آخر المواضيع المتعلقة

أرشيف البلدان
أرشيف الأيام
الأجندة

مسلسلات سوريّة على متن طائرة بلا طيار: بالدراما جئناكم !؟

نظرة خاطفة على بعض الملخصات البصرية لمسلسلات موسم رمضان؛ تعطينا فكرة كافية عن سيطرة طائرات بلا طيار على آخر ما جادت به قريحة مخرجي الدراما السورية مؤخراً، حيث يسيطر على جزء كبير منها التصوير عبر طائرة بلا طيار من نوع (درون) والتي تعرفنا على ميزاتها صفحة للشركة المنتجة على الإنترنت كما يلي: "طائرة اليوم هي “Bebop Drone”، من إنتاج شركة “Parrot” الفرنسية، وهي تعتبر خياراً رائعاً للمبتدئين، والنموذج المثالي الذي يظهر بوضوح سبب الانتشار الواسع للطائرات بدون طيار. فأوامر التحكم التي يتم تشغيلها عبر شاشة اللمس، والتشارك المريح لوسائط الصوت والصورة، وتقنيات تسجيل المعطيات، والجودة التقنية، كل ذلك بات يعد منصة العمل التي تشكل خطوة أساسية في طائرات “درونز” الاستهلاكية".إذاً هي طائرة للمبتدئين واستهلاكية- كما ورد في التعريف السابق، لكنها هنا في هذا الشرق السعيد المستهلك لكل شيء دون أن يشارك في صنعه، أمست طائرة التصوير هذه موضة مسلسلات الدراما السورية، وعلامة فارقة في سجل (المخرج المبدع) تضاف إلى محاسنه ويستطيع من خلالها أن يبقينا نراقب أحداث مسلسله من الأعلى، وذلك دون أي حاجة أو سبب فني مقنع لذلك، فمن المعروف أن الزاوية المرتفعة للكاميرا- High Angle Shot) غالباً ما تُستخدم لإعطاء المُشاهد إحساساً بضعف الشخص الذي يتم تصويره وعدم أهميته، كما توحي هذه الزاوية بالرتابة، حيث أنها تقلل ارتفاع الأشياء وتبطئ الحركة، فهل بالفعل نستطيع القول أن الإسهاب في التصوير عبر طائرات بلا طيار جاءت من هذه الحاجة الدرامية في تكوين اللقطات وزوايا الكاميرا؟ أم أن الموضة فرضت نفسها كما حدث في الماضي القريب البعيد، حين أُغرِم بعض المخرجين بتقنية سينما (الدوغما) والكاميرا القلقة المرتجفة المهتزة في يد المصور؟ أو عندما سادت موضة الكاميرا الدوارة في موجة مسلسلات مرض الإيدز؟ أو موضة النقل من اللقطات العريضة إلى (الكلوز أب) كما فعلت إحدى المخرجات مطيحةً بكل أصول فن التصوير؟! مفارقات بالجملة يمكن التماسها هنا عن عقلية (الصنايعية) عند بعض المخرجين التلفزيونيين اللذين ما برحوا يفكرون بالكاميرا وتقنياتها وزوايا التصوير وحجم اللقطات دون أدنى معرفة بوظائف هذه اللقطات والزوايا، بل هي نابعة أصلاً من بارانويا- (جنون عظمة) اجتاح هؤلاء مصوراً لهم جهلهم وضحالة معرفتهم وقلة خبرتهم ورغبتهم بالتشاوف عبر استيراد تقنيات لا شغل لها في مسلسلات التلفزيون، قد تحتاج هذه الطائرات بلا طيار للاستخدام في البرامج الوثائقية أو عالم الحيوان لتصوير قطيع من الثيران المهاجرة، لكنها هنا في الدراما التلفزيونية السورية ماذا تفعل مثل هذه الكاميرات الطائرة؟ أم هي نوع من انعكاس حال الحرب على الدراما؟ هل استعار هؤلاء (كاميرا بلا طيار) من طائرات حربية استخدمت وما زالت في الحرب ضد الدولة السورية من قبل تنظيمات الإرهاب الدولي؟ هل هي مصاقبة –(مجموع صدف في وقت واحد) نوعية في محاكاة ظروف الحرب؟ هل الرافعات التي كان المخرجون يصرون على توفيرها لأعمالهم الهوليودية لم تعد تنفع الآن لوضع الكاميرا في ارتفاعات طبيعية وشاهقة؟ تحضر هنا الأفلام القصيرة التي صدّرتها وزارة السياحة مؤخراً عن مواقع ومنشآت سياحية في سورية، وجلها مصوّر بتقنية طائرة بلا طيار، أو ما يسمى بـ (المنظر الطائر) لتوحي لنا هذه "الزوايا الطائرة" بأنها تصوّر أماكن خالية من البشر بل ومهجورة، يمكن للقارئ العزيز أن يعود إلى تلك (البروموشونات) كي يتأكد من هذا الإحساس الذي تعطيه تلك الكاميرا الحربية في تصوير المواقع السياحية والأثرية، حيث توفر هذه التقنية انزياحات بصرية وشقلبات عبر جهاز تحكم يمكن أن يعطي زوايا شاسعة للمنظر الذي يتم أخذه من الجو. لكن لا بشر هنا يظهرون إلا كأهداف للقنص، وإن ظهروا فهم يظهرون أقزاماً ممسوخين من خلال عدسة (عين الصقر) هذه. إنه احتفال بالمنظر على حساب الإنسان، وترويع بصري لا يمكن فهمه في مسلسلات الخيانة والعار والأخذ بالثأر ومشاكل حصر الإرث بين ذات البين! عنجهية وانتفاخ نفسيات أمرضتها التقنية وأصابتها في مقتل النرجسية ومشاعر التفوق والنظر إلى البشر من علِّ. لا أحبذ ذكر أمثلة هنا، لكنني أشير إلى عطب ما يزال يعتبر التقنية فوق المضمون وفوق المعالجة وفوق النص الجيد، بل فوق الممثلين والتقنيين أنفسهم، فالكاميرا على متن طائرة بلا طيار ربما توفّر قريباً تقنية التصوير بواسطة القمر الصناعي أو الاهتداء إلى المشهد واللقطة عبر خاصية (غوغل إرث- GOOGEL EAETH) حيث يصير من الصعب التعرف على شخصيات المسلسل إلا عبر برنامج يختص بحرب النجوم. لحظة..لحظة..هل قلت حرب النجوم؟! أجل حرب النجوم وحرب مخرجين وحرب كل من له حرب على الأرض السورية. إنها حرب على كل الجبهات، حرب يتداخل فيها المهني بالسياسي، ويتم تصفية حسابات الأمس بين شلل فنية عبر هذا المعطى الدموي. حرب الطائرات بلا طيار ستقودنا إلى أنفاق الدراما وكيف حفر البعض لها سنوات وسنوات، حتى صارت عرضةً للسبي والنخاسة في أسواق الكاز؟ كيف تم شراء أدمغتها قبل توريط صغار الكسبة فيها بتقمص أدوار ليست لهم، والغرف من حسنها وألمعيتها، ومن ثم توجيه طائرات بلا طيار كي تقتل كتّاباً وفنانين وتلزمهم بيوتهم. حرب إرهابية لدراما المافيات وتعفيش النصوص الأجنبية وتكريس بنات هوى وأزلام لأخذ دور (البوديكارد) خلفها. هكذا يمكننا أن نردد صيحة في واد: بالدراما جئناكم!

 

سامر محمد إسماعيل: جريدة الأيام السورية