لوجستيات الإرهاب: لجنة تنسيق الهجرة واللوجستيات الخاصة بـ "داعش"

الكاتب: بولا غرانجير، أنس العلّامي، جايسون بلازاكيس - ترجمة محمود حرح


إنَّ التصريحات الأخيرة بالانتصار على "داعش" من قبل الرئيس الأمريكيّ دونالد ترامب، إضافة إلى خسارة كلّ الأراضي التي يسيطر عليها "داعش" تقريباً، توحي للكثيرين بأنَّ أغنى وأخطر الجماعات الإرهابية في الذاكرة الحيّة قد وصلت إلى نهايتها. يبدو أنَّ "داعش"، بالنسبة للعديد من المراقبين من غير الخبراء، خرج من العدم عندما أعلن عن "خلافة إسلامية"، واستولى على مناطق في العراق وسورية تعادل بحجمها حجم بريطانيا.

لقد هُزِم التنظيم بعد التطورات التي حصلت في الأنبار وبعد حرب الخليج الثانية، إلا أنه صبر طويلاً وبعيداً عن الأنظار منتظراً الفرصة المناسبة للانتقام واستعادة أهميته، إذ طوال المدّة التي أعقبت حرب الخليج الثانية وتأسيس "الخلافة"، استطاع التنظيم المحافظة على بقائه –وهو ما كان يتقنه دائماً. لقد قامت فلول تنظيم "القاعدة" في العراق التي مهّدت لظهور "داعش"، بالتنظيم والتخطيط الاستراتيجي وخلق هياكل تسمح للتنظيم بالاستفادة من فراغ السلطة الذي تزامن مع "الثورة" السورية.لقد اعتمد "داعش" اعتماداً كبيراً على المسؤولين السابقين في عهد صدام حسين مثل حجي بكر. لقد عرف أفراد كهؤلاء أهمية الاستخبارات والتكتيكات العسكرية وطريقاً مهماً جداً للنجاح التنظيمي - اللوجستيات. لقد أعطت المجموعةُ الأولويةَ للخدمات اللوجستية، بوساطة إنشاء لجنة تنسيق الهجرة واللوجستيات.

كانت اللجنة مسؤولة عن نقل الأشخاص والأسلحة والموارد داخل وخارج الأراضي التي يسيطر عليها "داعش" باستخدام وسائل الإمداد الخفية. أصدرت كلّ من الولايات المتحدة والأمم المتحدة تقارير تحذّر من أنه رغم خسارة الأراضي والأضرار التي لحقت بهياكل "داعش" البيروقراطية، لكن «ما تزال المكاتب العامة للأمن والتمويل والهجرة واللوجستيات سليمة».

تُظهر الهجمات الأخيرة في سورية والعراق، أنَّ "داعش" لم يُهزَم. فقد أوضح معهد دراسة الحرب مؤخراً أن "داعش" يحاول إعادة تأسيس نفسه في العراق، ويستعد للاستفادة من الشبكات المرتبطة بهجماته المستقبلية ضد الحكومة العراقية. بالإضافة إلى ذلك، يوجد لدى الدول وجهات نظر مختلفة حول أفضل الطرق لإعادة مقاتلي "داعش" المُحتَجَزين. إذ يواصل المجتمع الدوليّ أيضاً تأهّبه لخلايا المقاتلين السريين الأجانب التي عادت لتنفيذ هجمات مماثلة لتلك التي نُفِّذَت في هجمات باريس عام 2015، وتفجيرات بروكسل عام 2016، ومؤخراً هجمات عيد الفصح في سريلانكا. إن الافتقار للتماسك الدوليّ في التعامل مع هذه التحديات يمنح "داعش" فرصة كبيرة للتجديد وإعادة التنظيم.

يُعرَف عن "داعش"، مثل تنظيم "القاعدة" قبله، سمعته في اقتطاع مساحة لممارسة نشاطه في مناطق غير مستقرة. إنَّ الدعوات الأخيرة للهجمات في اليمن وليبيا من قبل المتحدث باسم "داعش" أبي حسن المهاجر، تؤكّد على استغلال المناطق المعرضة للخطر. يقول المهاجر: «يا جنود الخلافة في العراق، والشام، وخراسان، واليمن، وشرق آسيا، وغرب إفريقيا، وليبيا، وسيناء، والصومال، وفي كل مكان، استعدوا للحرب وكونوا مواظبين على ذلك، واغتنموا الفرصة، وحرّكوا الألوية، وأطيلوا أمد المعركة. فعدوّكم لن يطيق ذلك». بعد أمدٍ قصيرٍ من البيان، زاد مقاتلو "داعش" من هجماتهم العنيفة في العراق وسورية وأماكن أخرى.

