الصراع السلفي الصوفي في عهد السلطان سليمان القانوني

منذ قيام الإمارة الحدودية العثمانية عام 1299م مرورًا ببلوغ الإمبراطورية العثمانية أوج عظمتها في عهد السلطان سليمان القانوني (1520 – 1566م)، إلى سقوط السلطنة والخلافة (1922 – 1924م )؛ كان التصوف ورجاله من العناصر الأساسية في البناء العثماني، ونعني بالتصوف هنا كل ما يعرفه المتخصصون عن الطرق الصوفية وتاريخها وأفكارها على تنوعها الكبير ما بين كفتي الميزان الأيديولوجي، حيث تراوحت الصوفية العثمانية ما بين السنية على المذهب الحنفي، وبين الهرطقية الناتجة عن مزيج الأديان الوضعية في آسيا الوسطى وإيران والبلقان، مع نكهة واضحة لأفكار ابن عربي، لاسيما نظرية «وحدة الوجود».


كما شهد التصوف العثماني تطورًا موازيًا للأحداث الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للدولة متفاعلاً معها أشد تفاعل كمؤسسة رئيسية من مكونات الدولة والمجتمع، حيث اعتمدت عليها الدولة إبان نشأتها ونموها وامتدادها في تنفيذ سياساتها، بل وبناء مؤسساتها وتثبيت أركانها، ولم تكن الدولة مستغرقة في الاستسلام للتصوف ومشايخه ونفوذهم القوي، بل كانت تراقب عن كثب تحركات الطرق وتطوراتها وأفكارها، ووقفت لها بالمرصاد، كما اتخذت ضدها كافة الإجراءات التي حافظت بها على المجتمع، وحجّمت من مخاطرها وتأثيرها، وقمعت تمرداتها وثوراتها وانحرافاتها.

ورغم أن التصوف والدولة كانا معظم الوقت رفيقي كفاح، وأحيانًا فرسي رهان، وربما طرفي نزاع؛ إلا أنه ثمة أطراف أخرى تدخلت في المعادلة، وكان التدخل أحيانًا من القوة بحيث أثار الكثير من اللغط وردود الأفعال، وربما صادفت تلك الصدامات ظروفًا سياسية وإدارية غير مواتية، فتفاقمت حتى وصلت إلى التقاتل وإسالة الدماء، بعد أن مرت بمرحلة التكفير والاتهام بالخروج عن الدين، ولم يُستثن من ذلك حتى كبار المشايخ والعلماء.


الغلو الصوفي في عهد سليمان القانوني

في عهد السلطان سليمان القانوني الذي اعتبره معظم الباحثين هو العصر الذهبي للدولة العثمانية، حيث بلغت أوج قوتها العسكرية والسياسية والاقتصادية والتنظيمية والإدارية، كما كان القانوني واحدًا من أعظم سلاطين الدولة وأقواهم شكيمة، وأكثرهم حنكة في مواجهة المشكلات وتقنين القوانين وسن التشريعات وتطبيقها، حتى استحق عن جدارة لقب «القانوني» أو «المُشَرِّع».


في عهد القانوني كان الشيخ الشاب «إسماعيل معشوقي» (1510-1529م)، قطب الطريقة الملامية التي تطورت وتطرفت في مفهومها لوحدة الوجود والوجد الصوفي بعيدًا عن أصلها في الطريقة البيرامية ، قام هذا الشيخ بنشر الزندقة والإلحاد فيما حول العاصمة إستانبول ، وكانت أفكاره مشابهة لتلك الأفكار الإلحادية التي نشرها وعوقب عليها من قبل الشيخ «بدر الدين ابن قاضي سيماونه» صاحب إحدى أبرز الثورات الإلحادية والسياسية في الدولة العثمانية.

 بدأت من البوسنة الطريقة الحمزاوية تمردها على الدولة في الروميلي بعيدًا عن الثورات المعتادة في الأناضول، بقيادة الشيخ «حمزة بالي» (ت 1561م )، ولتتخذ أيضًا شكل التمرد على الدولة ونشر التعاليم الإلحادية. وكذلك قام شيخ الطريقة الخلوتية «إبراهيم الكَلشني» (ت 1550م ) بنشر تعاليمه الإلحادية هو ومريدوه بين الناس.


