سورية تغلي وإيران تزداد سخونة

الكاتب: ستيف براون  - ترجمة: د. محمد عبده الإبراهيم

يمكن أن يظلَّ الدافعُ وراء إعلان القيادة الأمريكيّة الغريب في كانون الأول/ديسمبر 2018 عن هزيمة تنظيم القاعدة و"داعش" غامضاً. بعد أيام قليلة من الإعلان، تم التراجع عن إمكانية أن يؤدي ذلك إلى أيِّ شكل من أشكال النتائج السلمية –للحرب الدائرة– ذلك أنّها لا تزال تحتفظ بقواعد جوية كبيرة لها في التنف ومنبج، وفي شرق البلاد.

اشتاطت إيران غضباً، لأسباب سياسية استراتيجية، من مواقف الغرب التي عدَّتها بمثابة غطاء لتجدد الاستفزازات التي تُدبِّرها الولايات المتحدة في الخفاء لمواصلة جهودها لتغيير "النظام" في سورية. يستفيد الجانب الأمريكي من هذه الاستفزازات –كما أكدت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية– بهدف توريط القوات الروسية في حرب استنزاف طويلة الأمد هناك.

كان القائم بأعمال السفير الأمريكي لدى الأمم المتحدة جوناثان كوهين قد طالب الأمم المتحدة بالتخلي عن لجنتها الخاصة من أجل سورية، واقترحَ إعلان وقف لإطلاق النار وإجراء الانتخاب، وهذا الاقتراح سيكون غيرَ عمليّ تماماً ومستحيلاً تحقيقه. في واقع الأمر، فإن غضب كوهين حول اللجنة يكاد يكون غريباً مثل إعلان ترامب بأنه قد تم تطهير سورية من مقاتلي "داعش" في عام 2018.

وبينما تقترح الولايات المتحدة مطالب غير قابلة للتطبيق، فإنها تحتل أجزاء من سورية (منبج/التنف، والشمال الشرقي) وترفض المغادرة، وبما يثبت أن الولايات المتحدة تأمل فقط في تغيير "النظام" السوريّ، وليس في إيجاد حلٍّ سلميٍّ هناك.ويكمن السبب في عدم مشاركة الولايات المتحدة في أيِّ اتفاقٍ مع روسيا وتركيا لنزع سلاح إدلب وتأمين شمال غرب سورية في كون الولايات المتحدة لا تزال تأمل في تغيير "النظام" هناك، وهو السبب نفسه الذي جعل سورية تغرق في الفوضى والنزاع.

بينما تزعم الولايات المتحدة أنها تقصف بانتظام مواقع "داعش" والجماعات الإرهابية المرتبطة بتنظيم القاعدة في سورية، لا يوجد أي تقرير عسكريّ أمريكيّ متاح للجمهور في أي مكان لدعم تلك المزاعم، أو تأكيدها على وجه التحديد.إنَّ العمليات العسكرية الأمريكية في المنطقة سرية ولا يتم إعلانُها أو كشفُها على أي مستوى، ولا يوجد أي دليل على الإطلاق على أن الولايات المتحدة "تحارب الإرهاب" في سورية، وإنما على العكس تماماً.

في الواقع، إلى جانب دعمها التاريخي للإرهاب في أفغانستان والعراق، فإن الولايات المتحدة لا تحمي الإرهابيين فقط في التنف و"وحدات حماية الشعب" في الشمال الشرقي، بل تساعد الولايات المتحدة بنشاط، وتحرِّض على قيام جماعة تكفيرية جديدة تابعة للقاعدة في سورية، وهي "حراس الدين".

مثلما هو الحال في أفغانستان، يعتقد القادة الأمريكيون أنهم أغرقوا روسيا في سورية. كما هو متوقع، فإن روسيا تدرك هذا أيضاً. في 25 حزيران/يونيو، التقى مستشار الأمن القومي الروسي نيكولاي بتروشيف والأمريكي جون بولتون والإسرائيلي مائير بن شابات لمناقشة الوضع السوري.

وفقاً لبتروشيف "إننا نتفهم مخاوف إسرائيل، ونريد القضاء على التهديدات القائمة حتى يتم ضمان أمن إسرائيل، وهذا أمر مهم للغاية بالنسبة لنا. في الوقت نفسه، يجب أن نتذكر أنَّ الدول الإقليمية الأخرى لها مصالحها الوطنية أيضاً. إذا لم نلاحظها ونعرفها ونأخذها بالحسبان، فأنا أشك في أننا سنكون قادرين على تحقيق نتيجة معينة". كما "(أوضحنا) الحاجة إلى توحيد الجهود لتدمير جميع الإرهابيين الباقين في سورية. وطالبنا بمنع وصول الإرهابيين إلى مواد الحرب الكيميائية ومكوناتها، وكذلك بمنع الاستفزازات الكيميائية".

