"قسد" والمنطقة الآمنة والتدخل التركي

جون هولاند -ماكووان - إعداد: نور الشربجي

أصدر عبد الله أوجلان، زعيم حزب العمال الكردستاني، رسالة مفاجئة في 6 أيار/مايو بعد أول لقاء له مع محامين منذ ثماني سنوات، مذكّرة تدعو إلى إجراء "مفاوضات ديمقراطية" بين "قوات سوريا الديمقراطية" وأنقرة من أجل تعزيز "الديمقراطية المحلية المنصوص عليها دستورياً ضمن إطار سورية الموحدة"، ما أضاف بُعداً جديداً على المحادثات.

وترى مصادر مطّلعة على الوضع أن توقيت رسالته كان يهدف إلى تسهيل التوصّل إلى اتفاق بشأن المنطقة الحدودية في شمال شرق سورية، حيث تسيطر "قوات سوريا الديمقراطية" على تلك المناطق. تتفاوض تركيا وواشنطن منذ عدة أشهر بشأن خطة تقوم على تنظيم دوريات مشتركة في منطقة آمنة تمتد على مسافة عشرين ميل تقريباً إلى داخل سورية، وعلى انسحاب "قوات سوريا الديمقراطية" من جميع المناطق العازلة (إلّا أن طول ونقاط النهاية المحتملة لهذه المناطق لا تزال غير واضحة). 

وفي هذا الإطار، ذكر ممثلو "قوات سوريا الديمقراطية" أنّ المسؤولين الأمريكيين يضغطون عليهم للسماح لعدد محدود من القوات التركية بالدخول إلى هذه المنطقة المقترحة. ووفقاً لذلك، فإن بيان أوجلان قد يشجع المجموعة على اتباع المزيد من المرونة فيما يتعلق بهذه الأمور.

إذا فشلت المحادثات، قد تقرر القوات التركية الدخول إلى شمال شرق سورية من تلقاء نفسها. والسؤال هنا، كيف سترد "قوات سوريا الديمقراطية" على إقامة منطقة عازلة من جانب واحد؟

سوابق سيئة ولن تحقق نجاحاً

وصف مسؤولو "قوات سوريا الديمقراطية" احتمال انتشار الجيش التركي في معقلهم الشمالي الشرقي بأنه لن يحقق نجاحاً. فهم يدركون أن أنقرة تنظر إلى "وحدات حماية الشعب" كنتاج مباشر لحزب العمال الكردستاني، الذي قاد حركة تمرد في تركيا منذ عام 1984 وصنفته السلطات التركية والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي كجماعة إرهابية. ووفقاً لذلك، يخشى كلّ من "وحدات حماية الشعب" وجناحها السياسي من أنّ أي تقدّم تحرزه تركيا في شمال شرق البلاد سيشكل تهديداً وجودياً للحركة بأكملها.التجربة الأخيرة لا تبشر بالخير بالنسبة لاستدامة مشاركة تركيا أيضاً. بعد مفاوضات طويلة، اتفقت واشنطن وأنقرة في حزيران/يونيو الماضي على خارطة طريق لطرد "قوات سوريا الديمقراطية" من منبج التي تقع غرب نهر الفرات مباشرة حيث يبدأ الإقليم الرئيسي التابع لـ "وحدات حماية الشعب". ولكن الاتفاق لم يتحقق بعد على نحو كامل. فالدوريات الأمريكية-التركية المشتركة التي دعت إليها الاتفاقية لم تبدأ سوى بعد عدة أشهر من التوصل إلى اتفاق، ولا يزال مقاتلو "قوات سوريا الديمقراطية" في المدينة، بينما لا تزال الاشتباكات المتفرقة تندلع بين الميليشيات المدعومة من تركيا و"قوات سوريا الديمقراطية". ويشير الوضع القائم إلى أنه حتى لو تم التوصّل إلى اتفاق على الورق بين الأطراف المعنية بشأن شمال شرق البلاد، إلّا أن تنفيذه سيفرض تحديات كبيرة.

أعلن أردوغان في خطاب ألقاه في 31 آذار/مارس أنّ «هدفنا الآن هو القضاء على الهياكل الإرهابية في منبج وشرق الفرات». وكان قد حذّر مراراً من أنه سينشئ منطقة عازلة أحادية الجانب في تلك المناطق إذا فشلت المحادثات الأمريكية. وبحسب الكاتب، ينبغي أخذ كلامه على محمل الجد، فتركيا تدخلت في شمال سورية مرتين في السنوات الثلاث الماضية: عملية "درع الفرات" في آب/أغسطس 2016، وعملية "غصن الزيتون" في كانون الثاني/يناير 2018. ورغم ادّعاء أردوغان أن الهدف من تلك العمليات كان التصدّي لتنظيم "داعش"، إلا أن الحملة الأولى ركزت على "قوات سوريا الديمقراطية" بقدر ما ركّزت على "داعش"، في حين صبّت الحملة الأخيرة تركيزها بالكامل على محاربة "وحدات حماية الشعب" و"قوات سوريا الديمقراطية".ماذا سيحدث إذا تدخلت تركيا؟