ويواصل أحد خلفائه منهجه الإلحادي في «أدرنة» وما حولها، وهو الشيخ «محيي الدين قرماني»، ذلك الرجل الذي جسد التفسير المادي لمفهوم وحدة الوجود، حتى أنه ساوى بين الخلق والخالق، ورفض التفرقة بين الحلال والحرام، بل وأنكر الجنة والنار.


وإذا كانت هذه الاتجاهات الصوفية الإلحادية تعكس بدرجات متفاوتة أفكار بدر الدين السيماوني؛ فثمة أفكار أخرى اتخذت منحى مختلفًا يمكننا أن نسميه الاتجاه العيسوي – نسبة إلى نبي الله عيسى عليه السلام، خلاصتها أنها مزج بين الأديان السماوية الثلاثة، اليهودية والمسيحية والإسلام، كما أنها تدعي الأفضلية لنبي الله عيسى على غيره من الأنبياء، وبخاصة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن هؤلاء «منلا قابض» أو «قابض عجم»، كذلك «الحكيم إسحاق» الذي ادعى أن الكتابين المقدسين لليهود والنصارى، التوراة والإنجيل، ما زالت أحكامهما سارية يجب الأخذ بها مع القرآن الكريم سواءً بسواء.

 ويرى العلماء أن هذه الاتجاهات العيسوية أو التلفيقية بين الأديان السماوية هي نتاج الداخلين الجدد في الإسلام في المدن الكبرى التي شهدت كافة الطوائف والملل مثل إستانبول، وهو ما نلحظ له أصلاً في أفكار «مولانا جلال الدين الرومي» صاحب المثنوي، الذي كان يدعو الناس على مختلف أديانهم إلى تكيته، ويقول: «إذا كنت موسويًا أو نصرانيًا أو بوذيًا أو مجوسيًا ، فهلم إلينا»، إلا أن الفارق الجوهري هنا هو تسامح «مولانا» وليس خلطه.


ويمكننا أن نعتبر تلك الاتجاهات الصوفية المتنوعة هي ممثل الليبرالية في ذلك الوقت، فقد تحررت أفكارها وسلوكياتها وطقوسها عن كل التكليفات والشعائر الدينية، واخترعت لنفسها مزيجًا من الأفكار والممارسات التركية القديمة القادمة مع المهاجرين الأوائل من آسيا الوسطى، مع منظومة العادات والتقاليد لقبائل التركمان الرحل المنتشرة في الأناضول، إضافة إلى الفلسفة الصوفية الحروفية القادمة من إيران عبر أذربيجان، وغير ذلك من أفكار وفلسفات تطورت متفاعلة من المجتمع بعناصره ومؤثراته.


بالطبع وجدت تشابهًا مع الإسلام في بعض عناصره، تقل هذه العناصر أو تكثر وفق درجة اعتماد تلك الطرق الصوفية على الفكر الصوفي لدى أساطينه المعتمدين، أو أدعيائه طلاب الشهرة والسطوة والمناصب السياسية، وكذلك وفق العناصر المجتمعية التي أحاطت بنشوء وتطور كل طريقة من هذه الطرق، والظروف التاريخية التي صاحبتها وأثرت فيها سلبًا وإيجابًا.


الحركة السلفية في مواجهة الطرق الصوفية

مثلت حركة التنقية التي قادها «البركَوي» (ت 1573م ) سعيًا للعودة إلى الأصول والمنابع، فقد كان طالبًا مجتهدًا أتم تعليمه في إستانبول، ثم ترك العاصمة بصخبها ومناصبها، وعاد إلى قصبته الصغيرة “بركَى” ليقوم بالتدريس في إحدى مدارسها.


