آخر المواضيع المتعلقة

أرشيف البلدان
أرشيف الأيام
الأجندة

أخيراً تكشَّفَ السببُ الأوحدُ وراء تورّط أمريكا في سورية

الكاتب: إلياس سامو - ترجمة د. محمد عبده الإبراهيم

"تفتقرُ واشنطن إلى استراتيجيةٍ واضحةٍ في سورية"؛ تلك كانت الكلمات الأخيرة لروبرت فورد، آخر سفير أمريكيّ إلى سورية من 2010 إلى 2014، إذ إنَّ رجلاً مثل فورد يمتلك معرفة عميقة بالديناميكيّة السياسيّة السوريّة/الأمريكيّة لا بدَّ أن يكون على دراية تامة بما فيه الكفاية لتقييم سياسة أمريكا تجاه سورية.

ومضى فورد يقول: «من الصَّعب شرح المهمة الأمريكيّة الأساسيّة في سورية. هل هي محاربة داعش؟ أم هي للمساعدة في تعزيز منطقة الحكمِ الذاتيّ الكرديّ في شمال شرق سورية؟ أم هي مقاومة التمدّد الإيراني؟» إنّها كلّ هذا. ولكن الغريب أنَّ السيد فورد يتجنب الأولوية العليا الواضحة والأساس المنطقيّ الاستراتيجيّ لمشاركة أمريكا في سورية والمتمثلة في حماية "إسرائيل".

حدثَ من أجل تخفيف هذا الإهمال من قبل السلطة التنفيذية –ذلك لعدم تقديم استراتيجية واضحة في سورية، كما يؤكد السفير فورد– أن أخذ الكونغرس على عاتقه تحديد المصالح الاستراتيجية الأمريكية في سورية، وتقديم توصيات إلى الرئيس ترامب.

ومع ذلك، من المشروع أن نسألَ: ما الذي يعرفه أعضاء الكونغرس الأمريكي عن سورية لتأهيلهم لتحديد المصالح الاستراتيجية الأمريكية في البلاد؟ من غير المرجح أن يعرف أعضاء الكونغرس الأمريكي الكثير عن سورية، ولكن الرواية الإسرائيلية هي التي تملي عليهم حقيقة كل ما يحتاجون إلى معرفته.

كما أنّه بصرف النظر عمّن أو ما الذي دفع أعضاء الكونغرس إلى البحث عن معلومات لوضع إطار للمصالح الاستراتيجية الأمريكية في سورية، وفي النهاية إرسال خطابٍ موقّعٍ من نحو أربعمئة عضو في الكونغرس –ما يقارب خمسة وسبعين في المئة من إجمالي عدد أعضاء الكونغرس من كلا المجلسين ومن كلا الحزبين– إلى الرئيس حول النتائج التي توصّلوا إليها وتوصياتهم، دعا أعضاء الكونغرس معهد الولايات المتحدة للسَّلام (USIP) لإنشاء مجموعة دراسة سورية (SSG) لتزويدهم بمعلومات حول سورية لفهم الوضع وصياغة توصيات إلى الرئيس ترامب.

تأسست مجموعة دراسة سورية في شباط/فبراير 2019، وقدّمت تقريرها المؤقت إلى الكونغرس في 1 أيار/مايو 2019؛ يتكون التقرير من سبع صفحات مفصلة، وقد تم إرسال رسالة مكثفة عن التقرير من صفحتين إلى الرئيس ترامب في 20 أيار/مايو.

سيكون من الطبيعي افتراض أنَّ الرسالة هي انعكاسٌ مكثّفٌ لما تضمنه التقرير المؤقت وأوصى به؛ في الحقيقة، لم يكن هذا هو الحال.

تناول التقرير المفصّل العديد من القضايا التي تركزت حول الأمن القوميّ الأمريكيّ. ومن المفارقات أنَّ الرسالة الموجهة إلى الرئيس ركزت على مصادر التهديدات للأمن الإسرائيلي: الإرهاب، سورية، لبنان (حزب الله)، إيران، تركيا وروسيا. مجرد ملاحظة بشأن الاختلاف في التركيز في الوثيقتين. في التقرير المفصّل والمكوّن من سبع صفحات، تم ذكر "إسرائيل" تسع مرات، وقد تم ذكرها إحدى وعشرون مرة في الرسالة المكونة من صفحتين.

