الضغطُ الأمريكيّ الأقصى على إيران يزعزع استقرار أكراد سورية

الكاتب: ماثيو بَتي (Mathew Petti)-ترجمة لينا جبور

ينظرُ الصقورُ في واشنطن إلى القوات الكرديّة في سوريّة على أنها سدّ لمنع إيران من استعادة "الجسر البري" عبر الشرق الأوسط الذي كانت تملكه عن طريق تحالفاتها في العراق وسورية. وللاحتماء من تركيا ومن الحكومة السورية، رحّبت "قوات سوريا الديمقراطية" ذات الغالبية الكردية منذ مدّة طويلة بالدّعم الذي تلقته بسبب التوترات الأمريكية الإيرانية. ولكن الآن بعد أن بدأت تلوح الحرب مع إيران في الأفق، بدأ الحديث عن استخدام شمال شرق سورية كقاعدة أمامية ضد إيران، الأمر الذي يثير القلق لدى قيادة "قوات سوريا الديمقراطية" في القامشلي.

شكّلت "الدولة" غير المعترف بها التي يقودها الأكراد في شمال شرق سورية الحليف الأمريكي الأفضل في الحرب ضد "داعش"، وتقف عائقاً الآن أمام حكومة بشار الأسد المدعومة من إيران في استعادة البلاد بأكملها. ولكن مع تصاعد التوترات في الخليج الفارسيّ، ليس من الواضح إذا كان الأكراد وحلفاؤهم في "قوات سوريا الديمقراطية" مستعدين أو قادرين على أن يكونوا جزءاً من أيّ حرب تقودها الولايات المتحدة ضد إيران.وقال بسام إسحاق، دبلوماسي "المجلس الديمقراطي السوري" في واشنطن، طالما ظلت التوترات بين الولايات المتحدة وإيران مشتعلة، فإنها «تمنح الولايات المتحدة حافزاً للبقاء في شمال شرق سورية». نحن في الشمال الشرقي نعرف طوال الوقت أنَّ الولايات المتحدة تنظر إلى سورية من منظور سياستها تجاه إيران. وبالنسبة لنا، يصب هذا في مصلحتنا، لأن الولايات المتحدة يمكن أن تساعدنا في إبعاد إيران، وتركيا، «وحذر من أنَّ الحرب الشاملة" ستكون خطيرة على الجميع».

تقسمت سورية على طول نهر الفرات إلى قسمين. تقع الضفة الشرقية تحت سيطرة "قوات سوريا الديمقراطية" إلى جانب ألفين من القوات الخاصة الأمريكية وعدد متزايد من قوات التحالف الدولي المناهض لـ "داعش". تسيطر الحكومة السورية على الجانب الآخر، بمساعدة القوات الإيرانية والروسية. حدثت مواجهات قليلة بين القسمين، لكن من الممكن أن تتصاعد التوترات بسرعة كبيرة تماماً مثلما حدث في المعركة الدامية التي دارت بين المقاولين العسكريين الروس والقوات الخاصة الأمريكية في محافظة دير الزور في شباط/فبراير 2017.

تحدث السفير جيمس جيفري، الممثل الخاص للولايات المتحدة بِشأن سورية في المؤتمر الذي عُقد في "إسرائيل" في وقت سابق من هذا الشهر، عن حملة "الضغط الأقصى" في سورية، مشيراً إلى الحملة الأمريكية ضد إيران.

قال نيكولاس هيراس، الذي عاد لتوه من المنتدى الدولي حول "داعش" الذي عقد في شمال شرق سورية: «هناك قلق عميق لدى "قوات سوريا الديمقراطية" من المدى الذي تتطلع فيه الولايات المتحدة إلى استخدامها في مواجهة إيران في سورية». وعلمت ناشونال إنترست من زميل لمركز الأمن الأمريكي الجديد بأنه «تلقى العديد من الأسئلة ... من مسؤولي قوات سوريا الديمقراطية حول إلى أي مدى يمكن أن تستخدم الولايات المتحدة قوات سوريا الديمقراطية ضد إيران وعملائها، في دير الزور على وجه الخصوص».

