آخر المواضيع المتعلقة

أرشيف البلدان
أرشيف الأيام
الأجندة

الطريق السوري إلى العلمانية

الجمل ـ محمد الأحمد:

قمت خلال الفترة الفائتة بإعداد بحث علمي حول العلمانية وسبل تطبيقها الممكنة في مجتمعاتنا وبالأخص (سورية). حيث إن ما يهمني قبل كل شيء هو الفائدة المباشرة لمجتمعي، وقد سعدت لأن هناك مواطنون سوريون كراماً، قد قرروا إنشاء تحالف سوري علماني. وأنني لا أرى في هذه الخطوة إلا عملا إيجابيا محترما كخطوة أولى، وأن من حق أصحابها أن يأخذوا فرصتهم، وأن رجمهم بحجارة الكلام مقصود وهدفه مفضوح وهمه الرئيسي إرضاء الكتلة الرجعية السورية وتبييت نية التعاقد معها لإبقاء البلاد والعباد في حفرة المحنة والظلام.

 لذلك أهدي بحثي وجهدي هذا لكل العلمانيين السوريين مؤمنين وغير مؤمنين. وأنا كعلماني مؤمن بالخالق عز وجل أشعر بالرضا عن النفس وعن كل المحاولات الراغبة والمكافحة لعلمنة سورية من أجل إنسانها الذي يستحق الشمس والنور والنهضة والكف عن المشي وراء المتخلفين.

الحلقة الأولى: العلمانية (Secularism) كمفهوم اجتماعي وسياسي وطرق تطبيقها الممكنة في سورية   

 (فهرس الدراسة)

أولاً: تمهيد

ثانياً: المنهج البحثي وطريقة التحليل والاستنتاجمفتي الجمهورية العربية السورية بدر الدين حسون

ثالثاً: أهداف البحث

رابعاً: المخطط العام للبحث ويتضمن

1 – شرح لواقع المجتمع السوري وسيكولوجيا الجمهور وعلاقته بالسلطة

2 – شرح لمفهوم (العلمانية) والرؤى المختلفة حوله

3 – العلمانية والإلحاد

4 – الطريق السوري إلى العلمانية

خامساً: خاتمة تتضمن الاستنتاجات الرئيسية من البحث وتحقيق الأهداف منه.

 

أولاً: تمهيد  

تعاني المجتمعات المسلمة من التراث الديني، أكثر من غيرها ومن قوة تأثير رجال الدين، لا بل ومن كون أحد أكبر وأهم تفسيرات الدين الإسلامي وهي تفسيرات متعددة، هو التفسير الذي يعتبر أن الدين والدولة متلازمين وواجبي التطبيق ولو بالقوة! وهذه هي أخطر تفسيرات المسلمين للقرآن وأحاديث الرسول. خصوصاً وأن الرسول محمد أسس نواة دولة بالفعل في المدينة المنورة ولكنه لم يوص قبل وفاته ببناء امبراطورية مسلمة بالقوة كما فعل تلاميذه من بعده. بل جاءه الأمر:

(ادع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة) لكن القرآن نفسه ككتاب يعتبر معضلة فكرية كبيرة لمتبعيه:  إذا لم ينتبهوا أصلاً إلى أن أهم قضايا القرآن هي (خير الإنسان) أي يسبقوا العقل على النقل فيحلون المشكلة، مشكلة فهم وتأويل النص فهماً يؤدي لمصلحة البشر كل البشر 1.  كما أن للقرآن تفاسير متعددة ومتناقضة في أشياء مركزية 2.

وهكذا يمكننا القول بأن الفهم القائل بربط الإيمان الذي يدخل المسلم بعد الموت إلى (جنة عرضها السماوات والأرض) لا يرتبط فقط بالالتزام بالصلاة والصيام، وباقي الأسس المعروفة لتصبح مسلماً حقيقياً، بل يرتبط بالنضال لإقامة دولة إسلامية! عند نسبة من المسلمين. هذا الربط هو مصيبة المصائب وهو عقدة هذا النوع من البشر، ولقد أصبح عقدة للبشرية جمعاء بسبب عدد المسلمين الهائل (مليار وأربعمائة مليون نسمة) وعدد الدول الإسلامية في العالم (44) دولة من أصل (198).د.محمد شحرور

كما أنه من المفروض الانتباه هنا إلى أن أولئك المسلمين الذين لا يعرفون لغة القرآن ( العربية ) هم 80% و هذا زاد اعتمادهم على طبقة رجال الدين بشكل هائل ( الإكليروس ) حتى صار أولئك المؤمنون منهم يعتبرون رجال الدين ( مقدسون) و كلامهم في الحقيقة هو كلام الله ! لأن المسلم غير العربي لا يفهم القرآن كما يجب فالقرآن مكتوب بلغة ذات خصوصية خاصة للغاية لا يستطيع فهمها كما يجب حتى الكثير من العرب، فهو ذو رنين موسيقي قريب إلى الشعر يؤثر تأثيراً خاصاً بجمهور المؤمنين، ويزداد هذا التأثير عند الشعوب المسلمة التي لا تفهم ما يقال، وتعيش حالة القداسة بشكل خاص للغاية. حيث تؤكد ما نشرحه هنا تلك الظواهر ذات البعد الحربي العسكري التاريخي التي عاشها المسلمون منذ الدولة العباسية، حيث باتت الفرق العسكرية – غير العربية – من ترك سلاجقة ومماليك وفيما بعد شركس وأكراد وداغستان وشيشان وأفغان .... بات هؤلاء هم الحالة العسكرية الأكثر خطورة وهي الخاصرة الصعبة في الجمهور المسلم الجاهزة دوماً لتصدير الحرب للعالم. ظناً منها بأنها تخدم الله عبر محاولة بناء ( دولة إسلامية ) . 

إذ من الواجب أن يعرف الباحثون أن فكرة الدولة الإسلامية ليست فكرة ل ( داعش ) فقط بل إن الكتب التي تدرس الشريعة في كليات الشريعة و الحقوق في الدول الإسلامية و حتى في سورية تدعوا لإقامة دولة إسلامية كجزء من السلوك الإسلامي الصحيح 3، مع أنه لا القرآن جاء بذكرها و لا محمد الرسول .

