هذه الخدعة الاقتصادية ستساعد في استقرار سورية

الجمل بالتعاون مع مركز مداد ـ الكاتب:  ماثيو أر جي برودسكي وبسام باراباندي

اتخذت الولاياتُ المتحدةُ قرارَ إبقاءِ قوّاتها في سوريّة لمدّة أطول، لذلك ينبغي عليها السّعي لتعزيز نفوذها من أجل مواجهة إيران، وتحسين مكانتها إزاء روسيا في مفاوضات لعبة نهاية الصّراع في سورية.


تمرُّ الحربُ في سوريّة بفترة من الهدوء، مع وقف لإطلاق النَّار غير مستقرٍّ إلى حدّ كبير، تحت حماية تركيا في إدلب؛ وبينما لا تزال الولايات المتحدة وحلفاؤها العرب والكرد يسيطرون على شمال شرق البلاد، فإن قواتُ الحكومة –المدعومة من روسيا وإيران– قامت باستعادة النصف الآخر من البلاد. لكن هذا لا يعني أنهم قد توقفوا عن السعي الحثيث لتحسين مواقفهم الاستراتيجية، وسط هدوء نسبي وتهديدٍ دائم بالانهيار في أي لحظة.


يرى كلٌّ من الرئيس بشار الأسد، والرئيس فلاديمير بوتين، والقادة في إيران، أنَّ المسارَ الدبلوماسيَّ يهدفُ الآن لجذب الاستثمار الدوليّ لإعادة الإعمار؛ ذلك بمحاولة إقناعِ العالم بانتهاء الحرب في سوريّة واستقرار الأوضاع فيها. مع تمسكهم بالطريق السياسيّ الذي يمر عبر عملية أستانا، بقيادة روسيا، وتنضم إليها إيران وتركيا، والتي تعتمد مشاركتها على الحليف [الأمريكي] التي تشعر بتقلص دوره حالياً. تم إطلاق مسار أستانا، من أجل إعداد الإصلاحات والحفاظ على هيكل السلطة نفسه وبقاء حليف بوتين.


رغم وجود قائمة طويلة من الخلافات بين أنقرة وواشنطن، تبقى تركيا في الوقت نفسه شريكاً رئيساً لكلّ من الولايات المتحدة وروسيا، وهو موقف لا يستقيم عندما يتعلق الأمر بمستقبل سورية. لكن من وجهة نظر أنقرة، فإنَّ تحالف أمريكا مع الكرد يمثل حجر عثرة أمام شراكة أكثر تماسكاً. يجب على الولايات المتحدة استخدام نفوذها مع شركائها من أجل تعزيز موقعها التفاوضي مع روسيا.


ويكون ذلك على أساس العمل على إبرام اتفاقية من شأنها أن تشكل تكاملاً اقتصادياً بين منطقة شمال شرق سورية أو منطقة الجزيرة مع جيب إدلب الشمالي الغربي، الأمر الذي سيؤدي إلى ربط العرب والكرد مرة أخرى على جانبي نهر الفرات، مع استبعاد المناطق التي تسيطر عليها القوات الحكومية إلى الجنوب. سيكون التركيز الأوليّ على التجارة –لا سيما الموارد الزراعية، مثل: القطن والقمح من الشرق، والفاكهة والخضروات من الشمال الغربي، ويُعَدُّ معظمها ضروريّاً للاستهلاك المحلي.


يتطلب الشروعُ في هذه العمليّة دبلوماسيّةً أمريكيّةً حذرةً، تحديداً في مدينة منبج التي تتوضع بين مناطق النفوذ التركية والأمريكية. وتشكل خط التماس الكرديّ التركيّ الأماميّ في سورية. تخضع منبج لاتفاق توصلت إليه الدولتان في حزيران/يونيو، يتضمن عدم نشر مقاتلين أتراك أو سوريين، وانسحاب القوات الكرديّة المدعومة من الولايات المتحدة من المنطقة. وهكذا فإنَّ تحويل المدينة إلى مركزٍ اقتصاديٍّ للتجارة بين مناطق النفوذ التركية والأمريكية، هي الطريق الأمثل لحلّ هذه المسائل الشائكة.