 تنصُّ الفقرة الأولى من الرسالة على «[...] نوصي بعدة خطوات محددة لتعزيز أولوياتنا الأمنية الإقليمية، بما في ذلك مساعدة حليفنا، إسرائيل، في الدّفاع عن نفسها في مواجهة التهديدات المتزايدة، بما في ذلك على حدودها الشمالية». وتدلّ الإشارة إلى الحدود الشمالية على سورية ولبنان. بالنسبة لسورية، يكفي أن نلاحظ أن "إسرائيل" احتلت الجولان السوري لمدة اثنين وخمسين عاماً وضمته مؤخراً بتأييد من ترامب.

لم تطلق سورية النَّار على "إسرائيل" منذ عقود؛ بينما أطلقت "إسرائيل" مئات الطلقات على سورية في الآونة الأخيرة؛ لا توجد قوات سوريّة على الأرض في "إسرائيل"، بينما توجد قوات إسرائيلية على الأرض السورية. فأين ذلك التهديد المزعوم المنطلق من سورية لـ "إسرائيل"!

أما بالنسبة للسيناريو اللبناني، فهو مشابه للسيناريو السوريّ، وإن كان على نطاق أصغر، مع إضافة واحدة: حزب الله الذي تعدّه "إسرائيل" مصدرَ تهديدٍ وشيكٍ. ومع ذلك، يكفي أن نلاحظ أنَّ "إسرائيل" هي مصدر الهجمات العنيفة ضد حزب الله. توضح الرسالة، في الفقرات التالية، المزيد من حيازة سورية وحزب الله لأسلحة متطورة وبكميات ضخمة تشكل تهديداً لأمن القوّة العظمى الإقليمية النووية: "إسرائيل"! هل هناك ما يدعو إلى السخرية أكثر من هذا!؟

في الفقرة الثالثة، تؤكد الرسالة: «بينما شجعت أمتنا أنظمة سياسية أكثر استقراراً وشمولية في الشرق الأوسط، فإنَّ النظام في طهران قد نشر نفوذه وزعزع استقرار جيرانه لتحقيق مكاسب خاصة به». وتتضمن هذه الفقرة ما هو أكثر من مجرد تزييف وتشويه للحقيقة. حيث لا يوجد عراقي، سوري، ليبي، يمني عاقل أو من بين معظم العرب المسلمين من سيؤيد مثل هذا التشويه.

في الواقع، على الصعيد الدولي، يُنظر إلى الولايات المتحدة و"إسرائيل" على أنهما مصدر تهديد للسلم والأمن الدوليين؛ كلتاهما تنشر جنودها في الخارج، رغم عدم وجود قوات أجنبيّة على أراضيهما.

تعرضت روسيا لانتقاد لاذع أيضاً في الفقرة الرابعة لدورها «[...] لضمان بقاء نظام الأسد». وتضيف «علاوة على ذلك، في تزويد دمشق بأسلحة متطورة مثل S-300 المضادة للطائرات، فإنَّ موسكو تعقّد قدرة إسرائيل للدفاع عن نفسها من الأعمال العدائية التي تنطلق من سورية!».

 يحتوي الجزء الأخير من الرسالة على ثلاث توصيات مترابطة، وتنصبُّ في جوهرها حول أمن "إسرائيل".

تمَّ إملاء الرسالة، قولاً وحداً، من قبل الإسرائيليين أو مناصريهم في واشنطن، وتم التوقيع عليها وتقديمها من قبل أعضاء الكونغرس الـ 400 إلى ترامب؛ ويشكّل هذا الفعل نفاقاً ليس له مثيل.

إنَّ الأمر المثير للفزع هو أنّه كادَ أن يتم رفع أصوات الاحتجاجات في المجتمع الأمريكي عموماً، أو في الشرائح السياسية أو الفكرية حول حقيقة أنَّ أربعمئة من أعضاء الكونغرس الذين يتم انتخابهم من قبل الأميركيين لخدمة المصالح الأمريكية، في وقت تنخرط فيه الولايات المتحدة في المنطقة العربية، قاموا بالتوقيع وتقديم رسالة إلى رئيس الولايات المتحدة تهتم حصريّاً وبشكل أساسٍ بأمن "إسرائيل".أتيحت لأعضاء الكونغرس فرصة لتقديم توصية متماسكة بشأن السياسة الأمريكية في المنطقة العربية خدمةً للمصلحة القومية الأمريكية، لكنهم بدلاً من ذلك اختاروا تقديم توصيات لحماية رفاهية وأمن دولة أجنبية: "إسرائيل".

 



الجمل بالتعاون مع مركز دمشق  للدراسات