إن هذه الحالة الإسلامية تستدعي التفكير ب علمانية من نوع خاص والعمل على علمنة المجتمعات الإسلامية، وذلك دون اعتبار أن العلمانية هي حالة من حالات رفض فكرة وجود الإله! ورفض المعتقد الديني! فلا بديل بعدما تقدم من شرح حول فهم النص الديني القرآني و كتب الشريعة من (فصل الدين عن الدولة) دون إهانة الدين أو التنزيل من قدره .. وقد يشعر قارئ هذا البحث بنوع من اليأس أو الاستغراب مما نقول و لكننا ندعوه لكي يستغرب أكثر عندما نقول له: إن الحاكم أي حاكم سياسي إسلامي أو غير إسلامي يستطيع تطويع النص الديني الإسلامي لصالح (العلمانية ) أيضاً !! . فالله في القرآن يقول: (لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) !! و في بحثنا هذا الذي نتناول فيه قضية العلمانية في سورية (التي تشبه محيطها) سوف نتطرق لبعض الأساليب و الطرق الممكنة لتطبيق العلمانية، على قاعدة أن العلمانية ليست (إلحاداً) أو (كفراً) .. فلا سورية ولا أية دولة إسلامية يمكن أن تنجح فيها حكومة ملحدة. 

 ثانياً: المنهج البحثي وطريقة التحليل والاستنتاج  

لقد اخترنا في هذه الدراسة اتباع منهجين رئيسيين للبحث وهما المنهج التاريخي والمنهج الوصفي التحليلي.

ثالثاً: أهداف البحث  

تحدد أهداف البحث الراهن في محاولة الوصول إلى نتائج وأجوبة علمية على التساؤلات والمشكلات التالية:

1 – تحديد ماهية المشكلة الاجتماعية السياسية المتعلقة بالمجتمعات العربية الإسلامية

2 – الدخول بعمق في محاولة تحليل الذهنية العامة لدى المواطن والسلطة في سورية (ينطبق الأمر على المحيط الإقليمي العربي بنسبة معينة)

3 – وضع إجابة موضوعية لإيضاح مفهوم العلمانية العالمية

4 – وضع إجابة موضوعية للعلمانية الممكنة في سورية والعالم العربي والإسلامي.

5 – محاولة تبين الطرق والأساليب الضرورية لأجل نشر الفكر العلمي والعلماني في المجتمع السوري

فإذا استطعنا الوصول لأجوبة علمية موضوعية لهذه الأسئلة الخمس نكون قد حققنا أهداف البحث الذي نصبو إليه.

أما الإجابات نفسها فسوف تكون ملخصة في خاتمة البحث ومشروحة بشكل مستفيض في متن البحث نفسه وأبوابه المختلفة.

رابعاً : المخطط العام للبحث  

1 – شرح لواقع المجتمع السوري وسيكولوجيا الجمهور والسلطة وعلاقتهما المتبادلة (نظرة تاريخية ثقافية سياسية):

عند الحديث عن سورية (الجمهورية العربية السورية) و هذا هو الاسم الرسمي لها كعضو في هيئة الأمم المتحدة 4، لا نستطيع تناول الجانب الثقافي و التاريخي و كأن البلد سفينة في عرض البحر أو جزيرة منعزلة ، فالسوريون و سورية هم جزء من كل ثقافي تاريخي تطلق عليه مسميات مختلفة مثل : الشرق الأدنى ، الشرق الأوسط ، الوطن العربي ، سوريا الكبرى ... الخ

بناء على ما سبق فنحن عندما نتناول المسائل الدينية والثقافية والاجتماعية و السياسية لا نتحدث عن جزء معزول، ولا يستطيع العقل العلمي الدقيق التعامل مع القضية عند تحديدها دونما الانتباه للتأثر و التأثير من المحيط و فيه. فلطالما كان لبنان مؤثراً في سورية و سورية مؤثرة في لبنان و كذلك العراق و تركيا و الأردن و إيران مصر و إسرائيل و فلسطين و الخليج ... الخ.

كما أنك عندما تتناول الجانب التاريخي للموضوع فالحديث عن دمشق يعني الحديث عن عاصمة الإمبراطورية الأموية الكبرى التي وصلت جيوشها إلى حدود الصين يوماً في الشرق و حدود فرنسا في الغرب . فلا يستطيع الباحث عند تناول ( سورية ) و ( الشعب السوري ) أن يتحدث عن جماعة حديثة التكوين ثقافياً بل إن الحديث يكون عن ( جماعة كهلة ) أي ( معمرة ) أي ( عجوزاً) و ربما تكون هذه هي الحقيقة النفسية الأولى للسوريين . لأن التاريخ مهما كان جميلاً إلا أنه ثقيل الحمل على من لم يدرب نفسه و جسده على ( الحمل ) .

و على الرغم من أن الكثيرين في سورية  يعتبرون التاريخ العظيم البادئ منذ الحدثيين الذين وقعا عام 2800 ق.م مع المصريين أول معاهدة في تاريخ العلاقات الدولية ( معاهدة قادش لعدم الاعتداء و التعاون ) مروراً بالآشوريين و الكلدانيين و الكنعانيين و الآراميين السريان و السومريين و الفينيقيين و العرب و ثم اليونان و الرومان و الفرس و الترك .. يعتبرون هذا التاريخ محفز نهضوي إلا أن الباحث يعتبر الأمر معاكساً بدون وجود حامل نهضوي علمي معاصر ، أي أن هذا التاريخ عبء على السوريين اليوم بسبب التغني به دون فعل نهضوي حقيقي .

أ -  فيما يكمن ثقل هذا التاريخ و أين ؟عبد الرحمن الكواكبي

 

الحلقة الثانية     ( الطريق السوري إلى العلمانية )  

 أ -  فيما يكمن ثقل هذا التاريخ و أين ؟  

إن هذا الثقل ببساطة يكمن في عاملين الأول هو الصراع المستمر حتى الآن، بين النمط الرعوي والنمط الزراعي للحياة القديمة، أي بين البدو والفلاحين. فلطالما كانت الثقافة القبائلية قاسية وحربية على المزارعين الذين ينشدون السلام ويبنون الحضارة، وانتصار النمط الرعوي سياسياً في حقيقة الأمر!

