حلقة جديدة من كتاب "عشرة أعوام مع حافظ الأسد": حـقـبـة بـيـريـز

حينما بدأ الحديث في موضوع المباحثات، أقرّ روس أن الأمور كانت تسير ببطء، أثناء حقبة رابين، لأن رئيس الوزراء الإسرائيلي المتوفى حاول احتواء المتطرفين بدلاً من استفزازهم، و هم الذين انتهى بهم الأمر في نهاية المطاف إلى قتله. و أضاف أن الأمور ستكون مختلفة مع شمعون بيريز، خليفة رأبين، و منافسه و صديقه مدى العمر.


 كان الرئيس كلينتون قد رأس في 5 تشرين الثاني / نوفمبر وفداً أمريكياً كبيراً و مهيباً للمشاركة في جنازة رابين، و يعود سبب ذلك جزئياً إلى احترامه جهود رابين في أوسلو، و إلى اهتمامه أيضاً بمعرفة مدى رغبة كان بيريز في متابعة سياسات رابين بشأن السلام مع سورية. و كان الأسد، من جانبه، مستعداً لإعطاء بيريز فرصة لإثبات صدقه، و مع أن بيريز كان هرماً و معتلا، و هو في سن الثانية و السبعين، فقد كان واحداً من أكثر السياسيين حنكة في إسرائيل، إذ إنه استمرّ عضواً في الكنيست بلا انقطاع منذ عام 1959. إضافة إلى ذلك، كان عضواً في عدة وزارات إسرائيلية، و قاتل في حرب عام 1948، و كان له وزن ثقيل في حزب العمل، و قد مُنح جائزة نوبل للسلام في عام 1994 بالمشاركة مع ياسر عرفات و رابين. كان يعرف عملية السلام بأدق تفاصيلها، لكن نقطة ضعفه، في ما يتعلق بالسوريين، كانت إخفاء رابين عنه أمر وديعته الشهيرة، و لم يسمع بيريز بها إلا حين اكتشف بعد موت رابين " أوراقاً مطبوعة من الحاسوب و وثائق سرية " في إحدى خزائن رابين في وزارة الدفاع، تتضمن الخطوط العريضة لاقتراحه حول الجولان السوري، الموجّه إلى الرئيسين كلينتون و الأسد .


كان رابين قد أجرى المحأدثات جميعها مع الأسد بواسطة الأمريكيين في سرية تامة. و لم يُغلّم بالتقدم على المسار السوري سوى عدد قليل من المساعدين، و بحسب الظاهر، لم يكن بيريز واحداً منهم. و ينبغي ذكر أن هذه القصة نُشرت في ترجمة لحياة بيريز عنوانها الرجل الذي لم يستطع أن يربح، كتبها الصحفي الإسرائيلي أورلي أزولاي كاتز، و تم تداول مقتطفات منها على نطاق واسع حين ظهرت في صحيفة يديعوت أحرونوت اليومية الإسرائيلية في الثالث عشر من أيلول سبتمبر 1996.

و مع أن بيريز غضب جداً لإغفال إعلامه بالصفقة، بصفته نائب رابين و وزير الخارجية، فقد وعد بأن يلتزم بها ، كان من المقرر أن تجري الانتخابات الإسرائيلية في التاسع و العشرين من تشرين الأول/ أكتوبر 1996، و أدرك بيريز أنه إذا توصل إلى صفقة مع الرئيس الأسد، فإن فرصه في أن يصبح رئيس وزراء حقيقياً و ليس بالمصادفة، و قد اعتقد مخلصاً أن بإمكانه أن يبيع السلام مع سورية إلى الشعب الإسرائيلي، و بذلك يبني إرثه الخاص في إسرائيل، بدلاً من أن يتطفل على إرث رابين. و حين قابل بيريز الرئيس كلينتون في واشنطن في العاشر من كانون الأول/ ديسمبر، عبّر عن استعداده للدخول في محادثات مع سورية، سواء أكانت " سريعة أم بطيئة، واسعة أم ضيقة " .


