"الخليفة" ما بعد "الخلافة"

 كولين ب.كليرك (COLIN P. CLARKE)- ترجمة لينا جبور :


يُلاحظ لأوَّل مرة منذ خمس سنوات، ظهور أبي بكر البغدادي، زعيم "الدولة الإسلامية" المنعزل، على شريط فيديو، ليتناول مجموعةً من المواضيع. فلماذا شعر البغدادي فجأةً بالحاجة إلى الظهور على الملأ والتحدث إلى أتباعه في شريط فيديو مدته 20 دقيقة تقريباً؟ تتعلق الإجابة بكيفية تقاطع بعض الأحداث الأخيرة، مع احتياجات التنظيم على المدى الطويل.

هذا، وبالنسبة إلى التوقيت، ربما يكون تزامن ظهوره مع شهر رمضان المبارك مقصوداً، وهي المرحلة التي شهدت طفرة ارتفاع الهجمات التي شنّها تنظيم "الدولة الإسلامية-داعش" وأتباعه في جميع أنحاء العالم.

كما أنّه من وجهة نظرٍ تكتيكيّة، يمكن أن تكون هذه الرسالة وسيلة لحشد المؤيدين، وحثّ متشدِّدي "الدولة الإسلامية" نحو تفعيل العمل، وتشجيعهم على شنِّ هجمات، لا سيما الإرهابيين من مجموعات تسمّى بـ "الذئاب المنفردة" التي يرجّح أن يكون أعضاؤها في حالةِ تحفُّزٍ لشنِّ هجماتٍ باسم التنظيم.

لقد ظلَّ البغداديُّ متوارياً عن الأنظار لأمدِّ طويل، لذلك من المرجّح أن يكون ظهورهُ المفاجئ دعماً معنويّاً لمؤيدي "الدولة الإسلامية" والمقاتلين المتبقين، وحافزاً للأفراد أو الجماعات الصغيرة على التحرّك. كما أنّه على مستوى أكثر جوهرية، يمكن أنه يحاول بكل بساطة أن يثبت لأتباعه أنه على قيد الحياة، رغم ادّعاءات الروس العديدة بأنه قُتلَ في أحداث عدّة من الصراع.

يأتي ظهوره أيضاً في أعقاب هزيمة "الخلافة" الإقليمية لـ "لدولة الإسلامية" في سورية. يبذل البغدادي، في الفيديو، جهوداً حثيثة لزرع الطمأنينة في نفوس أتباعه بأنَّ مقاتلي "الدولة الإسلامية" حاربوا ببسالة في الباغوز رافضين الاستسلام، وأنهم بذلوا الدَّماء في محاولة التصدّي لقوات التحالف.

يناشد البغدادي أنصاره مذكِّراً إيّاهم بأنَّ الجانبَ الزمنيّ لهذه المعركة لا يمكن قياسه في شهور أو سنوات، ولكن في أفق زمنيّ أطول بكثير. يقول في هذا الفيديو، «إنَّ حقيقة معركة الإسلام وأهله مع الصليب وأهله هي معركةُ طويلةُ، إن معركة الباغوز قد انتهت، وقد تجلت فيها وحشية أمة الصليب تجاه أمة الإسلام».هذه محاولة لتأطير الباغوز، بصفتها واحدةً من معارك عديدة سيخوضها تنظيم "الدولة الإسلامية" ومؤيّدوه على مدار السنوات والعقود القادمة. قد يكون القصد من استخدام هذه المصطلحات الزمنية للتعبير عن هذا الصّراع، هو إعطاء الأمل لأولئك الذين يريدون إعادة تأسيس "الخلافة" ذات يوم التي كانت في حدِّ ذاتها حدثاً تاريخيّاً وقوّةَ حشدٍ لجذب المجنّدين إلى التنظيم.

ويكرر أنَّه لم يتم التخلي عن "الخلافة"، ولا يعدو الأمر كون الخلافة قد خسرت جولةً في الحرب، وأنَّ أي انتصار عسكريّ من قبل القوات الغازية سيكون مؤقتاً. كدليل على ذلك، يقبل البغدادي "بيعة"، أو تعهداً بالولاء، من قبل مجموعات جديدة في أماكن مثل بوركينا فاسو ومالي، ويثبت هذا الوضعُ أنَّه رغم انهيار "الدولة الإسلاميّة"، إقليميّاً، إلا أنَّها لاتزال تمتلك القدرة على التوسع والانتشار في مناطق جديدة.وجاء البغدادي على ذكر العديد من المقاتلين الأجانب المعروفين بالاسم، بما فيهم المقاتلان الفرنسيان الشهيران فابيان وجان ميشيل كلاين، وذلك كإشارة لطبيعة انتشار التنظيم عبر الحدود.  منذ البداية، تجاوزت وسائل الإعلام "الإسلامية" التفكير الضيّق والمحدود، وركزت على الجوانب العالميّة للحرب ضد الغرب، مهددةً خصومها، وممجدةً مقاتليها الذين شاركوا في تنفيذ هجمات في بلجيكا وفرنسا وتركيا وأماكن أخرى.