هذا، ووفقاً لمجلة النبأ الرسميّة لـ "داعش"، طوال أربعة أيام من بيان المهاجر، أسفر اثنان وتسعون هجوماً لتنظيم "داعش" عن مقتل 360 شخصاً من مختلف المحافظات، ولا سيما في العراق وبلاد الشام. تُوفّر لجنة تنسيق الهجرة واللوجستيات الهيكل التنظيمي لتطبيق رؤية المهاجر، ومن المحتمل أن تكون لجنة تنسيق الهجرة واللوجستيات التي تمت الإشارة إليها بشكل إيجازي على أنها مزود للإمدادات في فيديو البغدادي. تعمل كعصبٍ يسمح لـ "داعش" بالاستفادة من تراجع الولايات المتحدة والتحالف في العراق وسورية، وعدم الاستقرار في ليبيا، ونشر المقاتلين الأجانب.لجنة تنسيق الهجرة واللوجستيات ILC))

إنَّ لدى لجنة تنسيق الهجرة واللوجستيات دورين رئيسين هما: استقبال واستضافة المهاجرين المسافرين إلى المناطق التي يسيطر عليها "داعش"، وتلبية الحاجات اللوجستية للأقسام الأخرى. إنّ هذا العنصر الخاص باللوجستيات في استراتيجية "داعش" مُدَوَّن في كتاب "إدارة التوحش" لأبي بكر ناجي. يؤكّد ناجي على أهمية اللوجستيات، مشيراً إلى أنَّ «مناطق الفوضى والتوحش سترتقي إلى مرحلة إدارة التوحّش، في حين أن مناطق ودول العالم الإسلامي المتبقية ستبقى على نطاقين –نطاق الدعم اللوجستي لمناطق التوحش التي نسيطر عليها نحن ونطاق "قوة إثارة القلق والإنهاك" (الموجّه ضد) الأنظمة، حتى يأتي النصر إليها من الخارج، بإذن الله. (وبالدعم اللوجستي، أعني المال، ومكان لنقل الأشخاص [أي مكان آمن]، وإيواء العناصر، والوسائط، وما إلى ذلك)». إن أوجه الشبه، كما ستُوَضَّح لاحقاً، بين التعليمات والإجراءات الملموسة لِلَجنة تنسيق الهجرة واللوجستيات لا يمكن المبالغة فيها.

لقد كان السعودي طراد محمد الجربا، المعروف أيضاً باسمه الحربي وهو أبو محمد الشمالي، الزعيم السري لِلُجنة تنسيق الهجرة واللوجستيات منذ عام 2005 على الأقل. وبعد 10 سنوات من ذلك، فرضت وزارة الخزينة الأمريكية عقوبة على الشمالي بسبب دوره كـ "مسؤول الحدود واللوجستيات" عن تسهيل السفر من تركيا وسورية على مقاتلي "داعش" من أستراليا وأوروبا والشرق الأوسط. كما أوضحت وزارة الخزينة أنه مسؤول عن معالجة مقاتلي "داعش" الجدد في مدينة إعزاز بسورية.رغم أن الشمالي كان بالفعل مصنفاً كإرهابي دولي من قبل وزارة الخزانة الأمريكية في أيلول/سبتمبر 2015، إلا أنّ دوره المشتبه به في هجمات باريس في تشرين الثاني/نوفمبر 2015 أدّى إلى محاولة بحثٍ أكثر إلحاحاً عبر وضع مكافأة بقيمة 5 ملايين دولار مقابل رأسه. وبالإعلان عن هذه المكافأة، أوضحت وزارة الخارجية الأمريكية بأن مسؤولية نقل الأشخاص والأموال والإمدادات التي قدمت إلى سورية والعراق من أوروبا وشمال إفريقيا وشبه الجزيرة العربية يتحملها كل من الشمالي ولجنة تنسيق الهجرة واللوجستيات. كما أشار إعلان صادر عن الجهة المُسَمّاة (المكافآت لتحقيق العدالة) إلى أن لجنة تنسيق الهجرة واللوجستيات، تحت إشراف الشمالي، سهّلت حركة 25000 مقاتل أجنبي سافروا إلى العراق وسورية من أكثر من مئة دولة.

في عام 2017، زعمت روسيا أن الشمالي قد قُتل في غارة جوية في دير الزور بسورية، بالإضافة إلى أربعين مقاتلاً من "داعش". ورغم احتمالية موت الشمالي، إلا أن لجنة الهجرة واللوجستيات ما تزال موجودة. وفقاً لبيان صحافيّ صادر عن الحكومة الأمريكية، تم استهداف عضوين من أعضاء اللجنة في غارة جوية للتحالف، لكن من المحتمل أن يكون أعضاء آخرون قد أخذوا مكانهم.