و قال بيريز إنه يحتاج إلى مشاركة قوية من الولايات المتحدة في المحادثات السورية - الإسرائيلية لكي ينجز وعوده. و قد وجدنا ذلك غريباً، فالأمريكيون كانوا فعلاً يؤدون دور الراعي والمُيُسِّر و الوسيط و المشارك. و أي دور أقوى من ذلك يعني تدخلاً سافراً في الشؤون الداخلية السورية، و سيغرق في النهاية عملية السلام بدلاً من مساعدتها. طلب بيريز من الأمريكيين اجتماعاً بحافظ الأسد إما في القدس أو في دمشق. و قال لدنيس روس إن واشنطن هي خيار ثالث. و أضاف: إن حدثاً كهذا فقط سيقنع الجمهور الإسرائيلي أنه قائد جيد مثل إسحاق رابين، إن لم يكن أفضل منه، و أنه سيقدم لهم ما أخفق رابين في إنجازه.1


حـقـبـة بـيـريـز 2


رحب الأسد بالتزام بيريز، قائلاً لروس: " لسنا نحن من قتل رابين، بل من قتله هو متطرف إسرائيلي ". و شرح الأسد وجوب فهم بيريز أن السلام يحتاج إلى قرارات شجاعة، و إلى شخص يستطيع أن يفي بالتزاماته و يحترمها، كما أنه يتطلب شخصاً يستطيع أن يبيع السلام للمتطرفين و المتشددين داخل إسرائيل نفسها، و بكلمات أخرى كان الأسد يسأل روس عن مقدار تمتع بيريز بشخصية من ذلك النوع.

وقد بدأ بيريز أكثر طراوة من رابين في مسألة الأطر الزمانية و الإجراءات الأمنية. و بدا أن معظم تحفظات رابين حول توقيع اتفاقة سلام مع السوريين لا تثقل كاهل بيريز. لكنه كان يفتقر إلى صفات القيادة و الجاذبية الشخصية، و هذا أقلق الرئيس الأسد إلى حد بعيد. و حين أخفق روس في إقناعه بالحاجة إلى لقاء بيريز وجهاً لوجه، خرج بفكرة خلاقة جديدة في الدبلوماسية العلنية، و هي لقاء ثلاثي في واشنطن يجمع الأسد و كلينتون و بيريز. و أخفقت هذه أيضاً في الحصول على موافقة الأسد، الذي رفض الفكرة رفضاً تاماً. 

و بعد ذلك، ذكر روس أرملة رئيس الوزراء ليا رابين، التي عبّرت قبل مدة قصيرة عن التزامها بجهود زوجها لإحلال السلام. أشار روس إلى أنه سيكون من المستحسن " إن قمتم سيادتكم بالبناء على هذا التراث، الذي يلقى شعبية واسعة في إسرائيل اليوم، بإرسال برقية تعزية لها. فسيعتبر هذا عن التزام بالسلام و بإرث إسحاق رابين ''. و مرة أخرى، قال الأسد " كلا " .

الأمر الذي دفع رابينوفتش إلى التعليق في مذكراته بعد بضع سنوات: " أفضل ما يقال عن رد فعل سورية المباشر على اغتيال رابين هو أنه كان متحجر القلب! ".

و إن ما وافق الأسد على القيام به دلالة على حسن النية تجاه بيريز هو استعمال نفوذه الكبير في لبنان لإقناع حزب الله بإيقاف هجماته المسلحة على شمال إسرائيل. و قد قال لروس: "يجب أن يكون هذا متبادلا. تذكر أن بيريز أكثر تحكماً بجيشه من تحكمنا نحن بحزب الله ". فرح روس بالحصول على شيء من الأسد و تمسك به على الفور، و سأل: "هل يمكنني أن أقول بصراحة لبيريز إنكم ملتزمون بتهدئة الوضع في جنوب لبنان؟ أنا لم أبحث هذا الأمر معه، لكنني سأثير الموضوع " قال الرئيس الأسد مبتسماً:


" أرجو أن تقوم بذلك! لكن أرجو التوثّق من أن يتوقف الجيش الإسرائيلي عن قصف جنوب لبنان ". أشار روس إلى أنه من المؤكد أن يعطي السلام دفعاً قوياً إلى الأمام، إذ سيضع أساساً صلباً يستطيع بيريز أن يرتكز عليه و أن يحصّن نفسه داخل إسرائيل.


و أذكر أنني أثناء قيامي بالترجمة، علّق كريستوفر روس و دنيس روس على كلمة ( لا أذكر ما هي بالضبط ) ترجمتها لتوي من الإنكليزية إلى العربية. و قد شرحتُ للرئيس الأسد الاستخدامات المحتملة لهذه الكلمة، و لم يوافق الأمريكيون على رأيي، و لكن و بعد نقاش اقتنعوا، فقال لهم الرئيس الأسد مداعباً و بابتسامة فيها أعتزاز:


" نعم أنتما أمريكيان، لكنكما لا تحملان شهادة دكتوراه في الأدب الإنكليزي مثل بثينة ".


1- من كتاب الدكتورة بثينة شعبان / عشرة أعوام مع حافظ الأسد 1990-2000 / ص 188


2- من كتاب الدكتورة بثينة شعبان / عشرة أعوام مع حافظ الأسد 1990-2000 / ص 190