فعند البحث في جذور ما قبل الرسالة المحمدية من دول وممالك و (ثقافة قبائلية) نجد في الشعر العربي القديم (مثلاً) مقياساً ثقافياً رعوياً أساسياً ونرى بأن الكثير من المفاهيم القديمة بقيت في الأذهان حتى أيامنا هذه. حيث تدرس بعض وزارات التربية في الدول العربية تحت بند شعر الفخر و الحماسة المعلقات العشر ، و هي أهم أشعار العرب في التاريخ ما قبل المحمدي حيث كانت الطريقة الأولى للعيش هي الغزو و سلب الغنائم  ، و كان للشعر دور رئيسي في تصوير الحياة ف(مثلاً) معلقة (عمر بن كلثوم التغلبي ) التي يفتخر فيها بقتله العشرات من الرجال عندما طلبت والدة (عمر بن هند ) من والدته أن تساعدها في غسيل الصحون فبدا الأمر كإهانة كبرى و صارت مذبحة شهيرة هاكم  بعض أبيات القصيدة ذات العبقرية الفنية و لكنها قبيحة معنوياً و غير عاقلة معناً و تفكيراً :

يقول الشاعر:

ألا هبي بصحنك و اصبحينا.  ولا تبقي خمور الأندرينا (يثمل)

مشعشعة كأن الحص فيها .   إذا ما الماء خالطها سخينا (يصف العرق)

أبا هند فلا تعجل علينا .      و أنظرنا نخبرك اليقينا (يهدد)

بأنا نورد الرايات بيضاً .     و نصدرهن حمراً قد روينا (يقتل)

إذا بلغ الفطام لنا صبي .       تخر له الجبابر ساجدينا (يبالغ حتى السماء)

ألا لا يجهلن أحد علينا .      فنجهل فوق جهل الجاهلينا ( يبيع العقل )

هذه القصيدة تدرس في المدارس السورية اليوم كشعر جاهلي في باب (الفخر و الحماسة) ولم تتعب وزارة التربية نفسها في الإشارة إلى عدم قبول هكذا فخر (كبند في سلم القيم) !

و مع عشرات القصائد الأخرى الجاهلية و غير الجاهلية التي نظمت أثناء الحروب و سفك الدماء و الغيرة و الحسد و القتل و البطش و كلها تدرس الآن كفخر تاريخي يخلط فيها الفخر بالشعر نفسه و (سلم القيمة) الموجود فيها بشكل ساذج و خطير. فما بالكم والشعر مكون معرفي رئيسي في ضمير وأذهان الناس ؟؟!

فخطورة الشعر تكمن في كونه حالة فنية جميلة للغاية، حتى لو تضمنت قيمة اجتماعية خطرة أو غير لائقة! وهذا لا يتم تدريسه بشكل نقدي في البلاد العربية (سورية مثلاً). فبينما يدرس الأوروبيون (شكسبير) الكاتب و (بيكاسو)، الرسام (مثلاً)، كمبدعين عظيمين فهو لا ينسى وضعهما تحت النقد الشديد في حياتهما الشخصية.  وكذلك ينسحب الأمر على كل (شخصية) نكرر (كل شخصية) فلا تقديس للمبدع ولا للسياسي على عكس العرب والمسلمين الذين يعشقون الأبطال ويبنون عنهم أساطيراً كاذبة، فحتى خمسينيات القرن العشرين كان رواد المقاهي في دمشق وحلب، يسحبون العصي على بعضهم من أجل (الزير سالم) و (عنترة)، وكانت قصصهم تروى من قبل الحكواتي بسبك شعري مع الجناس والطباق وغيرها من الفنون اللغوية (الرائعة لغوياً والخطرة في وقعها العقلي) والحماسة كنوع من التسلية التي لا تخلو من (الجهل) وتتضمن المبالغات الفظيعة المضحكة.

الثقل التاريخي الأول: مجتمع يعشق الأبطال ويحولهم لأسطورة!

 ب  -  من جهة أخرى أكثر خطراً من الأدب و الشعر ، جاءت مصادرة الرسالة السياسية و الثقافية المحمدية وعدم الاعتماد و تطوير منهج (الشورى أي الديموقراطية ) أخطر ما حدث، و أوصل الأمور في الدولة الأموية إلى إقامة نظام ملكي وراثي (عنفي) ليس إلا !  ومن ثم تماهت حتى (المعارضة) لهذا النظام عليه وباتت تشبهه. و جاء العباسيون ليكونوا (أكثر عنفاً) هم أيضاً و لم ينج أحد من هذه السوءة الكبرى في تاريخنا و هي سوءة (السياف) أي (قاطع الرؤوس) ! . فالحرب بين المسلمين بعد الفتنة الكبرى جعلتهم يقتتلون بشكل عنيف للغاية ويقتلون من يخالفهم بالرأي، خصوصاً من يخالف جهاز الدولة بالرأي.

الثقل التاريخي الثاني: (السياف والخوف مركب رئيسي في نظام تفكير الأمة)

إن قطع الرؤوس وطبخ (الأعداء) و شيهم الذي قامت به داعش و أخواتها ليس من صنع داعش و مثيلاتها كفكرة و لا تمتلك هذه المنظمات حقوق الملكية الفكرية لهذا الأمر، فالتاريخ الإسلامي يمتلئ بهذه الحوادث، حيث قامت بها شخصيات تقدم كأمثولات جماهيرية، و تسمى باسمها المدارس و الجامعات و المدن و الشوارع، و هؤلاء هم ال (Idol) أي (المثل) الأعلى، الذي يقام   بتدريسه للتلاميذ و الطلاب حتى الآن، و لا يقبل أي نقد بحقهم، أي لا نمارس أية موضوعية في نقاش هذه (النماذج)! حيث يقدم المثل الخطأ بدون أي فعل نقدي! وبرغم وجود قادة مسلمين رحماء إلا أن الغالب على الأمر ومثيرو الإعجاب هم أهل البطش والقوة ومنع الرأي.

وهكذا تبعا لذلك فالمسلمون ليسوا ديموقراطيين مجتمعي أولاً و الثقافة السياسية و المجتمعية التي تحكم عقولهم قمعية أبوية سلطوية . 

 الثقل التاريخي الثالث: ( المسلمون لم ينيروا بعد دروبهم العقلية ولا يقولون الحقيقة )  

 

ت - كما أنه من الضروري لإجراء قراءة صحيحة للمجتمع تحليل قضية ( الجنس ) فيه، و هي قد تكون واحدة من أهم و أخطر القضايا التي لا يتعاطى معها الباحثون جيداً عند تحليل العقل ( المسلم) ، فبتحريم الخمر صارت قضية الفرح الأساسي للفرد هي ابتداعه للمأكولات اللذيذة ( لاحظ أن المطبخ العربي و التركي و الشرقي لذيذ للغاية ) و الاهتمام المبالغ به في  قضية ( النكاح) أي الجنس ، / لاحظ سلوك الرجال العرب / .