وقال المقدم دانييل ل. ديفيس، في إشارة إلى وعد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في كانون الأول/ديسمبر بالانسحاب من سورية: «إنهم يشعرون بالفعل أننا خذلناهم بمغادرتنا سورية، أو إذا غادر القسم الأكبر من قواتنا». «فمن وجهة نظر الأكراد، كان يتعين علينا أن نمنحهم حقاً كبيراً نوعاً ما، لأن ما الفائدة من إثارة حفيظة جارتهم إيران، وهم يعلمون أنه عندما ينتهي ما أتينا لفعله، ستظل إيران باقية هناك؟».

وقال الضابط المتقاعد في الجيش وزميل "مؤسسة الدفاع" للناشونال انترست: «كل ما سيكسبه الأكراد هو عداوة إيران الدائمة بسبب وقوفهم إلى جانبنا ضدها». «ربما سيفعلون ذلك، لكن يجب أن يكون المقابل شيئاً جيداً، ولا يمكنني التفكير أننا يمكننا تقديم ما يريدونه الآن».قال إسحاق أيضاً، يبدو أن "المجلس الديمقراطي السوريّ" يتفق معنا". «ليس لدينا القدرة على أن نكون تهديداً لبلد كبير». «وليس لدينا مصلحة! مصلحتنا هي أن نحافظ على أنفسنا، وأن نسهم في حل سياسيّ لتصبح سورية مرة أخرى بلداً مستقراً مسالماً. نحن نحاول فعلاً التصدي لكل من إيران وتركيا».

قامت تركيا التي تتهم "قوات سوريا الديمقراطية" بدعم الانفصاليين الأكراد في تركيا، بغزو مدينة عفرين التي تسيطر عليها "قوات سوريا الديمقراطية" في آذار/مارس 2018. تواصل القوات التركية احتلال عفرين، وتشير الحكومة التركية إلى أنها قد تهاجم شمال شرق سورية قريباً.

هذا، وبعد أن خاضت "وحدات حماية الشّعب" سلسلة من المعارك القاسية في أواخر عام 2015 لوقف تنظيم "داعش"، بدأت الولايات المتحدة في دعم المجموعة المتمردة الكردية إلى جانب حلفائها السريان والعرب المسيحيين، والمعروفة مجتمعة باسم "قوات سوريا الديمقراطية". أنشأ تحالف "قوات سوريا الديمقراطية" بدعم من الولايات المتحدة وأوروبا، إدارة حكم ذاتيّ" في الأراضي التي استعادتها من تنظيم "داعش".

وصلت هجمات خلايا "داعش" النائمة في المنطقة التي تسيطر عليها "قوات سوريا الديمقراطية" إلى ذروتها في شهر أيار/مايو، ما أسفر عن مقتل ثمانية وسبعين شخصاً في شهر واحد بحسب مركز معلومات روجافا، وهي مجموعة بحثية مقرها في شمال شرق سورية، وصرح توماس ماكلور من مركز معلومات "روجافا" -  "الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا" «أن الهجمات انخفضت بنسبة 48% في أعقاب الغارات الأوسع التي قادتها قوات سوريا الديمقراطية" ودعم من التحالف بقيادة الولايات المتحدة حتى الآن»، لكن «لم نعد ننشر أعداد الوفيات بسبب صعوبة الحصول على أرقام دقيقة وتضخيم أعداد الخسائر حسب ادعاءات داعش».أخبر هيراس ناشونال إنترست أنَّ مسؤولي "قوات سوريا الديمقراطية " يشعرون بالقلق من أن بعض هذه الهجمات ربما لم ينفذها "داعش"، ولكن من قبل عناصر موالية لإيران. أحصت قائمة الهجمات التي قدمها مركز معلومات "روجافا" ثماني سيارات مفخخة وإحدى وعشرين عملية اغتيال مستهدفة في شهر حزيران/يونيو. دفعت سلسلة من القنابل التي ألقاها راكبو الدرجات "قوات سوريا الديمقراطية" إلى فرض حظر على الدراجات النارية في بعض المناطق في أوائل تموز/يوليو، وفقاً للمرصد السوري لحقوق الإنسان في لندن.

سواء أكان "داعش" هو منفذ الهجمات، أم مجموعة أخرى، فإنَّ أيّ تهديد يمكن أن «يقوض جهود الانتعاش وتحقيق الاستقرار الحالية» التي تبذلها إدارة "الحكم الذاتيّ" في المنطقة، وهذا ما أفقد واشنطن "الرغبة" بزج "قوات سوريا الديمقراطية" في مواجهة جديدة، بحد قول هيراس.