نقل الأشخاص

إنَّ العمل الأكاديمي والتقارير المحيطة بنقل تنظيم "داعش" للأشخاص والأموال والمعدات عميق. ومع ذلك، هناك ندرة في الأبحاث المتخصصة حول لجنة تنسيق الهجرة واللوجستيات. قد ينبع جزء من هذه الندرة من اصطلاحات التسمية المختلفة التي تُستَخدَم. فتشير الأمم المتحدة إلى إدارة اللوجستيات التابعة لـ "داعش" على أنها "مكاتب تنسيق الهجرة واللوجستيات"؛ بينما تشير وزارة الخزانة الأمريكية إلى الشمالي على أنه "مسؤول اللوجستيات رفيع المستوى على الحدود السورية التركية". رغم الاختلافات في التسميات، تقدّم المعلومات المتاحة عبر دعاية "داعش"، ووثائق المصدر الأساسية، وتقارير وسائل الإعلام، وحسابات المؤيدين على صفحات التواصل الاجتماعي لمحة مهمة عن الأعمال الداخلية للّجنة.

ركزت لجنة تنسيق الهجرة واللوجستيات تحت قيادة الشمالي على حركة المقاتلين المحتملين من أستراليا وأوروبا والشرق الأوسط إلى أجزاء من العراق وسورية. لقد بذل تنظيم "داعش" مجهوداً لتصوير الحركة على أنها هجرة، وخلق رواية للمسافرين يمكن إرجاع أصلها إلى هجرة النبي محمد من مكة إلى المدينة عام 622 م هرباً من الاضطهاد.

إنَّ الطريق العام "الجهاديّ" هو ممرّ معروف على الحدود التي يسهل اختراقها بين سورية وتركيا، وقد مرّ فيه بين 25 - 40 % من إجمالي مقاتلي "داعش". من بين 19 معبراً معروفاً، مرت الأغلبية (نحو 2930) عبر ثلاث نقاطٍ سوريةٍ في تل أبيض وجرابلس وإعزاز. صرّح أحد المحللين في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى «إنَّ الممر ضروري لبقاء [داعش]. إنه القناة الرئيسة لما كان في السابق منطقة تهريب كبيرة لـ [داعش] لإدخال المقاتلين وإخراجهم منها، وإدخال الأسلحة والموارد، وإخراج النفط والآثار. فإذا فَقَدَ [داعش] هذا الممر سيتم خنقه بشكل كبير». توفر وثيقةُ مصدرٍ باللغة الإنكليزية بعنوان "الهجرة إلى الدولة الإسلامية" معلومات مفصلة لمؤيّديها حول كيفية السفر إلى دولة "الخلافة".

تشير المصادر أيضاً إلى أنَّ الشمالي قام بتسيير أمور مجندين أجانب للدخول إلى سورية عبر غازي عينتاب في تركيا قبل إعادتهم إلى أوروبا للقيام بأعمال إرهابية، مثل: هجمات باريس التي أودت بحياة 130 شخصاً. من المحتمل أن يكون الشمالي قد ساعد ستة من منفّذي هجمات باريس على السفر إلى سورية للتدريب قبل أن يعودوا إلى باريس لتنفيذ الهجمات.

نقل الموارد المالية

أصدر أبو هاجر، أكبر قادة "داعش" الذين تمت مقابلتهم ورئيس الموارد المالية في العراق تفاصيلَ حول فرض الضرائب على القطاعات العراقية لتدعم أنشطة تنظيم "داعش". كان النفط أحد مصادر الإيرادات الرئيسة التي وصلت عام 2014 إلى مليون دولار يومياً حسب التقديرات. كانت لجنة تنسيق الهجرة واللوجستيات، تحديداً الشمالي، مسؤولة عن تنظيم وتوزيع الأموال في ما يتعلق بالعمليات اللوجستية.لقد أخذ نقل الأموال ذات الأهداف اللوجستية أشكالاً عديدة، وتضمّن ذلك توفير الأموال لجوازات سفر مزيفة، ومخابئ، ومهربين، وتسفير المقاتلين الأجانب بالطائرات ووسائل السفر الأخرى.

أفادت فرقة العمل للإجراءات المالية (FATF) أنَّ الشخص المُعَيَّن هو (الشخص M) ويعدّ المسؤول عن تجنيد وتسهيل أمور المقاتلين الأجانب الذين ينتقلون إلى الأراضي التي يسيطر عليها "داعش" في سورية. لقد وفّرت قيادة "داعش" الأموال لـ (الشخص M) لدعم هذه الأنشطة وتمويلها. وشمل ذلك استئجار غرفة فندقية لاستخدامها كمركز لوجستيات قرب الحدود التركية السورية لاستضافة المقاتلين الجدد بشكل مؤقت. وحسب ما ورد، عالج (الشخص M) أكثر من 200 مجند في مركز الخدمات اللوجستية هذا وساعدهم في العبور إلى سورية. لا يربط التقرير (الشخص M) على وجه التحديد بلجنة تنسيق الهجرة واللوجستيات، ولكن من المحتمل أن تكون هذه الأنشطة من وظائف فرعٍ للّجنة.