فبقدر ما سهل الرسول محمد (الجنس) و جعله قريب المنال للرجل و المرأة ترى (الجنس) الآن في المجتمعات المسلمة قضية شائكة معقدة صعبة المنال .  تحولت فيها ( المرأة) إلى (تابو) للرجل و تحول فيها (الرجل) إلى (تابو) للمرأة . و سبب  ذلك يكمن في  (الإكليروس المشيخي أيام الدولة العثمانية في اسطنبول)  حيث ظهرت مشيخات إسلامية كانت تريد بقدر الإمكان إظهار المواطن ( المسلم) كمذنب بحق السلطان و خاطئ من أجل ابتزازه ليصبح اكثر طاعة و أكثر دفعاً للضريبة  لحروب الجيش  العثماني !!

 فتم ابتداع نمط إسلامي تركي جديد وهو (الفصل الكامل بين النساء والرجال) وتحول مفهوم (الشرف) إلى قضية (منع الحب) بين أي رجل وأية امرأة، وتنظيم الزواج بشكل شديد التخلف و الصعوبة و حيث لا يرى الزوج وجه زوجته إلا في ليلة الجماع الأولى (الدخلة) و أي خرق لهذا الأمر يعتبر كبيرة الكبائر.

من هنا يمكن القول إن تحول الجنس إلى (تابو) خطير هو واحد من أهم موانع التطور في المجتمع السوري المحافظ ، و ذلك لأن العقل الذي يبقى أسيرا للشهوة ، لا يمكن أن يصبح عقلاً معرفياً منتجاً و هذه حقيقة قائمة . فجرائم ( الشرف) في المجتمع المسلم كثيرة و هناك بند خاص في قانون العقوبات يمنح مرتكب الجريمة حق منع العقاب حتى و لو قتل زوجته أو ابنته أو أمه أو أخته أو إحدى قريباته إذا رآها في وضع مخل بالأدب أو في حالة ممارسة للجنس مع رجل غير زوجها أو لمجرد الارتياب !! ، و هذه قضايا تعد بالآلاف و تشغل عقل المجتمع بشكل كبير .

الثقل التاريخي الرابع: الجنس الآن (تابو) اسلامي كبير ومعقد لم يكن كذلك أول الرسالة المحمدية!  

ث - أما من الناحية السياسية (قضية السلطة) فمن المعلوم أن سورية الحالية حصلت على استقلالها عن فرنسا عام 1946م و بعد ثلاث سنوات أي عام 1949من ممارسة الحكم الديموقراطي قام عسكري مغامر هو حسني الزعيم بانقلاب عسكري أطاح بالسلطة المدنية المنتخبة و حكم البلاد 138 يوماً فقط حيث انقلب عليه زملاؤه الضباط و أعدموه و تتالت الانقلابات العسكرية في هذا البلد ! و المهم هنا ملاحظة سلوك الجماهير خلال هذه الانقلابات ، حيث إن سلوكاً آخر أكثر وعياً و تحدياً كان بإمكانه وضع حد لتدخل العسكر إلى هذه الدرجة في حياة البلاد التي أصبحت رهينة للمؤسسة العسكرية على الدوام !

ما هو سلوك الجماهير حيال الانقلابات العسكرية و الثورات :  

تروي بعض القصص الشعبية أن حلاقاً في مدينة (دمشق) كان عند حدوث أي انقلاب يركب على دراجته و يذهب إلى صديقه الأرمني (أرتين) الذي يمتلك استديو للتصوير و يجلس عنده حتى يضع له في نفس (البرواز) صورة الزعيم الجديد ، ثم يركب على الدراجة عائداً ، حتى أن النكتة تقول إنه في يوم من الأيام عاد إلى (أرتين ) عدة مرات بسبب عدم صحة إشاعة نجاح الانقلاب ! .. فما هي أسباب هذا السلوك ( الدمشقي) القابل لأي حاكم أياً يكن :

1 – المدرسة الدينية الأشعرية:  

لدمشق كأول عاصمة للأمويين خصوصية إسلامية يمكن اعتبارها معبرة ثقافية عن أولئك الذين (يرفضون الثورة) أو (الحشد الجماهيري الرافض للحاكم) ! و مرد ذلك تاريخياً لكون الفكر المعارض للدولة الأموية هو الفكر (العلوي) أي الذي يوالي

( علي بن أبي طالب) 5 ، و هذا الفكر أي ( العلوي) قال بأحقية الإمامة لعلي على غيره و جسد مشكلة المسلمين الأولى في عدم إعطاء الحق لصاحبه ، ول نسل علي من بعده أي( الأئمة ال 12 ) . 

لكن الثورات التي تدعوا بالإمامة لم تتوقف حتى مع نهاية الدولة الأموية ، فلقد استفاد منها العباسيون و حكموا تماماً كما حكم الأمويون ، و نكلوا بغيرهم أيضاً  .

أما من حيث المبدأ القرآني فإن الحكم يقول ( و أمرهم شورى بينهم) و هنا يعود المسلمون للاختلاف على فكرة الشورى فمنهم من يراها نواة ل ( ديموقراطية حقيقية ) و منهم من يراها ديموقراطية ( النخبة ) أي اجتماع (أهل الحل و العقد ) و اختيار الإمام .. و يعتبر ( أبو حسن الأشعري )7 874-936م هو الفيلسوف الإسلامي السياسي الأول في نصرة الحكام و ذلك بشرحه لفكرة تنصيب الإمام و (الشورى ) بأنها تقتصر على اجتماع أهل الحل و العقد حتى لو كان عددهم ( رجل واحد ) أي أن يبايع رجل رجلاً آخر ! و يمنع منعاً قطعياً الخروج على الحاكم و يعتبرها أكبر الفتن و الخطايا.

الثقل الخامس  : الطوائف الإسلامية هي أحزاب سياسية ذات محتوى ديني و نظرية خاصة في السياسة قائمة على ركائز تقديس ! 

عند عودتنا للتركيز على الحالة السورية يذكر هنا أن الشيخ ( محمد سعيد رمضان البوطي) 8 الذي تم اغتياله في دمشق عام 2016م ينتمي لمدرسة الأشاعرة و هذا ما فسر موقفه من الانفجار الشعبي السوري الكبير عام 2011م و رفضه التام له و الوقوف مع الرئيس بشار الأسد ، الأمر الذي ساهم في عدم سقوط النظام و نصرته من قبل عدد كبير من الدمشقيين و الحلبيين ( السنة ) حيث عكست الحالة هنا تماماً و انتصر الشيخ البوطي للنظرية الأشعرية و ليس للانتماء المذهبي . 