وبسبب إخلاصه وصدق طويته في رغبته التنقوية، اكتسب شهرة وانتشارًا كبيرًا، وكذلك ثباته على موقفه وإيمانه بقضيته – التي لم يتراجع عنها قيد أنملة – جعل صيته يصل إلى الوزير الأعظم «صوقللي محمد باشا»؛ وقابله الرجل وأسدى إليه البركوي نصائحه التي تصب في اتجاه إصلاح الخلل والفساد الحادث في أجهزة الدولة.

 كانت دعوته الإصلاحية ذات صبغة وأصول سلفية، وقد تأثر في تحركاته وأفكاره ومؤلفاته بأنموذج «ابن تيمية» (ت 1328م )، ولعل الدليل الأبرز على ذلك هو أشهر مؤلفات البركَوي كتابه «الطريقة المحمدية في السيرة الأحمدية». كان البركوي متجهًا بدعوته التنقوية إلى المجتمع كله والطبقات الشعبية منه على وجه أخص، ضد البدع الصوفية، وكذلك ضد ما يراه بدع أهل السنة، وعلى رأسهم الحكومة العثمانية ذات المذهب الحنفي.


وجه فئة من علماء هذا الزمان، مثل «كاتب جلبي»، انتقادات للبركوي، ورأوا أن دعوته بلا جدوى، لأنه يعارض العادات والتقاليد التي درج الناس عليها وتوارثوها، كما رأوا أن البركوي غير ملم بأحداث التاريخ وصيرورته. والغريب في الأمر أن كاتب جلبي في كتابه ميزان الحق وفي المبحث العشرين الذي يتناول قصة البركوي مع الشيخ أبي السعود يورد ترجمة للبركوي يذكر فيها أنه في مطلع حياته «اشتغل لفترة بالتصفية الباطنية وانتسب للشيخ عبد الرحمن القرماني المرشد الكامل للطريقة البيرامية».


لم يتورع البركوي عن مهاجمة الدولة وأجهزتها ومؤسساتها، ولم يتحرج في توجيه الاتهامات إلى العلماء العاملين في خدمة الدولة بأنهم خارجون عن الدين، هذه الاتهامات التكفيرية طالت حتى شيخ الإسلام الأقوى والأشهر «أبو السعود أفندي».


ورغم هذا الرواج وتلك الشهرة وردود الأفعال التي لقيتها دعوة البركَوي وحركته؛ إلا أن تأثيرها المرجو منها كان غير قوي في وقتها، فلم تكن حركة لها من التنظيم والتنظير ما يجعلها متنامية بشكل تصاعدي، ولا مؤثرة بشكل متزايد، أو يمنحها الأسس والقواعد التي تجعلها «حركة» أو «دعوة إصلاحية»، أو «جماعة»، أو غير ذلك من التكوينات التي تكتسب عمقًا وامتدادًا في التاريخ وتأثيرًا قويًا في المجتمع، لتحقق الكثير من أهدافها.


لقد لقيت دعوة البركوي الكثير من المؤيدين، وحظيت بالكثير من الشهرة؛ لأنها كانت تلامس قضايا الحياة اليومية لمعظم أفراد المجتمع، لكنها على العكس من المرجو؛ ساهمت في ظهور انقسام مجتمعي، أو كما نسميه اليوم حالة «استقطاب» بين فريقين نظر كلاهما للآخر على أنه نِدّ أو عدو، وأوجدت حالة الانقسام تلك المزيد من القلاقل والصراعات والصدامات استمرت بعد وفاة البركَوي لعدة عقود.

 استكمل «قاضي زاده» (ت 1635م) نفس النهج السلفي للبركَوي، وهذه المرة كانت سلفيته في العاصمة إستانبول، فأعلن قاضي زاده وأتباعه الحرب على كل الطرق الصوفية، حتى ما كان منها مواليًا للدولة وداعمًا لها، وما كان منها بعيدًا بشكل كبير عن الأفكار الإلحادية، وشنوا حربًا من الخطب الرنانة ضد المتصوفين، ووجهوا مشاعر العامة البسطاء إلى كراهية الصوفية؛ بل عمدوا إلى شيطنتها ورميها بالضلال والكفر، ثم تفاقم الأمر حتى طالت قائمة ممنوعاتهم أمورًا نراها اليوم لا بأس بها؛ بل لا نلتفت إلى كونها غير مستحبة؛ مثل تنغيم الأذان وتجويد قراءة القرآن، وإنشاد المولد النبوي الشريف، وتزيين المساجد، ثم وصل التنطع إلى المطالبة بإلغاء الرياضيات والعلوم العقلية من المدارس، رغم أن البركوي كان قد حصّل علم المنطق من العلوم النقلية بإتقان، إلا أنه أنكره في مؤلفاته لكونه غير متوافق مع مشربه” كما ذكر كاتب جلبي في ترجمته.


