التاريخ في روايتهم: كيف صوّر مؤرخو المغول «فتح بغداد»؟

يُوصف التاريخ عادةً بأنه «حمّال أوجه» لا يعبّر عادة عن حقيقة ما حدث، قدر تقديمه لما أُريد لنا أن نعتقد أنه حقيقة ما حدث، وهو ما يفسّر إلينا كيف وفدت إلينا صفحات تحكي أخبار وقائع زعم طرفاها المتصارعان أن كلاًّ منهما انتصر على الآخر، لا تهم الجثث والضحايا بقدر الأسطر التي ستُخلد كل هذا فيجب أن تكون حافلة بالمجد ولو بالكذب.
في هذا الموضوع قررنا أن ندير وجوهنا ناحية الضفة الأخرى ونقرأ عن واحدة من أهم حوادث تاريخنا الإسلامي، ليس من خلال صفحاتنا وكتبنا التي أراقت المحابر في تسويد سقوط بغداد العباسية، وإنما بعيون مغولية حاربت وقتلت وسفكت وهدمت، ماذا رأت وكيف أرّخت لكل هذا؟ وكيف برأت قادتها وجنودها من كل هذا الدم؟
في سبيل الحصول على هذه الرؤية اعتمدنا على كتابين لمؤرخين تفانيا في خدمة البلاط المغولي، الأول، هو علاء الدين عطا الله الجويني، الذي كان أول من عيّنه هولاكو حاكمًا على العراق عقب نجاحه في ضمها لإمبراطوريته، والثاني، هو رشيد الدين فضل الله الهمذاني صاحب أحد أشهر الكتب التي أرّخت للمغول وهو كتاب «جامع التواريخ».
اهدموا قلاع الملاحدة

البداية مع الجويني الذي يحكي في كتابه «تاريخ فاتح العالم»، أن قائد المغول «سيد وجه البسيطة» منكوقا آن الذي «اجتمع له الحلم والوقار إلى جانب الحظ اليقظ والسعادة المتزايدة» قرر أن يستخلص أقاصي شرق العالم وغربه، وفي سبيل تحقيق هذه الأمنية  صرف أخاه هولاكو الذي اجتمعت به «مخايل السُلطة ومراسم الغلبة» غربًا، حيث يقبع أعداؤهم الألداء الإسماعيليون.
لا نعرف من التاريخ المغولي سببًا حقيقيًا لهذا الخلاف الحاد، وإنما فصّله محمد سهل طقوش في كتابه «تاريخ المغول العظام والإيلخانيين»، بأن علاقة المغول مع الإسماعيليين ، الذين كانوا يعتنقون المذهب الشيعي، كانت سيئة بفعل محاولتهم التحالف مع أوروبا لمواجهة أي غزو مغولي محتمل، علاوة على السعي لتكتيل الملوك والأمراء المسمين على الخانات، رغم أن كل هذه المحاولات لم تلق تجاوبًا قط، علاوة على أن المسلمين السنة الذين كانوا تحت حكم المغول، وبخاصة سكان قزوين، شجعوا خاناتهم على القضاء على هذه الطائفة الكافرة، في ظل التناحر العميق كان مستحكمًا بين المسلمين والشيعة حينها.
أمر الخان الأعظم بحشد عدد من كبار الأمراء والقادة وألف رجل من رماة المنجنيق الماهرين ممن «بوسعهم أن يجعلوا للجمل منفذًا من ثقب الإبرة بقذائف الحجارة»، ومن قبلهم أرسل الرسل للحفاظ على المراعي والمروج التي تمر على الطريق الذي سيمشي فيه، وتوعد كل من يجعل دوابه تأكل منها بمصادرتها منه، وفور ذيوع هذا الخبر «غادر السكون والهدوء العالم».
نظّم الإمبراطور حفل وداعٍ لأخيه تجمّع فيه الأقارب وأبناء ملوك المناطق المجاورة، وظلوا يقترعون بإلقاء الزهر ويتجرعون الكئوس ويرتدون ثيابًا من لون واحد، وفي يوم 19 من أكتوبر عام 1253م ركب هولاكو «مطية العز والاقتدار» وبدأ في التحرك برجاله، فبدأت الجبال ترتج وقلوب الملوك ترتعد.
يضيف الكاتب، أن ضحية جيوش المغول الأولى كانت قلعة مدينة «تون»، والتي لم تكن قد تحولت بعض عن «مظاهر السفالة والضعة وظلت مقيمة على ضلالها القديم». أبدى أهلها بعض المقاومة لـ7 أيام بعدها نجح الجيش المغولي في تسويتها بالأرض وسيق بسكانها خارجًا حيث قتلوا كل من كان عُمره 10 سنوات فأكثر بالسهام، عدا الشابات من النساء فأبقوا عليهن.
ورغم هذه المذبحة، يصف الجويني هولاكو بأنه رجل لديه «شغف وميل في تعمير الخرائب» ويورد على ذلك مثالاً بأنه أمر بتجديد مدينة «خبوشان» (اسمها الحالي قوشان) الخربة، ورمَّم مبانيها المتهدمة بما فيها المسجد الكبير حتى عاد إليها أهلها مجددًا بعد انقطاع سنين، لكن هذا لم يمنع الخان ورجاله الذين يرون «في البؤس شرابًا هنيئًا ولا يلقون إلى البأس بالاً» أن يستكمل هجومه على قلعة «ميمون دز»، والتي كان يتحصن بها ركن الدين خروشاه آخر حكام الإسماعيلية، حاول الأخير أن يراوغ هولاكو في الوصول لهدنة سنة يسلمه بعدها قلاعه، إلا أن الأخير أبى وأصرَّ عليه أن يخرج منها جميعًا في الحال وأن يهدمها بنفسه.
يقصّ الجويني أن المغول «قطعوا الأشجار التي كان الملاحدة قد ربوها ورووها على مدار سنين طويلة، واستعملوها كقذائف للمنجنيق»، وضربوا حصارًا مروعًا أجبر خروشاه على الاستسلام فبعث الرسل ملتمسًا «العفو عن جرائمه الماضية»، وبدأ في إخراج أغلب الأعيان والوزراء بصحبة ابنه، وفي اليوم التالي هبط بنفسه بعدما حظي بوعدٍ بالمعاملة بالإحسان، وكان ذلك في يوم 19 نوفمبر 1256م، بعدما «تشرف بتقبيل عتبة بلاط ملك العالم، واعترف بالجرائم والآثام التي كان قد اقترفها»، فقرر هولاكو الإبقاء على حياته وبعثه بأهله إلى قزوين وحدّد إقامته هناك، بعدما أمر بإنزال كل سكان القلعة إلى الوادي وأخذ جيش المغول في هدم كافة الأبنية و«كنسوا ترابها بمكسنة الفناء»، وبعدها جاء الدور على أعظم القلاع «ألموت» التي استسلمت عقب 3 أيام من الحصار وأضرم المغول بها النار وسوّوها بالأرض.
يقول الجويني:
بهذا الفتح الذي يتساوى مع فتح خيبر استقرت مفاتيح ممالك العالم في يد قوة المغول، وفُتحت مغاليق باقيا بلاد الأقاليم التي ظلت مستعصية على الفتح؛ بسبب ضِنة الزمان، ولم يبق للفئة الباغية والطائفة الطاغية حجر مبني على حجر في موطن الإلحاد بمنطقة «رودبار ألموت».هنا ينتهي الفصل الأول من كارثة «الفتوحات» المغولية التي عصفت بالعالم الإسلامي، فيما يكمل رشيد الدين الهمذاني بكتابه الشهير «جامع التواريخ» بقية الأحداث حتى نهايتها المأساوية، والتي جاهد قدر وِسعه كي لا يُجسدها كذلك.