استنتاج: أهل دمشق في غالبيتهم أشاعرة يكرهون الثورة على الحاكم

2 – مهنة التجارة والفكر التجاري الدمشقي  

من المعروف أن دمشق تاريخياً هي أقدم عاصمة مأهولة حتى الآن في التاريخ البشري، ودمشق القديمة في الحقيقة هي عبارة عن مجموعة كبيرة من الأسواق التجارية والأحياء السكنية المحاطة بسور أخضر ضخم من الجهتين الشرقية والغربية (الغوطة) وفي حقيقة الأمر هذه الغوطة هي سحر دمشق وجمالها لأنها بساتين من الفاكهة والإنتاج الزراعي والحيواني.

لكن العائلات الدمشقية الأساسية عائلات تجارية في الحقيقة و هي تمارس التجارة أباً عن جد منذ آلاف السنين، الأمر الذي جعل سلوكها الاجتماعي سلوكاً ليناً مهذباً عاشقاً للسلام و الاستقرار، و كارهاً حتى للسياسة بشكلها الصراعوي . و مرد ذلك إلى أن الاستقرار وحده يقدم الشروط اللازمة لنجاح التجارة و عدم ذهاب الثروة ، بينما يميل الفلاحون و العمال و حتى أصحاب المصانع لنوع آخر من التفكير اثبته التاريخ .

فأهل الريف وهم غالبية الشعب السوري يقطنون ريف دمشق و حمص و سهل حوران و الساحل و منطقة الجزيرة هم الفئة التي تعتبر أكثر قلقاً من التجار. فمن يزور مدينة حمص اليوم و نحن في عام 2018م (مشاهدات الباحث بأم العين) يجد بأن الأحياء التي لحقها الدمار في المدينة هي أحياء المعارضين الذين لا ينتمي أهلها لطبقة الأثرياء و التجار بل للعمال و الفلاحين و خصوصاً ذوي الأصول الصحراوية الرعوية ممن نزح حديثاً للعيش في المدينة ، الأمر الذي يدعو للاستنتاج :

استنتاج : كان الراعي البدوي و الفلاح و العامل المتعيش جاهزا للثورة أكثر من غيره ضد النظام !

الحلقة الثالثة     ( الطريق السوري إلى العلمانية ) 

3 -  مدرسة الإخوان المسلمين و السلطة  

مدرسة أو جماعة الإخوان المسلمين أسسها حسن البنا 9 سنة 1928 في مدينة الاسماعيلية المصرية . و  تم اغتياله  عام 1949م ، و لم يكن لهم وجود يذكر في سورية  في البداية . و شعار الإخوان  هو /الله غايتنا , الرسول قدوتنا , القران دستورنا , الجهاد سبيلنا , الموت في سبيل الله أسمى أمانينا / .

يسمى الرئيس بالمرشد العام وهو يرأس جهاز السلطة المكون من مكتب الإرشاد ومجلس الشورى العام .

شريعة الإخوان تقول / إن الإسلام عقيدة وعبادة ووطن وجنسية وروحانية وعمل ومصحف وسيف , وهي طريقة سنية ودعوة سلفية وحقيقة صوفية وهيئة سياسية وجماعة رياضية ورابطة علمية وثقافية وشركة اقتصادية وفكرة اجتماعية .

يعتبر هذه الأيام يوسف القرضاوي المقيم في قطر مع الشيخ جمعة امين من مفكري جماعة الإخوان المسلمين الأوائل.

و هنا علينا أن نلاحظ تتابع الأحداث مع منظمة الإخوان المسلمين في مصر بشكل سيغير ثقافة (الأشاعرة) في العالم السني إلى حد بعيد يؤدي فيما بعد لظهور (القاعدة) و ( داعش) و ( النصرة) :

في عام 1938م وبعد عشره سنوات من إنشاء الجماعة فكر حسن البنا بنقل جماعته إلى الجيل الثاني وهو الجيل المحارب أو جيل الجهاد  وبالفعل انتقل بالجماعة من العمل المدني والدعوي إلى العمل العسكري .  

 فأنشأ فرقاً للرحلات تطورت لجواله بلباس عسكري تطورت إلى كتائب تطورت إلى أسر، تطورت بطبيعة الحال لتنظيم مسلح .. عرف هذا التنظيم باسم الجهاز الخاص أو التنظيم السري … شروط الانضمام إليه بالغة الصعوبة لأن عناصره يتم اختيارهم بدقة بالغه .. شعارهم الموت في سبيل الله والتضحية بكل ما هو غالي ونفيس.

 

الثقل السادس القادم من التاريخ: أول عنف ديني عقائدي في بداية القرن العشرين:  

(نشاط إخواني) 

 عند محاولة إعطاء أمثلة عن الممارسات العنيفة للإخوان في مصر نعدد مثلا:  اغتيال رئيس الوزراء /1945

1947 محاولة تفجير فندق الملك جورج ، 1948 اغتيال اللواء سليم زكي ، و أفعال مشابهة كثيرة . أما في سورية   فبحسب معهد كارينغي أن جماعة الإخوان المسلمين تأسست في سورية في العام 1942 بمبادرة من مصطفى السباعي (طبيب )10  ، وهي تُعد امتدادا لجماعة الإخوان المسلمين في مصر التي أسسها حسن البنا في العام 1928. ومن أهم معاقلها مدن حماة وحمص حلب. شارك الإخوان في العمل السياسي في سورية منذ العام 1946، وكان لهم نواب في البرلمان، وشاركوا في الحكومة حتى العام 1963.   في العام 1964 اغتالت عناصر مسلحة من الإخوان المسلمين مسؤولين حكوميين 11     

ونفذت تفجيرات لمبانٍ حكومية ومكاتب حزب البعث. وقد قامت مجموعة "الطليعة المقاتلة" في الجماعة في العام 1975 بحرب مسلحة ضد النظام استمرت طويلاً 12   ثم قتلت 83 تلميذًا ضابطًا علويًا في مدرسة المدفعية العسكرية في حلب. إثر هذه الأحداث، أصدر الرئيس حافظ الأسد القانون الرقم 49 في العام 1980 الذي حظّر الحركة وعاقب كل من يثبت انتماؤه لها بالإعدام.  وحدثت معركة حماة المأساوية المؤلمة حيث سقط الكثير من الضحايا الأبرياء من أهل المدينة وكان ذلك الحدث الخطير ينبئ بالتناقض الأكبر والأعنف ضمن المجتمع السوري. 