مواجهة من لا يملك ضد من لا يستحق

كانت منطلقات الصراع بين الطرفين تثوي خلفها الكثير من دوافع المناكفة والمباغضة والتشاحن، وكان من المتوقع أن تتطور هذه الصراعات إلى اشتباك الطرفين في صدامات مسلحة سالت فيها الكثير من الدماء.


يبدو لي أن حركة قاضي زاده دخلت المعركة الخطأ مع من لا يستحق، فقد كانت الصوفية الليبرالية تحتاج إلى التقويم لا إلى الصدام، وللحجة القوية والبرهان الساطع، والجدال بالتي هي أحسن، مع علمائهم وطلبة العلم منهم، وللعامة الدعوة بصدق نية في الإصلاح والحكمة والموعظة الحسنة.


وإذا أردنا أن نتحدث هنا عن الحلول العلمية والعملية التي اتبعتها الدولة العثمانية في مواجهة هذه المشكلات الفكرية والثورات الأيديولوجية، لم يكن الحل عسكريًا، ولا أمنيًا فقط؛ بل كان الحل أيضًا نابعًا من الدين والفكر.


فشيخ الملامية البيرامية الشاب إسماعيل معشوقي، تم تقديمه إلى المحاكمة هو واثني عشر عن مريديه، واتهم بالإلحاد، وأفتى شيخ الإسلام ابن كمال باشا بقطع رؤوسهم، وهكذا كان الحكم شرعيًا وفق النظام القضائي/ الشرعي للدولة، وليس قانونيًا أو عسكريًا.

 والشيخ حمزة أيضًا تم تقديمه للمحاكمة، والتهمة لم تكن فقط الإلحاد، ولكن أضيفت إليها تهمة التمرد، فهؤلاء لم يعترفوا بسلطنة سليمان القانوني، ولا بأركان دولته؛ بل اختاروا لأنفسهم حكومة ووزراء وشيخ إسلام، وغيرهم من رجالات الدولة والحكم، وكان القرار هنا هو فتوى من شيخ الإسلام أبي السعود أفندي بقطع رؤوسهم.


أما الشيخ الخلوتي إبراهيم الكلشني الذي أثارت دعوته الإلحادية وأفكار الزندقة التي نشرها العلماء قبل أن تتدخل فيها الدولة، فقد تمت دعوته إلى مناظرة علمية في مجلس السلطان سليمان، وكانت جلسة عاصفة أظهر المتهم فيها قوة حجته، كما أظهر العالم الذي ناظره ضعف مستواه العلمي والمنطق، فأطلق السلطان سبيل الشيخ الكلشني.


والشيخ محيي الدين قرماني، خليفة إبراهيم الكلشني، تعرض للموقف نفسه، فكان القرار هو نفيه من بلدته كَبزة إلى أدرنة، وهناك أيضًا أثارت أفكاره حفيظة العلماء، وكانت عاقبة التحقيق التالي هي فتوى شيخ الإسلام أبي السعود بإعدامه.


كما كان منلا قابض واحدًا من هؤلاء الشجعان أقوياء الحجة والمنطق؛ حيث جاهر بأفكاره في مناظرة بحضرة سليمان القانوني، وهذه المرة أيضًا لم يتمكن العلماء الذين ناظروه من إقناعه أو إدانته، فأطلق السلطان سراحه، حتى جاء ابن كمال باشا لمواجهته في مناظرة ثانية، فألزمه بالحجة وأدانه، ولما أصر على موقفه، ولم يرجع عن أفكاره التي ثبت خطؤها، صدرت الفتوى بإعدامه.