لا يمكن التوقع من "قوات سوريا الديمقراطية" أن تدافع بنجاح عن أراضيها ضد تركيا بدون مساعدة قوات التحالف. وبالنظر إلى النجاح الملحوظ الذي حققته "وحدات حماية الشعب"، و"قوات سوريا الديمقراطية" في وقت لاحق في دحر تنظيم "داعش"، قد يبالغ المراقبون الخارجيون في تقدير مدى قدرة هذه القوات على الاعتماد على نفسها ضدّ عدو عسكري تقليدي. فعلى سبيل المثال، لم يكن بإمكانها الدفاع عن عين العرب "كوباني" أو الاستيلاء على الرقة ومنبج ومعظم محافظة دير الزور من دون مساعدة القوات الجوية للتحالف. لقد أصبحت قواتها البرية قوية للغاية بفضل شراكتها مع القوات الخاصة الغربية، والعناصر الاستخباراتية، والدعم الجوي الوثيق. ولولا هذا الدعم، لما استطاعت الصمود في وجه الهجوم الذي تشنه القوات المقاتلة بالوكالة بدعم تركي، ناهيك عن الجيش التركي نفسه.

من هنا، ليس لدى "قوات سوريا الديمقراطية" أي حافز لإعطاء تركيا ذريعة إضافية لمزيد من التدخلات، أو لإعطاء واشنطن سبباً لسحب دعمها. وبالتالي، فإن أي انطباع بأن حزب العمال الكردستاني قد ينشّط حملته المسلحة في تركيا لردع العدوان على فرعه السوري كان خاطئاً على الأرجح حتى قبل رسالة أوجلان الأخيرة. فمنذ بداية الحرب السورية، أعطت "وحدات حماية الشعب" و"قوات سوريا الديمقراطية" الأولوية لتمييز حملاتهما عن صراع حزب العمال الكردستاني في تركيا. ويدرك المسؤولون الأكراد جيداً أن وقوع أعمال عنف أخرى من جانب الحزب سيؤدي إلى تحرك تركي مضاد على جانبي الحدود.

وفي الواقع، إذا ضعف دعم التحالف، فمن المحتمل أن تحاول "قوات سوريا الديمقراطية" إبرام اتفاق مع الرئيس الأسد وروسيا من أجل حماية المنطقة الشمالية الشرقية. فمنذ أن عززت سيطرتها على المنطقة، تعاونت "وحدات حماية الشعب"/"قوات سوريا الديمقراطية" مع الدولة السورية.

ومع ذلك، تدرك "قوات سوريا الديمقراطية" جيداً كيف يمكن أن تكون دمشق وموسكو حليفان متقلبان، كما اتضح أثناء الاستيلاء التركي على عفرين. فقد أدّى سحب روسيا للقوات من ذلك الجيب وفتح المجال الجوي لتركيا إلى تمهيد الطريق لذلك الهجوم.ربما يكون الحفاظ على التماسك الداخلي أخطر تهديد قد تواجهه "قوات سوريا الديمقراطية" إذا تدخلت تركيا من جانب واحد. تشير بيانات الاستقصاءات إلى أن المكونات العربية للمجموعة ستنشق إذا أتيحت لها الفرصة. ورغم الطبيعة الإثنية المختلطة لـ "قوات سوريا الديمقراطية"، فقد أذعن معظم العرب "السُّنة" في شمال شرق سورية للإدارة المحلية التي يسيطر عليها الأكراد، لأنها ضمنت الدعم الأمريكي واحتكار القوة. وإذا تحدّت القوات المدعومة من تركيا هذا الاحتكار وسط دعم متردد من قوات التحالف، فبإمكان الانشقاقات العربية الواسعة النطاق أن تجعل من "قوات سوريا الديمقراطية" جماعة كردية بحتة.

وفي هذا السيناريو، قد يضطر ما تبقّى من "قوات سوريا الديمقراطية" ذو الأغلبية الكردية الساحقة إلى الانسحاب من المناطق العربية-الكردية المختلطة أو ذات الغالبية العربية مثل منبج، وتل أبيض، والرقة ودير الزور، والتراجع إلى جيوبها الكردية المعزولة من أجل الحفاظ على ما تبقى لها من قدر محدود من الاستقلال الذاتي والسلطة. وبذلك، ستخسر أفضل وسيلة ضغط للمساومة مع الحكومة السورية بينما تُقلّص بدرجة كبيرة من فائدتها للولايات المتحدة وحلفاء التحالف الآخرين، الذين يريدون الحفاظ على قوة شريكة في المناطق ذات الغالبية العربية والتي تبدو أكثر عرضة لظهور "داعش" من جديد.وختم الكاتب بالقول: يمكن للتوغل التركي أن يفكّك "قوات سوريا الديمقراطية". وإذا فشلت المفاوضات الحالية، فيجب على صانعي السياسة في الولايات المتحدة أن يدركوا أن السماح لأنقرة بإنشاء منطقة عازلة أحادية الجانب قد يؤدي أساساً إلى القضاء على أفضل حليف للتحالف في سورية. وبهدف ضمان حمايتها، ستضطر "قوات سوريا الديمقراطية" إلى السعي للتوصل إلى اتفاق مع سورية وروسيا، ما يُضعف النفوذ الأمريكي في المنطقة بشكل حاسم.

 


المصدر: معهد واشنطن 


الجمل بالتعاون مع مركز دمشق للدراسات