استنتاج: العنف السياسي صار حقيقة واقعة في سورية!

استنتاج: الفكر الديني في سورية يتصارع بين الاشاعرة و الإخوان و كلاهما ( سنة ) مع وجود حالات صوفية خاصة مثل طريقة المفتي الراحل ( أحمد كفتارو )  13  و جماعته ! (النقشبندية)14

 استنتاج: في سورية يوجد تعدد مذهبي وطائفي يلعب دوراً خاصاً في مسألة العمل الديني السياسي ويوصل الأمور إلى التناحر بلا علمانية.

استنتاج: العلمانية ضرورة حياة للسوريين. 

الحلقة الرابعة    ( الطريق السوري للعلمانية )  

2 – شرح لمفهوم (العلمانية) والرؤى المختلفة حوله

لابد من الإقرار بأن مفهوم العلمانية ( Secularism ) هو منتج للفكر ( الأوروبي) بالأصل جاء نتيجة معاناة الأوروبيين الكبرى من الحكم الكنسي ! و تخلف الكنيسة الكاثوليكية ، دوناً عن مرض الطاعون و الأوبئة التي كانت تنتشر في مدن أوروبا قبل عصر النهضة و كان رجال الدين يداوونها بالدعاء الديني ، بدل البحث عن الأسباب و البحث في العلوم الكونية التي تؤدي للعلاج !

كما أن تخلف النظام السياسي الزمني الذي كانت الكنيسة تصر على اتباعه و هي تحاول الاحتفاظ بالسلطتين الروحية و الزمنية أدى بالمجتمعات الأوروبية إلى الكثير من المآسي و الحروب و الاضطرابات التي تجلت في ظهور حركة ( مارتن لوثر) الإصلاحية في ألمانيا ثم انصياع الكاثوليكية نفسها لعملية إصلاح ديني تاريخي ترافق مع ثورة علمية في الفلسفة و التنوير و ثورة صناعية غيرت وجه العالم و كان لاختراع ( المطبعة) الآلية دوراً هائلاً في التنوير يرى الباحث أنه يسبق صناعة المحرك البخاري لأن العقل الإنساني أصبح هو المحرك أولاً .

لقد صنع مفكرون مثل جون لوك  و رينان و دينيس ديدرو و فولتير و سبينوزا و جميس مادسون و توماس جيفرسون ثم في العصر الحديث بيرتراند راسل و كريستوفر هيشتنز .. صنعوا العقل الأوروبي الحديث الذي يأخذ بالأسباب الحقيقية للظاهرة ويتعامل معها بشكل فيزيائي لا يقحم الوهم والأكاذيب.

 في العالم العربي ظهرت العلمانية على يد بعض المفكرين في سوريا أولاً نهاية القرن /19/ وأوائل /20/   وانتقل عدد كبير منهم بعد ذلك إلى مصر وأسسوا صحف "الهلال" و"المقتطف" وغيرها من المؤسسات   والمطبوعات التي تنشر الفكر العلماني .

 ومن المفكرين العلمانيين العرب  في مصر قاسم أمين و أحمد لطفي السيد و زكي نجيب محمود و نصر حامد أبو زيد و فرج فودة و فؤاد زكريا .  و في الشام شبلي شميل وفرح أنطون ويعقوب صروف وجورجي زيدان وسلامة موسى ونيقولا حداد ثم في مرحلة متأخرة جاء مفكرون مثل أدونيس و صادق جلال العظم و أحمد برقاوي وغيرهم.  

لكن نمو المد الإسلامي أدى إلى وقوع الصدام بين التيار العلماني والتيار الإسلامي ممثلاً في المفكرين والكُتَّاب الذين استخدموا صفحات الصحف وإصدارات الكتب ثم ساحات المحاكم كمواقع رئيسة للصراع بين الفكرة العلمانية والفكرة الإسلامية.

فعلى سبيل المثال أحدث حكم قضائي في مصر بالتفريق بين الدكتور نصر حامد أبو زيد وزوجته 15  ، بسبب أُطروحاته العلمانية ضجة هائلة في مصر حيث استطاع ( الإسلاميون) تحقيق نصر رجعي متخلف عبر القضاء يفيد في أن العلماني نصر حامد أبو زيد لم يعد من ملة المسلمين و عقد زواجه بامرأته باطل و بلا مفعول و طلقوه من زوجته فاضطر لاستكمال حياته معها خارج مصر . حيث يوضح المثال حجم الهوة التي لم يحفرها العلمانيون العرب بل التيار الديني الذي شرحنا سابقاً أمراضه.

 تعاريف خاصة بالعلمانية:  

أ – تعريف جون هوك 1817/1906م: يعتبر هذا المفكر أن العلمانية هي إصلاح حال الإنسان باستعمال الطرق المادية دون تناول قضية الإيمان رفضاً أو قبولاً.

ب – تعريف مفكري عصر نشوء الدول القومية الأوروبية: يعتبرون العلمانية هي فصل الدين عن الدولة، أي إنهاء سلطة البابا الزمنية على الدول الأوروبية الناشئة وهي / ألمانيا، فرنسا، انكلترا، ايطاليا، اسبانيا /.

ت – تعريف المفكرين المهاجرين من مؤسسي الولايات المتحدة الأمريكية: هو فصل الدولة عن الكنيسة، أي عدم تدخل الدولة في شؤون الكنيسة، لأنه في بداية إنشاء الولايات الأمريكية كان الحاصل هو العكس، فالتدخل كان يحصل من السلطة الزمنية في قضايا الكنيسة.

ث – تعريف الألماني أرنست رينان: العلمانية هي التزام الدولة الحياد تجاه الأديان.

ج – التعريف الشامل ذو الأجنحة الأربعة 16:

 1 – فصل المؤسسات الدينية عن المؤسسات السياسية.

2 – التمييز بين رجال الدين ورجال السياسة.

3 – فصل معايير الكفاءة في إدارة الدولة عن معايير الإيمان أو الإلحاد.

4 – فصل معايير الإنتاج الاقتصادي عن مقتضيات التقوى والإيمان.