يمكن للولايات المتحدة أن تستفيد من نفوذها الكبير في مثل هذه المفاوضات [مع روسيا] عن طريق تسخير إمكانات موارد النفط والغاز السورية التي يقع 95% منها تحت سيطرة الولايات المتحدة وحلفائها الأكراد والعرب في الشمال الشرقي. يتطلب تحقيق الربح من هذا المحرّك الاقتصادي [البترول] تصفيته وتصديره، لكن لا تزال مصفاتا حمص وبانياس وموانئ التصدير الثلاثة على ساحل البحر المتوسط تحت سيطرة الدولة السورية. والحلَّ هو إرسالُ النفطِ إلى تركيا التي ستحقق ربحاً من تصفيته وتصديره إلى أوروبا. يمكن إنشاء وإدارة صندوق مشترك من قبل الولايات المتحدة وتركيا وممثلين عن منطقة الجزيرة، وهو ما يسمح لهم بمنع الأرباح من تمكين أي مجموعة طائفية واحدة على حساب الآخرين. وبقيامهم بذلك، يمكنهم البدء في تحديد هوية الأكراد السوريين غير الموالين لحزب العمال الكردستانيّ، الذي تعدّه أنقرة جماعة إرهابية.


ستؤدي عمليةُ إعادة الدمج الاقتصاديّ هذه في شمال سورية إلى تحقيق أهداف متعددة. وبصرف النظر عن الفائدة الواضحة لنحو ما يقرب من ستة ملايين سوري يعيشون داخل المنطقة الاقتصادية المزمعة، فإنها ستشجع أعداداً كبيرة من اللاجئين والنازحين داخلياً على العودة دون خوف. ويمكن عن طريق الصندوق المشترك المشار إليه آنفاً، تمويل الخدمات الأساسية، وتوفير جزء كبير من الأموال المطلوبة لتحقيق الاستقرار الشامل في سورية. سيوفر هذا بدوره الأسس اللازمة لخلق فرص أعمال مشروعة، من شأنها جذب الاستثمارات الدوليّة في إعادة إعمار سورية، بعيداً عن قبضة الحكومة السورية ورجال أعمالها.


وسيشجعُ هذا النموذجُ الاقتصاديُّ للتعاون على ظهور قادةٍ سوريين جددٍ ومشاركتهم في أي مفاوضات جادة مع "النظام". إن ربط الخطة بعملية جنيف سيشير إلى أن المجتمع الدوليّ لن يقسم سورية، وإنما يوجه رسالة لا لبس فيها إلى الحكومة السورية ومؤيديها بأن العودة إلى العمل بطريقتها السابقة لم يعد خياراً.


كما وسيؤكد هذا النموذجُ الاقتصاديُّ للحكومة السورية أنّه لن يتم استغلال الموارد في شرق البلاد لتغذية النشاط الاقتصادي في المدن السورية الرئيسة التي تقع تحت سيطرة الدولة، دون "انتقال" سياسي لا رجعة فيه، كما هو منصوص عليه في قرار مجلس الأمن 2254.


من شأن هذه الخطة تقديم المزيد من الفوائد للولايات المتحدة، وعزل إيران مالياً في ضوء محاولاتها إيجاد مخارج من العقوبات المفروضة على قطاع الطاقة، فضلاً عن كونها ستمنح الولايات المتحدة أفضلية أمام روسيا، ليس فقط في سورية، ولكن في الخارج.


لابدّ لنموذج اقتصادي [مزمع] كهذا من الإسهام في تحقيق ما ناضل السوريون من أجله منذ العام 2011: الكرامة والاستقرار وفرص العمل وسيادة القانون وعقد اجتماعي جديد، فضلاً عن الحماية المادية والسياسية. ويمكنهم حينها إعادة بناء بلدهم بأنفسهم دون سيطرة إدارة ترامب المباشرة على سورية؛ بل باستخدام قدرتها المالية الوفيرة نحو مستقبل أفضل.

 


 
المصدر: ناشونال إنترست    (The National Interest)