بين حيفا والخليج… التطبيع على السكة الخاطئة

يارا انبيعة: مع صعود إدارة الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، ساهمت العديد من القوى بفتح باب الدعوة على تغييرات سياسية كبرى في العالم العربي خدمة لمشاريعها ومصالحها الإستراتيجية. لذلك، راجت للتعبير عن هذه التغييرات الكبرى جملة “صفقة القرن” التي لا تجبر الفلسطينيين على الخضوع لإسرائيل فحسب، بل تغير شكل العالم العربي كله وتوحده هذه المرة حقاً.
 
وبذلك يكتمل مشروع الحرب العالمية الأولى، ويعود خط الحجاز لا ليحمل الحجاج من تركيا وأنحاء العالم الإسلامي إلى المدينة المنورة، ولكن ليحمل البضائع والمال من الإسرائيليين إلى العديد من دول الخليج، والعكس بالعكس.
 
سكة التطبيع
 
تقدمت إسرائيل بمبادرة خط لسكك الحديد يربط ميناء حيفا، المطل على البحر المتوسط، بالخليج مروراً بالأردن، وأكد حساب “إسرائيل بالعربية”، الذي تديره وزارة الخارجية على “تويتر”، أن هذه المبادرة جاءت على لسان وزير الخارجية، يسرائيل كاتس، أثناء زيارته إلى العاصمة الإماراتية أبو ظبي مؤخراً.
 
طرح كاتس للمبادرة يتضمن ربط دول الخليج مروراً بالأردن بشبكة السكك الحديدية الإسرائيلية وميناء حيفا في البحر المتوسط، مشيراً إلى أن هذه السكة ستفتح طرق تجارة إقليمية أقصر وأرخص وأكثر أماناً من شأنها دعم اقتصادات الدول المستهدفة. وأرفقت الخارجية الإسرائيلية التغريدة بصورة كاريكاتورية تظهر القطار المنشود، وسمته “قطار الإزدهار الاقتصادي”.
 
بالفعل، شرعت إسرائيل في تنفيذ الإجراءات العملية لتدشين خط السكة الحديدية حيث كانت أولى إجراءات المشروع تضمين مبلغ 4.5 مليون دولار، ضمن موازنة العام 2019 لوضع المخطط الهندسي لهذا الخط الحديدي بهدف ربط دول الخليح بالمرافئ الإسرائيلية على البحر المتوسط، ما يحولها إلى مركز نقل إقليمي يعزز ويرفع من قيمة الاقتصاد الإسرائيلي بشكل كبير جداً.
 
بدورها، قالت صحيفة “إسرائيل اليوم” إن رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، ووزير المواصلات، يسرائيل كاتس، اتفقا على إطلاق خطة لإنشاء سكة الحديد تلك. وفقاً للخطة، سيجري عبر هذا الخط نقل البضائع من أوروبا إلى الدول العربية عبر فلسطين المحتلة والأردن والسعودية مع شركاء من السلطة الفلسطينية.
 
هذا ومن المفترض أن يصل الخط إلى جسر الشيخ حسين، شمال غور الأردن، ويمر عبر الحدود إلى المملكة الأردنية، ومن هناك سيتم مد خط للسكة الحديدية بإتجاه الجنوب، ليصل إلى السعودية التي باتت جاهزة للتواصل مع البنية التحتية المخطط لها. كما سينفذ المشروع بشكل مشترك من قبل الولايات المتحدة ودول الإتحاد الأوروبي والدول الآسيوية، مثل الصين التي لديها مصلحة اقتصادية في الطرق البحرية والبرية لنقل البضائع إلى الشرق الأوسط.
 
ووفقا لمراقبين، فإن المبادرة تقوم على أساس الأمن المشترك والإستخبارات والمصالح الإقتصادية، وقد أوعز نتنياهو إلى وزراء الحكومة ورئيس مجلس الأمن القومي بتقديم المساعدة لتنفيذ الخطة.
 
وتشير الصحيفة إلى أنه ومنذ اندلاع الأزمة السورية، جرى تفعيل خط نقل مماثل بواسطة مئات الشاحنات التي تنقل يومياً من خليج حيفا إلى جسر الشيخ حسين وبالعكس، البضائع القادمة من أوروبا وتركيا أو من الدول العربية.
 
كما جاء في الوثيقة، إن النفع سيعود على إسرائيل من الناحية الاقتصادية، خصوصاً وأن ميناء حيفا سيتحول إلى خط ترانزيت استراتيجي بين دول مجلس التعاون والقارة الأوروبية عبر البحر الأبيض المتوسط. فيما أفادت الوثيقة بأن خط سكة الحديد سيشكل عامل ضغط على الدول العربية، لا سيما العراق، بإعتبار أن الأخير يعتمد في استيراد الكثير من البضائع عن طريق الأردن؛ بالتالي، فإن الخط المذكور الذي سيكون مفتاحه بيد تل أبيب، سيهدد الأمن الاقتصادي للعراق.
 