لن أدع حيًا في مملكتكيسرد الهمذاني أنه عقب فراغ هولاكو من شوكة الإسماعيليين بعث إلى الخليفة العباسي المستعصم بالله أولى رسائله المتوعدة قائلاً: «لقد أرسلنا لك رسلنا وقت فتح قلاع الملاحدة، وطلبنا مددًا من الجند، ولكنك أظهرت الطاعة ولم تبعث الجند، وكانت آية الطاعة والاتحاد أن تمدنا بالجيش عند مسيرنا إلى الطغاة، فلم ترسل إلينا الجند والتمست العذر..»، بعدها زيّل هولاكو كتابه المخيف بطلبٍ معتاد يتلوه على كل ملك انتوى به شرًّا، بأن يهدم حصونه ويسلم البلاد لابنه وأن يحضر بنفسه إليه أو يرسل وزيريه بدلاً منه، منهيًا عبارته بجملة «حينما أقود الجيش إلى بغداد، مندفعًا بسورة الغضب، فإنك لو كنت مختفيًا في السماء أو في الأرض فسوف أنزل من الفلك الدوار وسألقيك من عليائك إلى أسفل كالأسد ولن أدع حيا في مملكتك».


ويضيف أن الخليفة برغم حالة الضعف التي أوهنت مُلكه فإنه أجاب هولاكو بردٍّ بلاغي رفض فيه عرض قائد المغول ودعاه فيه بألا يغتر بـ«يومين من الإقبال» وأن يسلك طرق الود ويعود إلى خراسان من جديد، وهو ما لم يلقَ استجابة بالطبع عند هولاكو الذي أعلن لرسل الخليفة أنه «متوجه إلى بغداد بجيش كالنمل والجراد».


