القمح السوري: ضحية الطبيعة أم بفعل فاعل؟!

يارا انبيعة

في موسم كان قد استبشر الفلاحون فيه بحصاد استثنائي، وبعد هطول مستويات غير مسبوقة من الأمطار أدت لارتفاع المحصول المنتج من حقولهم، والتي تَضاعفت كمياتها عن العام 2018، لم تدم البشرى طويلاً بسبب الحرائق التي طالت محاصيل القمح والشعير.

فقد تعرضت آلاف الهكتارات من حقول القمح والشعير في كل من سوريا والعراق للحرق خلال موسم الحصاد، الذي يستمر حتى منتصف يوليو/تموز 2019، والقيت المسؤولية مناوبة على العوامل الطبيعية تارة والعوامل الإنسانية، بما فيها فعل فاعل، تارة اخرى.


أسباب عديدة


اندلعت الكثير من الحرائق في مئات الدونمات والمساحات الواسعة من المحاصيل الزراعية في سوريا والعراق، مسببة خسائر كبيرة للمزارعين الذين كانوا ينتظرون موسماً جيداً خصوصاً بعد موسم الأمطار التي وعدت بمحصول وفير هذا العام.


وتعددت الأسباب التي أشارت إليها الجهات الحكومية في البلدين، سوريا والعراق، وخبراء مطلعين على هذا الملف بين درجة حرارة الطقس المرتفعة في البلدين مروراً بشرارة عوادم السيارات وأعقاب السجائر من الحافلات المارة، وصولاً إلى تنظيم “داعش” الإرهابي بإشعال حرائق في العراق؛ بينما عزت آراء اخرى أن اندلاع الحرائق، في بعض محاصيل شمال شرقي سوريا، يعود سببه الى تقصد جهات تأتمر بأوامر الولايات المتحدة، قاصدين “قوات سوريا الديمقراطية – قسد”، من اجل استكمال الحرب الإقتصادية على دمشق.


ففي سوريا شبت حرائق كبيرة في محافظات حماة وحلب وريف دمشق والحسكة ودير الزور، وكذلك تم تسجيل عدة حرائق في الأراضي الزراعية في مدينة الرقة وطرطوس وبانياس والسويداء، حيث أفادت جهات حكومية سورية في حماة، 17 مايو/أيار 2019، بأنه تم إخماد حريق أتى على مساحة قدرها 100 ألف دونم من الأعشاب الرعوية، فيما نشب حريق ضخم، 16 مايو/أيار 2019، في منطقة البادية جنوب شرق منطقة أثريا حيث أتت النيران على مساحات واسعة من الغطاء النباتي والأعشاب اليابسة وبعض حقول محصول الشعير. وأشار مصدر إلى أن الحريق اندلع جراء ارتفاع درجات الحرارة وأعقاب السجائر على الأرجح امتدت نيرانه الملتهبة إلى آلاف الدونمات في موقع شرق ناحية السعن في بادية حماة.


ولقد اتلفت الحرائق نحو 300 دونم من أشجار الزيتون ومحاصيل الحبوب، بينما شبت حرائق أخرى فى مناطق أخرى من محافظة حماة وأتت النيران على مساحة 2150 دونماً مزروعة بمحصول الشعير وأشجار الزيتون وغيرها.


حرائق مقصودة


في تصريح خاص لمركز “سيتا”، أكد معاون مدير زراعة الحسكة، المهندس الزراعي رجب سلامة، أن ظاهرة الحرائق انها “عادة ما تترافق مع عمليات الحصاد، لكنها كانت بسيطة ويتم السيطرة عليها ضمن وقت قصير، إلا أن هذا العام تبدو أن هذه الظاهرة توسعت وتتم بفعل فاعل”، مقدراً المساحات التي طالها الحرق بأكثر من 18700 دونم في عموم محافظة الحسكة، منها قرابة 1100 قمح والباقي مساحات مزروعة بالشعير، ولفت سلامة الى أن “هناك أيدٍ تريد الإساءة لإقتصاد الوطن ولمحاصيل الفلاحين، لكون الموسم وفيراً ويؤمن حاجات الفلاحين المادية لسنوات. ان المقصود منها حتماً هو تجويع الفلاحين، وتبعا لذلك تجويع البلاد.”


إلى ذلك، لفت عضو المجلس التنفيذي لمحافظة حلب، عيسى الابراهيم، إلى أن أسباب تلك الحرائق متعددة وتعود بشكل أساسي لإرتفاع درجات الحرارة أو انطلاق شرارة من عوادم السيارات أو إلقاء أعقاب السجائر من الحافلات المارة، اذ شبت حرائق مختلفة في محاصيل ريف دمشق والحسكة ودير الزور والرقة.


وبهذا الخصوص اعتبر رئيس جمعية العلوم الاقتصادية في اللاذقية، الدكتور سنان ديب، أن أحد أسباب حرائق الشمال الشرقي هي عدم رغبة “قسد”، المدعومة أمريكياً، في تسويق المحاصيل لدى الدولة السورية التي أعطت سعرا للفلاحين (185 ليرة/كيلو قمح) أعلى من السعر الذي قررته “قسد” (160)، وقال ديب “كل الدلائل تشير إلى تورط الأدوات الأمريكية المتمثلة بقسد والتي تحاول منع تسويق المحاصيل للحكومة السورية، اذ أعطت أسعاراً لم تستطع أن تصل لمستوى أسعار الحكومة. وكانت سابقاً تهرب المحصول الى تركيا والمافيات لبيعه بأي سوق من أجل منع الحكومة السورية من الحصول عليه، والمشكلة الكبرى هي ارتفاع درجات الحرارة عن المعدل الطبيعي وكبر حجم وانتشار الأراضي المزروعة بالمحاصيل دون فواصل وكلنا يعرف قابلية الأراضي المزروعة بالقمح والشعير للاحتراق وسرعة انتشاره.”