جزء من الإتفاقية
 
يقول الخبير الإقتصادي، د. حسام عايش، إن المرحلة التالية، وفقاً للخطة الإسرائيلية، هي قيام الأردن بتشييد الجزء الخاص به في امتداد الخط، بعدها ستتوجه الخطوط إلى السعودية والإمارات، موضحاً أنه وفقا للوثيقة الإسرائيلية الخاصة بالمشروع، فإن السكة سيدعم الإقتصاد الأردني المنهك، كما انه سيربط إسرائيل بالمنطقة لمواجهة إيران.
من جهته، يرى الخبير البيئي، د سفيان التل، أن هذا المشروع يخدم مصالح إسرائيل لجهة تمكينها من فتح طرق مختصرة للتجارة في المنطقة، وسيساعدها للوصول إلى منابع النفط في بلدان المنطقة، قائلاً “إن هذه السكة جاءت ضمن بنود اتفاقية وادي عربة التي نصت على أن يقوم الطرفان بفتح وإقامة طرق ونقاط عبور بينهما، وسيأخذان بالإعتبار إقامة اتصالات برية واتصالات بالسكك الحديدية بينهما”، محذراً من أن تنفيذ المشروع سيعمل على “زيادة تدفق المنتجات الإسرائيلية إلى الأسواق الأردنية، الأمر الذي سيمكن إسرائيل من اختصار حلقات النقل إلى دول أخرى عن طريق الأردن.”


ومن الأمور التي تعول عليها تل أبيب لتطبيع العلاقات مع بعض الدول العربية، العزف على وتر “إيران فوبيا”، خصوصاً وأن دول الخليج وحلفائهم في المنطقة، يلعبون دوراً مهما في تكريس حالة العداء ضد طهران، بسبب دعمها لـ “محور المقاومة”.
ويبدو أن هذا المشروع لن يجد معارضة كبيرة خصوصاً مع التغيرات السياسية التي تحدث ضمن تلك الدول، إضافة الى الزيارات المتبادلة ما بين المسؤوليين الحاليين والسابقين.


المشروع الثالث


من جهته، اعتبر رئيس لجنة مقاومة التطبيع الدكتور مناف مجلي أن “المشروع هو الثالث الذي يعتزم الأردن إنشاؤه مع الإحتلال، وذلك بعد مشروعي ناقل البحرين واتفاقية الغاز مما يخدم المصالح الإسرائيلية ويزيد مجالات التطبيع الإقتصادي”، مضيفاً “إن اللجنة ستضغط وتطالب الحكومة بعدم إبرام المشروع، حماية للمصالح الوطنية العليا والتزاماً منها بمقاطعة الكيان الإسرائيلي ومقاومة التطبيع.”


كما أبدى مجلي مخاوفه من أن يتم مستقبلاً ربط خط السكة الحديد هذا مع الشبكة المحلية، التي تعتزم الحكومة الأردنية تنفيذها وتربط كافة أرجاء الأردن. يأتي ذلك في وقت اعلنت فيه وزارة المواصلات الإسرائيلية طرح عطاء رسمي لإنجاز مقاطع من سكة الحجاز التاريخية، التي تربط بين حيفا وإربد الأردنية، في طياته معاني رمزية وسياسية تتجاوز الحدث وتفتح أبواباً كبيرة للتأويل والتحليل.


أساطير عربية


يأتي كل ذلك في ظل طرح مشروع سكك حديد إيلات – أشدود، المشروع الذي يضرب العصب الإقتصادي المصري في الصميم من خلال التأثير المباشر على قناة السويس، خصوصاً بعد إنفاق المليارات على توسيعها وافتتاح المسار الجديد لها. فمع ربط كل تلك الخطوط فيما بينها، تصبح إسرائيل “الرابح الأول”، والعرب “الخاسر الأول” بإمتياز.


ختاماً، سادت لفترة طويلة في الأدبيات السياسية العربية، وخصوصاً في الأيديولوجيات القومية منها، مقولة إن إعادة توحيد الأمة العربية، وسيادة الإشتراكية و”الحرية”، هي المقدمة للقضاء على إسرائيل. لكن الذي حصل فعلاً، أن الأحزاب القومية التي استلمت السلطات لتنفيذ الأجندة المذكورة في الدول العربية كرّست تجزيء بلادها بالحديد والنار، وأذاقت شعوبها أشكالاً من الإستبداد فاقت به ما قام به الإستعمار نفسه، وانتهى مطاف الدعاية لـ “مقاومة إسرائيل” إلى أشكال من التذلل لها والتقرب إليها وإعلان التنكر للفلسطينيين وقضيتهم و”بيعها” في مزاد سياسي مخجل.


ومع وصول مسار الدول “الوطنية”، التي قادتها أحزاب قومية، إلى مرحلة الفشل وطنياً واجتماعياً وسياسياً، استلمت الراية بعض الدول الملكية، الذي كان لبعضها تأثير هامشي على الوضع العربي، وقدمت مشروعاً جديداً يقوم على سياسة “مناهضة تيار الإسلام السياسي”، وذلك من خلال تفعيل الإتجاهات العسكرية ـ الأمنية التي تلخِّص سياساتها بقاعدة الولاء للأقوى، سواء كانت أمريكا أو روسيا أو إسرائيل.


وبإعادة خط الحجاز بهذه الطريقة المقلوبة، تنجح إسرائيل في خلق نموذجها لـ “توحيد العالم العربي” تحت رايتها في سخرية رمزية كبرى من “أساطير العرب الحديثة”، بدءاً من الثورة العربية الكبرى، التي دمرت الخط الحجازي، وانتهاء ببعض الأنظمة الملكية، التي تريد الحفاظ على ممالكها من خلال الإنخراط التام في المشروع الأمريكي ـ الإسرائيلي.

 

الجمل بالتعاون مع مركز سيتا للدراسات