إن تصريحات بتروشيف المحاطة بلغة دبلوماسية تشير بالتأكيد إلى قلق روسيا المتزايد بشأن التورط عسكريّاً في سورية.

الآن، دعونا نستكشف بعض الجماعات الإرهابية في سورية التي تساعدها الولايات المتحدة لدعم تغيير "النظام" السوري:

جيش العزة

القائد: الرائد جميل الصالح

لقد دعمت الولايات المتحدة جيش العزة في المقام الأول بالأسلحة الأمريكية، وبخاصة صواريخ تاو المضادة للدبابات، رغم أنَّ الميليشيات الإرهابية معروفة باستخدام مجموعة متنوعة من الأسلحة من مصادر متنوعة.

يتكون جيش العزة من أكثر من 1500 مقاتل يعملون بالقرب من حماة، بقيادة القائد العام الرائد جميل الصالح، وهو من أنصار "داعش".

هذه هي الميليشيا التي صورت ناشط القاعدة عبد الباسط الساروت كرمزٍ، وقد قامت بتأبينه وسائل الإعلام الغربية الكبرى بصفته "بطلاً للثورة"، إلا أنّه كان في الحقيقة قاتلاً دمويّاً متعاطفاً مع "داعش". كان جيش العزة المدعوم من الولايات المتحدة واحداً من أولى المجموعات التي استهدفتها الغارات الجوية الروسية في عام 2015.

هيئة التحرير الشام: جبهة النصرة سابقاً

القائد: أبو محمد الجولاني

مثل جيش العزة، فإن النصرة، أو "هيئة تحرير الشام (HTS)"، استولت أو حصلت على أنظمة الصواريخ الأمريكية المضادة للدبابات مثل BGM-71، التي زودت بها الولايات المتحدة المتمردين "المعتدلين" المناهضين للرئيس للأسد.

كما قامت "هيئة تحرير الشام" بالاستيلاء على أسلحة أمريكية، بما في ذلك المركبات العسكرية، وصواريخ ATGM الأمريكية المضادة للدبابات، والبنادق الآلية، والذخيرة، من "جبهة ثوار سوريا" المدعومة من الولايات المتحدة (تم حلها الآن).

هذا، ونظراً للطبيعة الغامضة للمنطقة التي تعمل فيها "هيئة تحرير الشام"، فمن غير الواضح إذا كانت السعودية، أو وكالة المخابرات المركزية الأمريكيّة قد زودت الهيئة بالأسلحة مباشرة، رغم تأكيدات مصادر مطلعة بأنهما قاما بذلك.

فرحات عبدي شاهين الملقب مظلوم كوباني و"قوات سوريا الديمقراطية"من المسلّم به أنه بمساعدة القوة النارية الأمريكية، قامت "قوات سوريا الديمقراطية" بفعل الكثير لتخليص المنطقة الكردية (الشمالية الشرقية) والرقة من "داعش". وقد صرح زعيم "قوات سوريا الديمقراطية" مظلوم كوباني علانيةً، أنَّ "وحدات حماية الشعب" ستواصل زعزعة استقرار سورية وجعل الحكومة السورية كرهينة.

تعتقد الحكومة التركية أن الولايات المتحدة قد سلّحت "وحدات حماية الشعب" وتقوم بحمايتها –وهو ما تفعله عبر سلسلة من القواعد الجويّة– ويشكل ذلك أساس الكثير من الاحتكاكات بين الولايات المتحدة وتركيا.

والوضع الذي تواجهه الحكومة السورية الآن في إدلب لا يختلف كثيراً عما واجهته الولايات المتحدة و"وحدات حماية الشعب" في الرقة، لكن هذه المرة، ليس لدى الإرهابيين –الذين ترعاهم الولايات المتحدة و"إسرائيل" والمملكة العربية السعودية وتركيا في الشمال الغربي– مكان يذهبون إليه.

لذلك، بينما يعزز تواصل الهجمات الإرهابية حول درعا وحماه وإدلب وحتى منبج محاولات فرض الرغبة الأمريكية - الإسرائيلية - السعودية لتغيير "النظام" في سورية، فإنَّ التوترات الجديدة مع إيران توفر غطاءً مفيداً!

 

 


الجمل بالتعاون مع مركز دمشق للدراسات