واضف ديب “كان يجب توفير الآليات والمعدات اللوجستية لفرق الإطفاء خصوصاً في الأرياف المعرضة أكثر من غيرها للحرائق ولا بد من إجراءات وقائية، كإنشاء فواصل نارية بالجرارات تقسم الأرض لأقسام تجعل من السيطرة على أي الحريق أسهل.”

من جهته، يرى عضو مجلس إدارة إتحاد الغرف الزراعية السورية، سلمان الأحمد، ان “من أهم عناصر نجاح إدارة القطاع الزراعي هو الإستعداد لتدارك الكوارث والمشاكل قبل وقوعها واستعدادها لتلقي المبادرات الإيجابية وقدرتها على خلق حالة تعاون مع المجتمع الأهلي كي يتعاونوا على الإنذار المبكر والوصول بأسرع وقت لبداية الحرائق.”

الأرض المحروقة

يمتلك مقاتلو تنظيم “داعش” الإرهابي تاريخاً طويلاً في اتباع سياسة “الأرض المحروقة” في المناطق التي ينسحبون منها أو حيث يهزمون، وتقول إيما بيلز، الباحثة المستقلة في الشؤون السورية، عن هذه السياسة “انها وسيلة لفرض عقوبة جماعية على الذين خلفوهم وراءهم.”

وبالفعل، تبنى مسلحو “داعش” مسؤولية حرق المحاصيل، قائلين إنهم استهدفوا مزارع تابعة لكبار المسؤولين في ست محافظات عراقية وفي شرق سوريا الخاضع للوحدات الكردية، حيث تعرضت مئات الدونمات من حقول القمح للإحتراق، فيما تعرض بعض المزارعين الذين حاولوا إخماد الحرائق لإنفجار ألغام أرضية وضعت في حقولهم، ما أدى الى اصابة عدد منهم.

الأفضل منذ 3 عقود

اعتبر الصحفي السوري، أيهم مرعي، من محافظة الحسكة، في حديث الى مركز “سيتا” أن الموسم الزراعي الحالي “هو الموسم الأفضل منذ أكثر من ثلاثين عاماً، وتذهب بعض التقديرات إلى أنه منذ أكثر من قرن لم يأتِ موسم مماثل للموسم الحالي. ويبدي الفلاحون تفاؤلاً تجاه الحصاد الوفير المتوقع هذا العام، بما يعوضهم عن قحط سنين الحرب، والتي جاءت بمردود ضعيف، نتيجة القحط والجفاف بسبب عدم انتظام الإمطار، وصعوبة توفر مستلزمات الإنتاج الزراعي، ما أدى الى تراكم الديون الزراعية، وهو ما كان يتوقع أن يتم تجاوزه هذا الموسم.”

ويكمل مرعي بالقول “تأتي ظاهرة الحرائق لتنسف أحلام الكثير من الفلاحين بعد معلومات عن احتراق أكثر من 60 ألف دونم، وبخسارة تقدر بأكثر من مليارين ليرة في عموم المنطقة الشرقية التي تعتبر خزان سوريا الزراعي، وخاصة محافظة الحسكة التي تعتبر العاصمة الزراعية للبلاد. بالتأكيد، هي حالة غير طبيعية، ويبدو أنها متعمدة وبفعل فاعل بهدف ضرب الإقتصاد الوطني، وضرب محصول هذا العام الذي يعتبر نادراً من حيث التوقعات والإنتاج على أرض الواقع لمحصولي القمح والشعير.”

ويرى مرعي انه “وبنظرة واحدة للمواسم السابقة، فإن نسبة ومساحات الحرائق لا يكاد ذكرها وغالباً ما تكون نتيجة إهمال الفلاحين أو ماس كهربائي أو شرارة من سيارة أو من عقب سيكارة، إلا أن هذه الأرقام من المساحات التي أتلفتها الحرائق وحولتها إلى رماد تؤكد ان ما حصل هو بفعل فاعل، وأن هناك اكثر من مستفيد من إلحاق الضرر بالمحاصيل، بما يجعل البلاد محتاجة دائماً لرغيف الخبز، وغير قادرة على تحقيق الإكتفاء الذاتي، وبالتالي توفير الأمن الغذائي. وقد تبنى تنظيم داعش الإرهابي خلال الأسبوعين الفائتين عدداً من عمليات حرق المحاصيل في أرياف محافظة الحسكة فقط، فيما بقيت حرائق الرقة وديرالزور دون ان يتبناها أحد. ان اسقاط الحرائق هذه على المشهد السياسي تؤكد أن الحرب الإقتصادية على سوريا لم تتوقف عند الثروات الباطنية والمشتقات النفطية، وإنما طالت وستطال أي جانب اقتصادي مرشح لأن يشهد تعافي حتى ولو كان بفعل الطبيعة وكرم السماء.”


الجمل بالتعاون مع مركز سيتا للدراسات