ويحرص المؤرخ المغولي في كتابه على تبرئة وزير الخليفة ابن العلقمي الذي اتهمته كثير من مراجع التاريخ الإسلامي بأنه تعاون سرًا مع هولاكو وأن رسائله له هي السبب الرئيس في إقناعه بغزو بغداد، مصورًا إياه في دور الناصح الأمين الذي لا يلقي بالاً به سيده فيما يصوب الهمذاني سهامه النقادة تجاه شخص آخر تسببت نصائحه السيئة في انصراف المستعصم عن أي حل يحفظ ملكه ويؤمن بغداد المذبحة، يحكي أنه (العلقمي) حاول كثيرًا مع الخليفة لحلِّ هذه المشكلة قبل استفحالها فأشار عليه بتقديم أفخر الهدايا لهولاكو وجعل الخطبة والسكة بِاسمه معتبرًا هذا العرض كفيلاً باتقاء شره، إلا أن المستعصم رفض هذا العرض بعدما أوعز له الأمير مجاهد الدين أيبك المعروف بالدواتدار الصغير، والذي كانت بينه وبين الوزير «وحشة»، أوعز للخليفة أن وزيره «يدبر هذا الأمر لأجل مصلحته الخاصة كي يتقرب زلفى إلى هولاكو»، وهو ما أشاعه بين أتباعه «من سفلة المدينة وأوباشها» فقوي هذا الظن بين الناس، وتسرّب إلى كتب التاريخ بعدها.
ويتابع أن الوزير ما أن سمع هذا الرد عرف أن حُكم الأسرة العباسية سيزول، إلا أنه برغم ذلك اجتمع

بأمراء بغداد، الذين أطلقوا ألسنتهم بقدح الخليفة وطعنه، واصفين إياه بأنه «صديق المطربين والمساخرة»، غير أنه أقنعهم بالتعاون معه على جمع جيش جرار رفض الخليفة أن يمنح لهم مالاً (لسبب مجهول) فانصرفوا عنه، وعندها يئس العلقمي من مواعيده كلية ورضي بالقضاء.


يكشف الهمذاني أنه قبل أيام من الهجوم أخبر منجم هولاكو أن كل ملك قصد العباسيين لم يستمتع بالملاك والعمر، وأنه إذا حاربهم فستنفق خيوله ويمرض جنوده، ولن تطلع شمسه والمطر لن ينزل، وسينهار العالم بزلزال ولن ينبت نبات في أرض وسيموت ملك المغول في هذه السنة، ورغم ذلك لم يعبأ الرجل وأمر كافة جيوشه بأن تتحرك صوب قلب الدنيا، وفي يوم الثلاثاء22 من محرم بدأت الحرب.


ما أن بلغ المغول المدينة حتى ألقوا عليها منشورات تفيد بأن القضاة والعلماء والشيوخ والتجارة وكل من لن يحاربهم له الأمان، رموها بالنبل وألقوها على المدينة من جوانبها الستة، تزامنت مع قصف مدوٍّ من المجانيق. لم تتواجد حجارة كافية في أطراف بغداد، فكانوا يأتون بها من جبل الحمرين وجلولاء، وكانوا يقطعون النخيل ويرمون بقطعها بدلاً من الحجارة، وسريعًا ما نجح المغول في اختراق جانب من السور عنوة وهدموا برج العجمي، ولما حمي وطيس الحرب وضاق الحال على الأهالي يئس الخليفة، ولم يرَ أمامه مفرًا ولا مهربًا فقال: «سأسلم وسأطيع».


استسلم جند بغداد فقسمهم المغول ألوفًا ومئات وعشرات وقتلوهم جميعًا، وفي يوم الأحد الرابع من صفر 656هـ خرج الخليفة ومعه ثلاثة من أبنائه وبصحبته 3 آلاف من السادات والأئمة والقضاة، وقابل هولاكو للمرة الأول، فلم يبدِ عليه غضبًا، وكلّمه بالحسنى ثم قال له: «مُر حتى يضع سكان المدينة أسلحتهم»، وهو ما فعله فخرج الناس زُمرًا حيث كان المغول يقتلونهم.


بعدها يمرُّ الهمذاني مرور الكرام على تفاصيل الجرائم المروعة التي وثقتها كتب التاريخ الإسلامي بحق أهل بغداد، فيكتفي بالقول، إن القتل العام والنهب بدآ «يوم الأربعاء السابع من صفر، فاندفع الجند مرة واحدة إلى بغداد، وأخذوا يحرقون الأخضر واليابس» دون أن يمنحنا أي تفاصيل زائدة، ومن بعدهم دخل هولاكو قصر الخليفة وأمر بأن تُجرد أمواله فخرجت له الكنوز التي جمعها العباسيون على مدار 5 قرون، لما وُضعت بعضها فوق بعض بدأت «كجبل على جبل».


ويختتم مقالته بهذا الشأن بقوله، إن هولاكو أقام خيامًا للخليفة في معسكر «كيتوبوقا نويان»، وفي مساء الأربعاء 14 من صفر سنة 656 قضى جُنده على الخليفة وعلى ابنه الأكبر وخمسة من خدمه في قرية «وقف»، وفي اليوم التالي قتلوا كل شخص وجدوه حيًّا من العباسيين، عدا ابنه الأصغر الذي أرسلوه إلى مراغة ليكون مع الخواجة نصير الدين، ثم زوّجوه امرأة مغولية فأنجب منها ولدين، ومن بعدها انقطعت سيرته في كتب التاريخ.

 


إضاءات