي المستمر، منحت "وحدات حماية الشعب" ثقة كبيرة فيما يتعلق بمستقبلها.

وفي الوقت نفسه، يبدو أن تغيّر حظوظ "وحدات حماية الشعب" عدّل حسابات حزب العمال الكردستاني بشأن عملية السلام وعرقل العلاقة الأمريكية-التركية. وبينما استفادت "الوحدات" من نجاحها العسكري ما بعد "كوباني"، أطلق حزب العمال الكردستاني حملة جديدة من الاعتداءات في الداخل التركي، متسبباً بانهيار المحادثات مع أنقرة في تموز/يوليو 2015. ويبدو أن قادة حزب العمال الكردستاني يهدفون إلى إقامة "نموذج كوباني"، على أمل الاستيلاء على المدن التركية ذات الأغلبية الكردية وإعلان الحكم الذاتي هناك بنفس الطريقة التي فعلت بها "وحدات حماية الشعب" في شمال سورية.

وبحسب الكاتب، يُظهر هذا التطوّر وغيره من التطورات اللاحقة مدى نجاحات "وحدات حماية الشعب" في تنشيط سياسات حزب العمال الكردستاني. وطالما يرتفع نجمها في سورية، فمن غير المرجح أن يضع حزب العمال الكردستاني حداً للهجمات المنتظمة التي يشنها ضد قوات الأمن التركية منذ عام 2015. بعبارة أخرى، ساهمت سياسة واشنطن إزاء سورية في تمكين حزب العمال الكردستاني بشكل غير متعمد.

لذلك يجب على المسؤولين في أمريكا التأكد من أن جهودهم المقبلة بشأن اتفاقية المنطقة الآمنة وغيرها من الأمور المتعلقة بالسياسات تعمل على تقويض "وحدات حماية الشعب" بدلاً من تعزيزها. ويجدر بهم متابعة تطبيق "نموذج منبج" في المناطق الشمالية الشرقية التي تسيطر عليها المجموعة –أي نقل الحكم من "وحدات حماية الشعب" إلى المجتمعات المحلية (بما في ذلك الأكراد، الذين ما زال بإمكانهم شغل مناصب رسمية في مدن المناطق الآمنة، ولا سيما المجتمعات ذات الأغلبية الكردية، طالما أنهم ليسوا أعضاء رسميين في "وحدات حماية الشعب" أو حزب الاتحاد الديمقراطي).

التوصيات

رأى الكاتب بأن اتفاقية المنطقة الآمنة هي خطوة إيجابية، ولكنها تترافق مع تحديات كبيرة. وبالتالي على واشنطن وأنقرة إعطاء الأولوية للأهداف الآتية:

تحسين العلاقات الثنائية. ذكر الإعلان الصادر في السابع من آب/أغسطس أن السلطات ستستعى إلى نقل السيطرة على المجتمعات داخل المنطقة الآمنة إلى عناصر غير تابعة لـ "وحدات حماية الشعب". يمكن لمثل هذه الإعلانات أن تفيد العلاقات الأمريكية-التركية فقط، بما أن حزب العمال الكردستاني لن يخفف من حدة التوترات داخل تركيا قبل تقويض فرعه السوري بالكامل.

ضمان استقرار تركيا. يمكن لتجدد المحادثات بين أنقرة وحزب العمال الكردستاني أن يعزز المصلحة الثنائية في تقليص التهديدات المحلية والخارجية التي تواجه تركيا. فقد يتم تحريك الحوار التركي الأوسع نطاقاً حول القضايا الكردية، ما يوفّر منفذاً للتوترات الإثنية الكبيرة في البلاد. كما سيسهم ذلك في نزع سلاح أي وكيل روسي محتمل –فقد ساعدت موسكو على إنشاء حزب العمال الكردستاني خلال الحرب الباردة وحافظت على روابط مع المجموعة وفروعها، وهو أمر قد تستخدمه ضدّ أنقرة.

تهيئة ظروف مناسبة لتسوية مؤقتة بين تركيا و"وحدات حماية الشعب". لا يمكن لأنقرة أن تتعايش مع وجود جيوب من "وحدات حماية الشعب" في سورية ما لم يكن حزب العمال الكردستاني مستعداً لفتح محادثات سلام حقيقية مع الحكومة التركية. بعبارة أخرى، إذا اتخذت واشنطن الخطوات الصحيحة فيما يتعلق بحزب العمال الكردستاني، فبإمكانها تهيئة الظروف المناسبة للتعايش بين تركيا و"وحدات حماية الشعب". وبالتالي فإن الانفراج البطيء هو الأفضل من الحالة الراهنة للتهديدات المخيفة والتدخل العسكري التركي الوشيك ضد شريك قيّم للولايات المتحدة.  
   منع ظهور تنظيم "داعش" من جديد. العديد من المناطق الخاضعة لسيطرة "وحدات حماية الشعب" تشمل مجتمعات سورية، حيث يشكّل العرب أكثرية. وإلى جانب كونها منظمة قومية كردية، تتمتع "وحدات حماية الشعب" بنزعة يسارية تتعارض مع بعض التقاليد الإسلامية المحافظة التي يمارسها معظم السكان العرب الريفيين. وإذا استمرت المجموعة في السيطرة على هذه المجتمعات، فقد تواجه ردود فعل ساخطة قومية عربية ودينية ومعادية لليسار، ما قد يزرع بذور تمرد آخر على غرار تنظيم "داعش". ومن شأن اتفاق منطقة آمنة مطبّق بشكل ملائم أن يساعد الولايات المتحدة في تجنب مثل هذه السيناريوهات.

مواجهة تحدي اللاجئين. نظراً إلى العدد الكبير من اللاجئين السوريين في تركيا وتنامي الاضطرابات الاجتماعية والاقتصادية التي تزامنت مع وجودهم، يتطلع أردوغان إلى استخدام المنطقة الآمنة المقترحة كوسيلة لإعادتهم إلى سورية. لكن معظم هؤلاء اللاجئين هم من العرب، لذا، فإن نقلهم إلى مناطق كردية قد يؤدي إلى توترات إثنية وأعمال عنف. وبالتالي، يجب على واشنطن وأنقرة تنسيق جهودهما لمنع الاشتباكات وضمان عدم تشريد المدنيين الأكراد في شمال شرق سورية.

 


الجمل بالتعاون مع مركز دمشق للدراسات