وتذكر بعض المصادر الأوروبية المعاصرة للأحداث أن هذه المحاكمات والمناظرات كانت تتم في سراي السلطان وبحضوره، وكان هؤلاء الكتاب الأوروبيون يحضرون تلك الجلسات ويتابعون تفاصيلها، بل إنهم كانوا يقدمون بعض الوقائع التي سكتت عنها المصادر العثمانية، كحديثهم عن شخص يدعى «صائب إبراهيم» ادعى نفس أفكار منلا قابض، وعن جماعة ظهرت تدعى «محبي المسيح» كانوا على صلة برجال داخل السراي العثماني.


الجدير بالذكر أن البركوي رغم ما وجهه من انتقادات شديدة لعلماء عصره؛ فإن رد فعل بعضهم – مما استطعت الوصول إليه – لم يكن انتقاميًا ولا عصبيًا، فهذا كاتب جلبي (الذي عاصر التطور الراديكالي لأتباع البركوي) يترجم له في كتابه «ميزان الحق في اختيار الأحق» ويكيل له المدح ويصفه بـأنه «كان من أرباب الاستعداد – محقق ومدقق في العلوم الشرعية – يحيا حياة كلها حرص على إحياء سنة النبي صلى الله عليه وسلم بأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر» ويورد القضية في كتابه بقدر كبير من الحيادية.


أما الشيخ أبو السعود المسئول الأول في الدولة عن تعيين القضاة والعلماء والوعاظ في مناصبهم فقد أتاح له مكانًا ومنبرًا في العاصمة، بل وأتاح الفرصة لرجال البركوي من بعده للاستمرار في توجههم؛ فيأتي نجل البركوي – وهو الشيخ فضل الله – إلى العاصمة فيشتهر صيته في الوعظ، وكان قد أُسند إليه الوعظ في جامع السلطان سليم ثم جامع السلطان بايزيد.


ثم يليه في الوعظ بجامع السلطان سليم الشيخ قاضي زاده الذي واصل دعوة البركوي، حتى حفيد البركوي – الشيخ محمد بن فضل المعروف بـ«عصمتي» – يسير على نفس المنوال، ويُسند إليه الوعظ والتدريس في واحدة من أشهر المدارس وهي مدرسة والدة السلطان مراد الثالث، بتفويض من شيخ الإسلام يحيى بن زكريا (960-1053 هـ / 1553-1644م) وبموافقة السلطان، بل يترقى في المناصب حتى يصير «قاضي عسكر الروملي».

كما أن الوقت كان جزءًا من العلاج، فمعظم هذه الطرق كانت تتعرض في مسيرتها – على المدى الزمني القصير – للانقراض أو الذوبان في طريقة أخرى بمجرد وفاة شيخها أو مؤسسها، وعندما يموت تموت معه أفكاره أو حماسته، فتخضع هذه الأفكار لناموس التغيير والتطوير أو الذوبان والانقراض.


إن الثورات أو التمردات التي قام بها هؤلاء «الراديكاليون» من الطرفين كانت في معظمها ناتجة عن ظروف وعوامل اجتماعية واقتصادية وسياسية، ثم اتخذت صبغة دينية، وأحيانًا كانت تتلقى دعمًا أو توجيهًا خارجيًا؛ لاسيما من الدولة الصفوية في إيران الشيعية ذات العداء التاريخي مذهبيًا وسياسيًا للدولة العثمانية.


كذلك كان الدعم الداخلي والقيادة أحيانًا مصدرهما الرأسماليين من الذين تضررت مصالحهم المالية فاستخدموا نفوذهم وتأثيرهم لدفع الجماهير إلى الثورة، كان هؤلاء من السباهية أصحاب التيمارات، أو من يمكننا تسميتهم بـ «الدولة العميقة» وفق مصطلح الموجة الارتدادية لثورات الربيع العربي. إن التاريخ لا يعيد نفسه؛ بل نحن الذين نقع في نفس المشكلات؛ لأننا لم نتجنب نفس الأخطاء.

 

 



إضاءات