ن – العلمانية والإلحاد:  

يعتبر الدين (كل دين) هو نمط تفكير ماورائي غيبي لتفسير الحياة

( Metafizic)17 فيه عدة عناصر ضرورية لكي يكتمل كدين و هي:

أ – الإيمان بوجود الخالق

ب – وضع تفسير خاص بقضية الخلق بكتاب أو بدون كتاب (معلن)

ت – وجود طبقة رجال دين معينة خاصة بهذا الدين

ث – ممارسة الطقس الديني

وعبر التاريخ البشري لم يكن الأمر مقتصراً على هذه البنود الأربعة بل كان رجل الدين حاكماً سياسياً وقاضياً وطبيباً أي أنه كان يمثل (الإله) على الأرض. وفي نفس الوقت كان كثير من البشر ينظرون لرجل الدين بعد مشاهدة عجزه الفعلي عن إنقاذهم وإنقاذ أبنائهم من الفقر والمرض والعدوان والظلم، كانوا ينظرون إليه ككاذب كبير! لكن هؤلاء لم يمتلكوا الشجاعة الكافية لكي يحولوا نظرتهم هذه لرجل الدين إلى تفكير جماعي أو مؤتمر جماعي إلا في مراحل لاحقة للتطور البشري. في عصر الدولة الإسلامية.

 ظهر ملحدون مثل: ابن الرواندي، ابن المقفع، الرازي، المعري، أو هكذا رآهم الناس وظنوا بأنهم ملحدون ربما لإنقاص واحد من العناصر الدينية الأربع التي ذكرناها، فالمعري 18 مثلاً وهو المتهم بالإلحاد يطلب رضا ربه مرات في أشعاره الرائعة ولكنه لا يحترم الدين!

لكن بالعموم إذا آمن المفكر الكوسموبوليتيكي أي الشامل بالنظرية الوظيفية أو النوعية للشعوب، لابد عليه من ملاحظة كون شعوب الشرق وتحديداً الشرق الأوسط هي شعوب متدينة وحاضنة للأديان الرئيسية الثلاث: اليهودية والمسيحية والإسلام وليس سراً على أحد أن الأديان هذه التي تعرف ب (الإبراهيمية) هي أديان شرق أوسطية، وأن أهل هذا الإقليم من العالم يغلب عليهم التفكير الديني.

استنتاج: أغلب أهل الشرق متدينون.

من هذه الحقيقة الواقعية وهي (تمسك الفرد بالميتافيزيك) علينا الانطلاق عند الحديث عن (تطبيق العلمانية) من أجل نهضة المنطقة! ولهذا كله، علينا الانتباه بأن العلمانية التي نتحدث عنها ليست هي (الإلحاد) أو رفض (الوجود الإلهي)! بل هي: تطويع أو تفسير النص الديني بشكل يدعم السلوك العلماني في الحياة وفصل الدين عن الدولة.

الحلقة الخامسة   ( الطريق السوري للعلمانية )  

تحد وعمل للنخب الواعية أولاً (حياة أو موت)

4 – الطريق السوري إلى العلمانية : يقول الدكتور أحمد صبحي منصور 19 : الإسلام يؤكد على أنه لا تزر وازرة وزر أخرى ولا يحمل بريء ذنب مجرم لأن المسؤولية شخصية ، وأنه ليس من وظيفة الدولة إدخال الناس إلى الجنة بل خدمة المجتمع والأفراد وتأمين حقوقهم في الحرية والعدل والأمن والثروة و السلطة / هذا هو الإسلام / و ما نراه  هو الدين الأرضي برجاله وأئمته ومؤسساته الكهنوتية يفرض رؤيته الدينية والعقيدية على المخالفين له في المذهب وفى الدين فيضطهدهم ، كما يحدث للمسيحيين في مصر والعراق و للشيعة في مصر و السعودية وللسنيين في إيران الشيعية. / انتهى الاقتباس /.

في سورية اليوم 18000 ألف مسجد سمح النظام السياسي منذ عام 1970م ببناء المساجد ظناً منه بأنه بذلك يثبت (إسلامه) فلقد كان ولازال التشكيك بإسلام الرئيسين الأب و الابن قائماً 20 ! (على طريقة والله لو خرجت من جلدك ما عرفتك) مع أن كلا الرجلين شهد و حج و صام و زكا و دافع علناً ، إلا أن واقع الحال عند البعض غير الحال ، و كان على الرئيسين علمنة المجتمع بدل الاعتقاد بأن استرضاء المتدينين سيؤدي للاستقرار !

وعندما ننظر بواقعية لهذا الرقم 18000 الفاً بالنسبة لعدد الشعب السوري نجد بأن هذا الشعب هو أكثر شعب لديه دور عبادة إسلامية بين كل المسلمين! وأن الاجتماع الأسبوعي يوم الجمعة هو (أهم محرك اجتماعي) في حياة هذه الشريحة من البشر.

وتبعا لذلك فإن الحديث عن (علمنة المجتمع) عبر رفض المسجد هو حديث في الفراغ وخطاب يخلو من الواقعية والذكاء!

فهل هذا ممكن؟

في زيارته لألمانيا قبل عشرة أعوام قال تلفزيون DW عن مفتي سورية الدكتور أحمد بدرالدين حسون 21 وحديثه أمام البرلمان الألماني: / تطرق حسون إلى موضوع العلاقة بين الدين والدولة، مشيرا إلى أن موضوع الخلط بين الدين والدولة بدأ قبل نحو 100 سنة، عندما حاول بعض رجال الدين الاستيلاء على السلطة باسم الدين، متجاهلين أن "الدين موجّه أخلاقي للسياسة وليس حاكماً عليها". ولا يرى حسون أي تعارض بين الدين والعلمانية، إذ قال " العلمانية ليست ضد الدين، فهي تعطي لكل إنسان كرامته وحقوقه". ويضيف قائلاً: "أنا مسلم علماني، ولست ضد العلم والعلمانية". / انتهى الاقتباس /

كما أن الشيخ إياد جمال الدين وهو رجل دين عراقي مشهور يعرف نفسه كمؤمن علماني ويطالب بتطبيق العلمانية في العراق.

أما تاريخياً فإن الفيلسوف والعالم والطبيب والفقيه والقاضي والفلكي والفيزيائي الأندلسي (ابن رشد )22، وهو واحد من أبرز وأكبر وأشهر فلاسفة الإسلام العلمانيين في الحقيقة، كان هو الأهم في تنوير العقل    وصحّح أفكاراً وراجعها ل عُلماء وفلاسفة سبقوه كـَ ابن سينا   الفارابي شارح بعض نظريات أفلاطون وأرسطو! حتى تمَّ اختياره لتولّي منصب القضاء في "إشبيلية" وهو أكبر وأهم منصب في إسبانيا حينها. 