هناك بعض الأسباب الأخرى التي قد تكون وراء شعور البغداديّ بضرورة الظهور أمام الكاميرا. ففي أعقاب الهجمات في سريلانكا، تساءل الكثيرون في وسائل الإعلام وأماكن أخرى عن الدّور الذي تلعبه "الدولة الإسلامية"، وشككوا بشدة في ما إذا كانت ما تزال الجماعة المسلحة تحتفظ بالقدرة على إقامة شراكة مع جماعة محلية.هذا، وعلى أساس الرجوع إلى الأحداث الأخيرة، بما في ذلك هجمات عيد الفصح في سريلانكا، يعيد زعيم تنظيم "الدولة الإسلامية" تأكيد قيادته للتنظيم، مُبيِّناً أنه يجلس على قمة القيادة والسلطة على ما تبقّى من التنظيم، ليس فقط في العراق وسورية، ولكن على نطاق أوسع، من الأفرع والوكلاء التابعين له عبر الحدود البعيدة.علاوة على ذلك، يدلُّ ذكره للاحتجاجات في السودان والجزائر على أنه ربما كان يأمل تجنب المخاطر التي عانت منها "القاعدة" في الأسابيع والأشهر الأولى من "الربيع العربي". لقد تفاجأ أسامة بن لادن وآخرون في القيادة بما حدث في القاهرة ودمشق وطرابلس.

يبدو أنَّ البغداديّ يحاول استباق هذه "الثورات" عن طريق التلميح إلى تنظيم "الدولة الإسلامية" في المحادثة واللعب على "قلوب وعقول" السُّكان المحليين في تلك البلدان. يصنّف البغدادي عبد العزيز بوتفليقة وعمر البشير كطغاة قبل العودة إلى سبب وجود تنظيم "الدولة الإسلامية" –الجهاد في سبيل الله– الذي يعدّه الترياق الوحيد لإصلاح هذه المجتمعات المحاصرة.

في حين كان هناك تركيز على الأحداث الجارية، بما في ذلك إعادة انتخاب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في "إسرائيل"، فإنَّ الخطاب يفتقر إلى حدٍّ كبير إلى ما ينشده البغدادي من الاتجاه المستقبلي للتنظيم. من الواضح أنه يرى القيمة في توسيع نطاق تنظيم "الدولة الإسلامية" الإقليميّ والجغرافيّ، لكنه لا يذكر الكثير حول كيف يمكن لفروع "الدولة الإسلامية" في جنوب آسيا تجنُّب المصير نفسه الذي حل بالتنظيم الرئيس في العراق وسورية.

في الواقع، قد يكون البغدادي أقرب إلى الذين يسمّون الرؤساء التنفيذيين الآخرين، منشغلاً بالتفاصيل اليومية لإدارة التنظيم، ولكنه يفتقر إلى رؤية أكثر شمولية واستراتيجية لكيفية التكيف مع المشهد المتغير. يتناقض هذا بشكل كبير مع ابن لادن الذي رغم المراوغات والخصوصية الشديدة للاختباء في باكستان، كان يجد وقتاً للتفكير والتركيز على التكتيكات والاستراتيجية، مع تقديم مخطط لمستقبل التنظيم.في النهاية، قد لا يكون ظهوره في شريط فيديو لأول مرة منذ خمس سنوات مهماً.  وربما حقق البغدادي كل ما أراد –إثبات أنه على قيد الحياة في الوقت الذي تعاني فيه فلول "الدولة الإسلامية" من التقهقر لا من الهزيمة، وتحريض أتباعه على شن هجمات. لقد قدّم البغدادي رسالة استمرارية وأمل إلى أتباعه؛ ذلك بجذبه لانتباه العالم. 

 

الجمل : بالتعاون مع مركز دمشق للدراسات

 المصدر: الفورن بوليسي (Foreign Policy)