نقل المعدّات

تتولّى لجنة تنسيق الهجرة واللوجستيات مسؤولية تزويد المعدّات، بما في ذلك الأسلحة، للأشخاص المناسبين من أجل تنظيم العمليات. كان هناك العديد من الأسلحة التي استخدمها "داعش" موجودة مسبقاً في الأراضي التي استولى عليها. تشير منظمة العفو الدوليّة في المملكة المتحدة إلى أن الكثير من هذه الأسلحة القادمة من أكثر من 25 دولة تم تخزينها في العراق، «يعكس النطاق الهائل عقوداً من عمليات نقل الأسلحة دون مسؤولية إلى العراق، إلى جانب الفشل في وضع آلية للرقابة طوال مدّة الاحتلال الذي قادته الولايات المتحدة بعد عام 2003». تشمل الأسلحة المستخدمة في مخزون "داعش" بنادق هجومية مثل كلاشينكوف الروسية و "M-16" الأمريكية بالإضافة إلى صواريخ مضادة للدبابات.

عندما نفد مخزون الأسلحة عند مقاتلي "داعش"، تمكنوا من صنع أسلحة ممّا كان لديهم، لأن جميع الإمدادات التي احتاجوها كانت متوافرة في المناطق التي سيطروا عليها. من المرجّح أن لجنة تنسيق الهجرة واللوجستيات قد لعبت دوراً كبيراً في الحصول على الأسلحة وتوزيعها في أرجاء العراق وسورية، وكذلك الأمر بما يتعلق بالأسلحة المستخدمة في الهجمات خارج "الخلافة" الُمعلَنة ذاتياً، وقد يكون الأمر كذلك حتى في سريلانكا بناءً على مقطع الفيديو لأبي بكر البغدادي في نيسان/أبريل.استنتاج

إنَّ فهم آليات العمليات اللوجستيّة لتنظيم "داعش" أمر ضروريّ إذا أراد المجتمع الدوليّ أن يصمد أمام محاولاته لإعادة تنظيم نفسه وإنشاء معقل له في مناطق تتأرجح على حافة عدم الاستقرار الإقليمي. تُعَدّ الهجمات الأخيرة في العراق بمثابة تذكير بمقدرة تنظيم "داعش" حيث يستخدم أنفاقه لتنفيذ هجمات على القوات العراقية.يمكن للهجمات المستمرة على قوات الأمن وعدم الاستقرار الإقليمي إتاحة المجال لـ "داعش" كي يستغلّ النقائص الهيكلية للدولة، ولن يؤدي ذلك إلى حالة من الفوضى والموت فقط، بل سيؤمّن لـ "داعش" الفرصة التي يحتاجها لاستعادة أهميته في جميع أنحاء العالم. يعيد تنظيم "داعش" بناء علامته المميزة ببطء عبر نقل الموارد والقوى العاملة من المقاتلين الأجانب إلى مناطق جديدة جاهزة للاستغلال. قد يعوق هذا التشتّت جهود التنظيم على المدى القصير، ولكن على المدى المتوسط إلى المدى الطويل، قد يوفر ذلك أيضاً الجذور التي يحتاج إليها التنظيم لإعادة تعريف نفسه كنموذج يُحتذى به للمجموعات الإرهابية الصاعدة.

سيكونُ التصدّي للأنشطة اللوجستيّة التي ترعاها لجنة تنسيق الهجرة واللوجستيات أمراً بالغ الأهميّة في الحدّ من قدرة "داعش" على إعادة التنظيم أو استغلال مناطق هشّة، مثل ليبيا. فرغم خسارة الأراضي، لا يزال الهيكل التنظيميّ لـ "داعش" الذي سهّل تَوَسُّع التنظيم وحافظ على نجاح العمليات المهمة قائماً، وهو لجنة تنسيق الهجرة واللوجستيات. ستُشَنُّ هجمات أكثر كتلك الشبيهة بما حصل في سريلانكا ما لم يركز الاستراتيجيون جهودهم على الحدّ من قدرة اللجنة على استخدام شبكات الإمداد الخفية التي تسمح بنقل الموارد والأسلحة والعملاء. وإلى أن يحدث ذلك، سيظل "داعش" يُشكّل تهديداً جغرافياً واستراتيجياً مستمراً. 

 


الجمل بالتعاون مع مركز دمشق للدراسات