ومع ذلك، ذكر هيراس أن «هناك عناصر داخل قوات سوريا الديمقراطية، إذ يوجد بخاصّة مقاتلون من دير الزور مرتبطون بالسعوديّة، ويرغبون في اغتنام هذه الفرصة لإبعاد الأسد والقوات المدعومة من إيران» عن الجانب الغربي من الفرات. «إن مجموعة المقاتلين ... لمثل هذه العملية لا تزال صغيرة. إحدى الديناميات التي يجب أن نراقب حدوثها في المستقبل، هي إذا كان سيحاول كلٌّ من السعوديين والإماراتيين، في إطار جهودهم الخاصة، تجنيد وتعبئة وتمويل هذه الجماعة المسلحة التي مقرها في دير الزور».

أسهمت المملكة العربية السعودية، التي تعارض كلاً من تركيا وإيران بمبلغ 100 مليون دولار في مشاريع "الاستقرار" في شمال شرق سورية في عام 2018. قام المسؤولون الأمريكيون ووزير الدولة السعودي ثامر صبحان في الشهر الماضي، بزيارة القادة العرب المحليين في دير الزور لتشجيعهم على التعاون مع إدارة "الحكم الذاتي" في الأراضي التي استعادتها من "داعش".

بينما أنكر إسحاق "الشائعات" بأن السعودية تبني قوة قبلية منفصلة معادية لإيران في دير الزور، قائلاً: إنه "يشك شخصياً" في ذلك.

يحتفظ التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة بوجود أصغر له خارج المنطقة التي تسيطر عليها "قوات سوريا الديمقراطية" على الحدود السورية الأردنية، غرب نهر الفرات. ذكرت وسائل إعلام لبنانية الأسبوع الماضي أن القوات الأمريكية هناك "تعيد تنشيط" جماعة المتمردين في الجنوب التي يمكن أن تكون بديلاً لـ "قوات سوريا الديمقراطية" في حملتها ضد إيران.وقال ديفيس: «لا نحتاج إلى التخطيط لخلق فرص لخوض حرب مع إيران، لأننا لا نريد خوض الحرب مع إيران». «لن يقوموا [الإيرانيون] بأي نوع من الهجمات غير المبررة ضدنا ما لم نجبرهم نحن على فعل ذلك، بسبب حملة الضغط الأقصى الحمقاء هذه».

في الواقع يمكن لحملة "الضغط الأقصى" التي تعتمدها الولايات المتحدة، أن تضع "قوات سوريا الديمقراطية" عن غير قصد في موقف دفاعي. تتجمع العقوبات الاقتصادية الأمريكية على إيران وعقوبات الاتحاد الأوروبي على حكومة الأسد لتخلق أزمة نقص الوقود في غرب سورية. استولت القوات البريطانية على ناقلة نفط إيرانية تمر عبر جبل طارق قبل أسبوعين. بريطانيا تدعي أن الناقلة كانت تنقل النفط إلى سورية.

في حين لا تحكم إدارة "الحكم الذاتي" سوى نسبة صغيرة من سكان سورية، فإن "قوات سوريا الديمقراطية" تسيطر على أكبر حقل نفطي في البلاد، والذي كان ذات يوم مصدراً رئيساً لإيرادات تنظيم "داعش". قد تبحث القوات الحكومية في مواجهة النقص، عن فرصة للاستيلاء على الموارد الأساسية. في وقت سابق من هذا الشهر، أُجبرت إدارة "الحكم الذاتي" على إنكار مزاعم صحيفة لبنانية بأنها سلمت حقول النفط إلى الإسرائيليين.

«في مناقشاتي مع كبار المسؤولين في كل من قوات سوريا الديمقراطية ووحدات حماية الشعب، هناك مخاوف من أنه إذا قامت الولايات المتحدة بالتصعيد ضد إيران، أن تقوم إيران استخدام القوات الموالية لها الموجودة في دير الزور، وكذلك قوات النظام الموجودة في مدينة من القامشلي ... لزيادة الهجمات ضد قوات سوريا الديمقراطية وقوات التحالف [بقيادة الولايات المتحدة]».

 


الجمل بالتعاون مع مركز دمشق للدراسات