و أول قاعدة له حوّلت الإسبان و الأوربيين صوبَ النّور , مقولتهُ التي حسمت العلاقة مع الدين :

(الله لا يُمكن أن يُعطينا عقولاً، ثم يُعطينا شرائع مُخالفه لها) 

أمّا القاعدة الثانية، فهي مقولتهُ التي حسمت التّجارة بالأديان 

  (التجارة بالأديان هي التجارة الرائجة في المُجتمعات التي ينتشر فيها الجهل، فإن أردتَ التحكم في جاهل، عليك أن تُغلّف كلّ باطل بغلافٍ ديني)  

تمّ تكريمهُ أوروبياً و تم تدريس كتبهُ في أغلب جامعات أوروبا، أبرزها جامعة باريس و جامعة بادو الإيطالية و جامعة نورنبيرغ الألمانية. / المصدر الرشديون المسلمون /

 و لكن لنخصص بحثنا في الشأن السوري ،  يقول الأستاذ جاد جباعي : من يعرِّفون العلمانية بالإلحاد، ويصفون العلمانيين بالملحدين يظلمون العلمانية والعلمانيين. ربما بعض العلمانيين ملحدون...... ، لكن العلمانية لا تعني الإلحاد، لا في دلالاتها اللغوية ولا في دلالاتها المفهومية، ولا في حقول المعرفة المختلفة، ولا في أشكال تحققها في المجتمعات المدنية والدول الحديثة .

استنتاج : السوريون يمكنهم صنع دستور علماني لكنه لا يعارض أو يعادي الأديان    

الأساليب والخطط المقترحة للوصول ل (علمانية سورية واقعية)

أولاً: الدستور السوري الجديد

1 -لابد من الحرص عند وضع الدستور السوري الجديد على وضع مفهوم العلمانية إما تصريحاً أو تعريفاً بحيث يكون تعريف / الدين لله و الوطن للجميع / تعريفاً كافياً و لدينا سابقة في دستور 1952م .

2 – لا مناص في أثناء وضع الدستور من النضال مهما كان صعباً للوصول في قانون الأحوال الشخصية لنوعين من الأحوال طوعيين الأول: المحكمة الدينية الشرعية والثاني المحكمة المدنية وذلك تبعاً لإرادة الإنسان وهناك قواعد شرعية تؤيد ذلك من القرآن الكريم مثل: لا إكراه في الدين. وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين. وآيات قرآنية متعددة تدعم الموضوع.

الحلقة السادسة     (هنا سأقول ما سأرجم عليه )

ثانياً – يتوفر للسوريين مفكر إسلامي كبير(سني) تتم محاربته لكنه مجدد من الطراز الرفيع هو الدكتور محمد أديب شحرور23 . و هو مهندس حاصل على درجة الدكتوراه من ايرلندا، و قد وضع عدة كتب قدم فيها شروحات للقرآن لم يسبقه إليها أحد.

حيث استطاع بكل جرأة و علمية (مثلاً) أيجاد التلاقي بين نظرية النشوء و الارتقاء لداروين و الإيمان القرآني و استطاع إثبات أن القرآن لا يعارض (المساكنة) أي أن يختار رجل و امرأة حرين عاقلين أن يعيشا سوية في بيت واحد كزوجين بدون عقد زواج علناً و بإرادتهما الحرة الكاملة ، الأمر الذي يمكن من خلاله حل العقد الجنسية عند المسلمين كلها .

إن تعميم كتب محمد شحرور لا تساعد فقط في حل الإشكالات الفكرية داخل الإسلام، بل بين المسلمين و غيرهم، لأنه يستخدم العقل الرياضي الهندسي القرآني بطريقة عبقرية و بات له أتباع و مريدون دون أن يتحول إلى رجل دين، و لابد من مساعدته ليكون (لوثر إسلامي) .

ثالثاً : المسلمون السوريون بأمس الحاجة لثورة تربوية كاملة في المدارس و ضمن العائلات و ذلك عبر حكومات واعية محبوبة منتخبة و هم بأمس الحاجة   للتحول إلى الفرح بدل الندب و الحزن. ويمكن العمل على هذا الموضوع لجهة صنع الفرح عبر الفن (أغنية – موسيقى – سينما – مسرح)

رابعاً : في السياسة تحتاج سورية لرئيس علماني قوي محبوب ، كما أنها تحتاج لطبقة سياسية مشابهة لهذا الرئيس تتناوب على السلطتين التشريعية و التنفيذية .

خامساً : إن إيجاد مؤسسات اجتماعية فعلية تعنى بحل قضايا تأخر الزواج عند الشباب و الشابات خارج و داخل البلاد و حل موضوع الأرامل بسبب الحرب يعد قضية بالغة الأهمية تساعد للغاية في الابتعاد عن الفكر الديني المتطرف و تقرب الناس من الفكر العلماني .

سادساً : المجتمع السوري بحاجة ماسة لترخيص أكثر من عشرة آلاف نادي رياضي و لإنشاء وزارة للشباب و الرياضة و لقد عاند النظام في هذا الأمر كثيراً و كان أحد مسببات الانفجار الشعبي 2011م ، فالنوادي الرياضة الاجتماعية التي تشرف عليها وزارة محترمة تحاسب أمام السلطة التشريعية على انجازاتها و عملها تحسن المستوى الحياتي للشباب و تحول الرياضة لطريقة حياة و هذا سيساعد المجتمع إلى حد كبير ، بينما لازال النظام متمسكاً باتحاد رياضي ( فيدرالية) تشبه النقابة التي يجب أن يختصر عملها بحماية حقوق الرياضيين و ليس صنع الرياضة ككل .

سابعاً : يحتاج المجتمع السوري لصنع ثورة فكرية فيما يتعلق بوضع النساء و تعاطي المتدينين مع النساء السوريات ، فالمرأة السورية مثل كل النساء المسلمات تتعرض لاضطهاد حقيقي منذ ولادتها حتى مماتها و ربما نتيجة تغييب الوعي لا تعرف هي نفسها حقوقها في الحياة .. إن إنقاذ المرأة سيعني إنقاذ المجتمع لأن المرأة هي المدرسة الأولى للأجيال.

ثامناً : من المهم لنجاح أي مشروع وطني علماني من توفر عناصر الأمل فيه .. والأمل له وجوه مختلفة:

- الأمل الاقتصادي

- الأمل في مشروع تربوي عصري للأطفال و دعم المعلمين و المدرسين فهم الآن يتقاضون أخفض رواتب في المجتمع

- الأمل السياسي في بلد عادل

- الأمل في صنع قضاء نزيه

 

يتبع